*النقاش حول الشبيبة الشيوعية وحول الشباب ودورهم، ليس بالمرة نقاشا تقنيا أو تنظيميا فحسب إنما هو جوهري يمس بشكل مباشر بلا لف ودوران السؤال الأساس، الذي يجب ألا يغيب عن أذهاننا: المستقبل.. مستقبل الحزب!*
(نظرًا لأهمية القضايا المطروحة على ساحة جماهيرنا العربية وحقوقها المدنية والقومية، والنضال ضد الاعتداءات على الحريات الديمقراطية، وكذلك، الحراك الهائل الذي تشهده المنطقة بجميع مكوّناته، تفتتح "الاتحاد" منصة لمناقشة تقرير اللجنة المركزية المقدّم للمؤتمر السادس عشر للحزب الشيوعي، الذي ينعقد الأسبوع القادم - "الاتحاد")
بادرت السكرتاريا القطرية للشبيبة الشيوعية -وفور نشر التقرير الذي أعدته اللجنة المركزية لحزبنا الشيوعي لتقدمه إلى المؤتمر الـ 26 للحزب- إلى دراسة هذا التقرير بشكل معمق وخاصة الفصول المتعلقة بالعمل بين الأجيال الشابة وتوصلت إلى استنتاجات هامة، طرحتها أمام قيادة الحزب والمعنيين بعملنا بين الشباب، خلال طاولة مستديرة عقدت في مكاتب الحزب في حيفا، في الخامس والعشرين من شباط الماضي.
في هذه المقالة سأحاول التطرق إلى أكبر عدد ممكن من النقاط التي طرحت، بهدف إشراك الرفيقات والرفاق بها، وهنا لا بد من التأكيد على ملاحظتين مركزيتين:
- أن هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي أي هيئة قطرية من هيئات الشبيبة، إنما تحمل الكثير من الاجتهاد الشخصي لكاتبها.
- تهدف هذه المقالة إلى اثارة نقاش واجتهادات أكثر مما تهدف إلى اقرار وقائع جافة، ومن هنا رأيت بأنه من الصحيح التطرق إلى عدد واسع من القضايا وإن لم تنل ما تستحق من تعمق، كما أنني اخترت متعمدا ترك بعض الأسئلة مفتوحة علها تستفز فينا شيئا إلى المزيد من التفكير والاجتهاد.
- توطئة- ما هو الحرس الفتي وما حاجتنا إليه؟
اتحاد الشبيبة الشيوعية الاسرائيلي، يعتز بأن يعرّف على أنه الحرس الفتي لحزبنا الشيوعي، والمقصود من هذه المقولة أوسع بكثير من الصورة التي قد تخيّل للبعض: مجموعة من قادة الحزب الطاعنين في السن، يلقون خطابات نارية بوجه الإمبريالية واستغلال الانسان لأخيه الانسان والأصولية، فيما يشمّر الرفاق الشباب عن سواعدهم، حماية لهؤلاء القادة وخطابهم من المعتدين الآثمين.
نعم، نعتز بأن الشبيبة وفي كثير من الأحيان دافعت بالجسد والساعد عن حزبنا وخطابه، وقادته، وهنا لا بد أن يقفز إلى ذاكرة كل واحد منا، مشهد رفاقنا الشباب، وهم يحيطون مبنى بلدية شفاعمرو لمنع عملاء السلطة من الاعتداء على قادة يوم الأرض وعلى رأسهم قائدنا الخالد توفيق زياد والذي صرخ حينها صرخته التاريخية المجلجلة حتى اليوم: الشعب قرّر الاضراب.
فما الذي نفهمه إذًا من هذا المصطلح البليغ المحكم "الحرس الفتيّ"؟
أنا أفهمه كحرس بكل معنى الكلمة، وكجند ينتشرون في الشارع ويروجون لخطاب الحزب بين جماهير الشباب، يناقشون، يؤثرون، يُقنِعون، يقتنعون ولا يهابون -في حال الضرورة- من صد المتطاولين، بما ملكت أيديهم..
لكنني أفهمه -وبلا مسّ بأحد- بأن الشبيبة، ولما يتسم به الشباب من حرارة ثورية هي حرسه من الشيخوخة والتكلّس بل أكاد أقول، التحجر.. إذًا، فشبيبتنا الشيوعية ورفاقنا الشباب عموما، لا يقومون بدورهم كما يجب، وهم مقصّرون بحق حزبهم، إن كانوا جنودا يتحملون بشرف كل أعباء الأشغال السوداء ويتلقون برضا كل القرارات الصادرة عن الهيئات العليا للحزب دون أن يستفزوا، يشاكسوا يثيروا الشك ويستدعوا المزيد من التمعن حينا أو التطلع قدما في أحيان أخرى.
وهنا بوسعي أن أجزم أن حزبنا التسعيني ما كان ليتمكن من شد الخطى بهذا التجدد الواثق نحو مؤتمره السادس والعشرين لولا الدور التاريخي الذي أداه الشباب فيه، والشبيبة الشيوعية على وجه الخصوص، لكنني واثق أيضا أن ثمة حاجة ضرورية لتعزيز دور الشباب أكثر وأكثر ليحسّن حزبنا لياقته البدنية والذهنية وجاذبيته الجماهيرية.
إذًا، النقاش حول الشبيبة الشيوعية وحول الشباب ودورهم، ليس بالمرة نقاشا تقنيا أو تنظيميا فحسب إنما هو جوهري يمس بشكل مباشر بلا لف ودوران السؤال الأساس، الذي يجب ألا يغيب عن أذهاننا: المستقبل.. مستقبل الحزب!
- مستقبل الحزب؟ ضوء أحمر!
في تقريرها المرفوع إلى المؤتمر، استعرضت اللجنة المركزية للحزب، الصورة القاتمة بين الشباب في إسرائيل، إذ تجعلهم الأجواء العنصرية السائدة في البلاد وموجات التحريض الفاشي على الجماهير العربية، إضافة إلى احتدام الأزمات الاجتماعية والاقتصادية والمأزق السياسي، ضحية أسهل للعنصرية والفقر والجريمة وللخطابات الانغلاقية الضيقة. ويكون الواقع أكثر ألما بين الشباب الفلسطينيين في اسرائيل والذين يتعرضون إلى تمييز مضاعف وإلى مخططات سلطوية شرسة للنيل من هويتهم الوطنية.
اللجنة المركزية لا تكتفي بتصوير هذا المشهد القاتم إنما تؤكد بأن على مواقف الشباب المتطرفة أن تشعل أمام الحزب ضوءا أحمر، وهي تقرّ بأن هذه الحقائق كفيلة بأن تجعل حزبنا يكثف عمله بشكل كبير بين جماهير الشباب، وتعترف بالمقابل أن الحقيقة بعيدة عن هذه الحال، ما يؤدي إلى ضعف الحزب والشبيبة بين جماهير الشباب، وهو ما ينذر بامكانية ضعف الحزب في المستقبل.
لكن اللجنة المركزية لم تكتف بذلك بل شددت على أن الاحتمالات لتطوير العمل بين جماهير الشباب وتقبّل هذه الجماهير لخطابنا، واردة وبقوة.
اللجنة المركزية وضعتنا، إذًا، أمام تناقض صارخ: الفجوة القائمة ليست فقط بين الموجود والمرجوّ إنما بين الموجود والممكن.
ويبقى السؤال: كيف نردم هذه الفجوة؟
أو، بحسب الرفيق فلاديمير لينين: ما العمل؟!
- الامتحان الأول- الجرأة على النظر بالمرآة
عفوًا، ليس النظر إلى المرآة إلا الامتحان الثاني. الامتحان الأول يكون بالجرأة على اختيار المرآة الملائمة، لتكون مرآة مستوية صادقة وحقيقية لا مقعرة ولا محدّبة. علينا أن ننظر إلى المرآة ونسأل بموضوعية: كيف يكون حزب كحزبنا، هو الحزب الوحيد الذي يحظى بحركة شبابية منظمة كالشبيبة الشيوعية، بهذه الحالة بين الشباب؟!
وهنا قد يكون أحد المعايير للقلق، ما تعكسه استطلاعات الرأي بين الناخبين من ميول الشباب العرب إلى اختيار قوائم أخرى سوى الجبهة، التي يقف في مركزها حزبنا الشيوعي؟
علينا ألا ننتظر الاجابة من المرآة، فهي لن تشي لنا عن عدو يتربص بنا في غابة بعيدة. الجواب رهن أيدينا. وعلينا أن نكون على قدر كاف من الثقة والمسؤولية لنواجه الحقيقة، ونمارس ما علمنا التنظيم الشيوعي الحقّ ممارسته: النقد والنقد الذاتي!
وهنا، تعترف الشبيبة الشيوعية بثقة المتوثب الناهض من أزمته أنها مرّت في الأعوام الأخيرة بأزمة تنظيمية حادة، بلغت ذروتها عشية وغداة مؤتمرها الـ 18، الذي عقد أواخر العام 2008. وقد ضربت هذه الأزمة هيئات الشبيبة على المستوى القطري وعلى صعيد عدد من المناطق والفروع، لكنني هنا لن أخوض بهذه التفاصيل، وسأكتفي بالإشارة إلى معطى هام جدا توصلت إليه السكرتاريا القطرية للشبيبة خلال دراستها لأمور الحركة: وهو أن هنالك إمكانية حقيقية، وبجد واقعي بعيد عن الخيال إلى توسيع جدي لصفوف الشبيبة الشيوعية، مضاعفة عدد فروعها المنظمة وإغناء كوادرها فكريا وسياسيا.
وهنا، يسأل السؤال مرة أخرى: ما العمل؟!
- عما نبحث أمام المرآة؟
عند وقوفنا أمام المرآة، باعتدال وثقة، نرى معطيين مركزيين:
- أولهما: شح بالغ بالموارد والميزانيات، يجعلنا نتأخر عن كل المنافسين بهذا الصدد.
- والثاني: فكر ثوري نيّر، ومضامين عميقة وحقيقية، لا يستطيع أحد منافستنا فيه.
فلم إذًا الخوض في ملاعب الآخرين، ولم لا نجرّ الآخرين إلى ملعبنا؟ ولم ننشغل بموضوع الميزانيات والموارد وننجر خلف ما يفرضه علينا المجتمع الاستهلاكي الذي أنتجته الآلة الرأسمالية البشعة؟
وهنا، على شبيبتنا الشيوعية أن تعترف بأنها في هذا الصدد لم تؤد ما هو مطلوب منها، ولهذا أسباب عدة، ربما أولها، انشغالها بمعالجة شؤونها التنظيمية في الفترة المنصرمة العصيبة.
وأخاف أن نكون في هذه المرحلة الراهنة نضيّع فرصة حقيقية، وخاصة في ظل التحركات الشبابية العاصفة في العالم العربي والتي وصلت إلى اسرائيل التي غمرتها موجة الاحتجاجات الجماهيرية الحاشدة في العام المنصرم.
هذه التحركات كلها، أكدت للشباب أنهم بالفعل أصحاب الطاقات الجبارة التي لا تنضب، لكن هذا ليس كل شيء، فالحديث لا يدور عن تحرك شبابي فحسب، إنما عن بحث حقيقي عن الغد الأفضل، عن العدالة الاجتماعية والوحدة الكفاحية الأممية لصد القمع الطبقي. فأين كنا، وأين نحن الآن بإغناء هذه التحركات وتسييسها وتوجيهها؟
الجواب قطعا ليس مرضيا!
- أين نحن من فكرنا؟ من طرحنا؟
بعد سنوات طويلة على اصدار آخر مادة إرشادية فكرية للكوادر، وفي ظل شح المحاضرات التثقيفية والأيام الدراسية، صار من الطبيعي، للأسف، أن نحلل الأمور بمزاجية وعاطفية بعيدة عن الاستخدام الصحيح لأدوات التحليل الماركسي وقراءة المتغيرات من خلال رؤيتنا الطبقية، والنفاذ إلى العلاقات الديالكتيكية بين الأمور والادراك وأن دور الثوري الحقيقي لا يكون بفهم ما يدور حوله وتشخيصه فحسب، إنما بتغييره وشده نحو الأصح والأنسب.
غياب التثقيف هذا، يصعّب على كوادر الحزب، استيعاب المواقف المركبة للحزب بقضايا مختلفة، فلماذا الخطاب الأممي، وبخاصة في ظل انعدام الاحتكاك الكافي بالحياة التنظيمية اليومية بين الكوادر العربية واليهودية؟ ولماذا التشبث بمطلب الدولتين؟ وما هو السبب باتخاذ موقف مركب من سوريا مثلا: فنكون ضد جرائم النظام البعثي من جهة وضد التدخل الأجنبي من جهة أخرى؟!
ثم، لماذا لا تعتبر الإطاحة الباسلة بديكتاتور عميل ثورة؟ وهل يكفي أن تذرف دولة امبريالية دموع التماسيح على ضحايا انتفاضة شعبية حقّة لندعو بالموت لها وللحفاة ممن يقفون خلفها عزلا عراة الصدور؟ وهل حقا صعود الإسلاميين إلى الحكم سبب كاف لسبّ الديمقراطية التي هللنا لها؟!
ولحظة، لحظة: شو هي الشيوعية أصلا؟ وهل نحن كفّار حقا؟
إن الرؤية المركبة للأمور تجعل المواقف أقل رواجا بين الشباب المتعطشين لما يروي غليلهم العاطفي، وإذا ما تحدثنا عن كوادرنا الشابة فإنها قد تكون أقل ثقة بالنفس في بعض الأحيان، وفي أحيان أخرى بثقة مبالغة بالنفس، دون ادراك لمدى تركيب المهمة التي ألقاها لينين على الطلائعيين الذين من واجبهم أن يظلوا في المقدمة، ولكن دون أن ينقطعوا عن البقية وهمومهم! فينشغلون بما يهمهم وكيف يريدون لأنفسهم أن يعيشوا حياتهم بلا التفكير كيف يغيرون حياة الآخرين أيضا!
- رغم كل هذا، كلمة ونصف عن أهمية الموارد!
إنني بالضرورة أتفق مع الرأي القائل أن منافستنا للآخرين في ملعب الموارد المادية هي لعبة معروفة النتائج مسبقا، لكن هذا لا يعني أبدا تجاهل الموارد والميزانيات، ليس لمنافسة أحد أو مناكفته انما للاكتفاء الذاتي ولسد أبسط الحاجيات.
ونحن هنا لن نخوض بهذا المضمار مطولا، ونكتفي بالتأكيد على الحزب بأن الاهتمام بالأجيال الشابة يجب أن ينعكس بسلم الأولويات بصرف الميزانيات أيضا، وخاصة لتشغيل المحترفين واستئجار النوادي.
- وأخيرا- عودة إلى السؤال الأول: كيف حدث لنا هذا!
إن تمعنا بالمرآة جيدا، وجدنا من العيوب عيبا آخر، عدا تغييب الفكر وشح الموارد، وهو تهميش الشباب في الحياة التنظيمية للحزب.
تساءلنا، آنفا، كيف يحدث لحزب له حركة شبابية كالشبيبة الشيوعية أن يتراجع بين جمهور الشباب.
وأحد الأجوبة للأسف، هو أن الشبيبة الشيوعية هي السبب.
كيف؟ لأن البعض يتعامل مع الشباب وكأنهم يمتلكون هيئاتهم، ألا وهي هيئات الشبيبة الشيوعية فلماذا يأتون إلى الهيئات الحزبية أيضا؟ كما تميل الهيئات الحزبية إلى اعفاء نفسها من الخوض بشؤون الشباب بادعاء أن الشبيبة تقوم بهذه المهمة.
وهكذا قد تكتفي هيئاتنا الحزبية على المستوى القطري، أو المناطقي والمحلي بعدد طفيف من الرفاق في الثلاثينيات من العمر ويتم التعامل معهم على أنهم "خبراء لشؤون الشباب"!
في هذا ما يفسّر جهل هيئاتنا لعالم الشباب ولغتهم واستخدامهم الثوري مؤخرا لوسائل الاعلام الاجتماعية والبديلة مثلا!
إننا بهذا المجال، لا نقول ان الشبيبة لا ترغب بأن تظل تتحمل ما تحتمل من مهام ومسؤوليات، لكن على الهيئات الحزبية اتخاذ الخطوات الصحيحة-وأولها إشراك الشباب بها- ليس لتحل مكان الشبيبة، إنما، على الأقل، لتجد اللغة المشتركة معها..
الحديث عن لغة مشتركة هام في ظل حقيقة وجدناها خلال مراجعتنا لعلاقات الشبيبة بالحزب، ففوجئنا أن وجود فرع منظم للحزب في بلدة معينة ليس شرطا أساسيا – كالنادي مثلا - لوجود فرع منظم للشبيبة الشيوعية، لكن التعاون ما بين فرعي الحزب والشبيبة قد يؤدي إلى نجاحات وانجازات جبارة، وفي المقابل فإن معظم فروع الشبيبة التي كانت منظمة وخفتت قوتها في السنوات الأخيرة، تراجعت بسبب خلافات داخلية في الحزب، وعلى رأسها الخلافات بالشأن المحلي والانتخابات البلدية.
- نحو المؤتمر..
لم يكن في هذه المقالة متسع للتطرق إلى قضايا حارقة وهامة أخرى بعملنا بين الشباب، وإن كنت آمل أن تتسع الفرصة للحديث عن عمل الشبيبة بين الشرائح المختلفة، بدءا بالأطفال وبناء خلايا أبناء الكادحين مرورا بطلاب المدارس وبخاصة الثانويين ومن ثم الجامعيين ووصولا إلى عملنا بين العمال الشباب وعملنا النسوي وغيرها من القضايا، التي تطرقنا إليها بشكل مسهب خلال النقاش المفتوح حول الطاولة المستديرة التي ذكرناها سابقا.
لقد قدمت السكرتاريا القطرية خلال تلك الجلسة الخطوط العريضة لخطة عمل استراتيجية، نأمل للهيئات المنبثقة عن المؤتمر أن تحسن التعامل الجدي معها، لما قد تشكله من فرصة بانطلاقة هائلة للشبيبة وعملها.
نذهب إلى المؤتمر الـ 26 لحزبنا الشيوعي، هاتفين، مفاخرين بحزبنا المتقدم بوقار فتيّ نحو مئويته:
نحن الشباب، لنا الغد ومجده المخلد..
وإنا باقون على العهد..!
