إما عليها وإما فيها

single
كنت قبل أيام أروي لمجموعة من الأصدقاء ما حدث لي قبل سنوات مع مجموعة كبيرة من الطلاب اليهود في مستوطنة "ياعد" التي أقيمت على أطلال قريتي "ميعار" المهجرة منذ عام 1948 فقد استرسلت يومئذ في وصف جمال المكان وسحره فوقف طالب وسألني: أرى أنك تحب هذا المكان حبًا كبيرًا فهل ترغب بالعودة إليه؟ فأجبت: طبعا. فعاد وسألني: وتبني بيتك هنا؟ فأجبت: أجل. فسألني للمرة الثالثة: وتطردنا من هنا؟ فأجبت بهدوء: التاريخ البشري يشهد أننا لم نطرد أحدا في يوم ما وعلى هذه الأرض متسع لي ولك. وعندئذ صفّق الطلاب معبرين عن رضاهم إلا أن محاضرا جامعيا يهوديا كان زميلاً لي في الندوة وقف معارضا لي ولهم وقال: لقد خدعكم بكلامه الجميل. إذا عاد محمد إلى هذا المكان وأصبح جارا لكم فسوف ترحلون من هنا. أنتم تعرفون بأن اليهودي الروسي لا يجاور اليهودي الأثيوبي كما أن الأوروبي لا يجاور المغربي فكيف تتجاورون مع العربي؟
   وحدث أن كان بين مجموعة الأصدقاء رجل أعتز بصداقته وأعجب بمواقفه الشجاعة فقال معقبا على كلامي وهو يبتسم: أنتم جيل متسامح وقد حدث لأبي ما حدث معك.
   أدرك أن أجابتي قد لا ترضي البعض من أبناء الجيل الجديد الذين كانوا يفضلون أن أجيب بحزم: هذا المكان لي وهذه الأرض لي وهذا الفضاء لي وهذا الهواء لي فأبحثْ لك عن مكان آخر!.
   أبناء الجيل الجديد لا يعرفون تجربة الآباء والأجداد فهم لم يعيشوا التشرد ولم يسكنوا الخيام الصفراء ولم يناموا شهورا تحت الأشجار ولم يجوعوا ولم يعطشوا ولم يشاهدوا قوافل اللاجئين النازحين إلى المجهول ولم ير الأهل الذين جمعهم العسكر في الساحات جالسين على التراب في الحر القائظ والبرد القارس ولم تروا عيونهم الشاحنات المحملة بالناس لتلقي بهم وراء الحدود ولم يشاهدوا القتلى على الطرقات ولم يعرفوا معنى الهوية الزرقاء أو الحمراء ولم تعرف جلودهم سياط الشاويش أفرهام ولم يعرفوا ظلم الحكم العسكري.
   خضنا مع أبائنا وأمهاتنا معركةً قاسية كي نبقى منغرسين في هذا الوطن. ذقنا المرّ وأكلنا المرار والصبار وكظمنا الغيظ وتحملنا الملح على الجراح ووقفنا في وجه الظالمين وأفشلنا سياسة ألترانسفير وقلناها علانيةً: إما عليها وإما فيها.
    يبدو أننا ما زلنا نخوض معركة البقاء والصمود في وطننا ولكن المؤامرة اليوم ازدادت حدة فأحزاب إسرائيلية كبيرة لا سياسة لها الا الترانسفير وأمّا العنصرية فصارت تحتل مقاعد عديدة في الكنيست ونسبة عالية من أبناء الجيل الإسرائيلي الشاب تدعو الى طردنا من وطننا. ألا يدعونا هذا للتفكير بعمق وروية؟
  لست خائفا ولكنني قلق.
لن نكون جبناء ولكن يجب أن نكون حذرين.
نحن يا أهلنا ويا شبابنا ويا فلذات أكبادنا ويا قادة ويا ساسة ويا ناس ما زلنا نخوض معركة البقاء. إما عليها وإما فيها.
قد يهمّكم أيضا..
featured

يا ريت أهل غزة حراذين

featured

انتخابات محليه فلسطينيه" بنظام الليوجرقا " !!

featured

حكومة راحت.. حكومة أجت

featured

توفيق طوبي.. لا للتجنيد الاجباري

featured

محاضرة احترافيّة في الديماغوغية!

featured

فزاعة الامن تعود للصدارة

featured

المرأة بين الماضي والحاضر (1)

featured

الشمعة التي تضيئها الاستقامة: لا تستطيع رياح الدنيا أن تطفئها