البكاء على الأطلال

single

كلمتان فقط، كان بإمكانهما تغيير موقف الرأي العام العالمي اتجاه إسرائيل. هذا ما طلع به الكاتب المرموق يئير لبيد، في مقالته الأسبوعية في ملحق صحيفة "يديعوت أحرونوت"، يوم الجمعة الماضي. بصبر نافذ، وبخ لبيد مسؤولي الإعلام في جهاز الإعلام الحكومي على تقصيرهم الفاضح في التصدي لأحداث قافلة السلام، بداية الأسبوع الماضي. اتهمهم بأنه هواة، واتهمهم بعدم فهم أساليب الصحافة العصرية.
وزوج الكلمات السحري الناقص كان بموجب لبيد بث شبه الجملة: "محاولة لينش"، شريطة أن تظهر الكلمات في الطرف اليساري الأعلى للشاشة، طوال فترة البث، وذلك، بموجب لبيد، لإظهار حقيقة نوايا المسافرين العدوانية على ظهر سفينة مرمرة، هكذا يمكن أن يتم كسب الرأي العام العالمي. وفوق ذلك طالب السيد لبيد بإحضار "أحد مقاتلي الكوماندو البحري الإسرائيلي، بثيابه الملطخة بدم رفاقه"، من اجل إظهار النوايا العدوانية لقافلة الحرية.
أما الدرة في التاج، وكانت تلك درة رهيبة، ولا أعرف إذا كان السيد لبيد قد سبر غور معناها العميق، فكان اقتراحه أن يتم، خلال لحظات الانتظار لانتهاء العملية وقدوم السفينة، عرض مئات الصواريخ " التي استولينا عليها في سفن سلاح سابقة حاولت الوصول إلى غزة". لماذا؟ وهنا يجيبنا السيد لبيد، بأن مصوري وسائل الإعلام سينقضون على هذه الصواريخ لتصويرها "لأنها كانت تلك الصور الوحيدة التي يمكن بثها في الساعات الأولى.. لأنه لم تكن لوسائل الإعلام صور أخرى يمكن بثها". وهكذا، يواصل لبيد نظريته المذهلة، "سيضع قادة القافلة رؤوسهم بين أيديهم، وسيحاولون الشرح أن هذا السلاح ليس من سفنهم، ولكن لا أحد سيصغي لهم"، وهكذا فسيربح الإعلام الإسرائيلي المعركة لأن "ملايين المشاهدين  في العالم سيفترضون بشكل تلقائي أن القافلة كانت تحمل السلاح لغزة".
في سياق أخر كان من الممكن التطرق لهذا المقال "السوبر وطني" بسخرية. ولكن الكاتب هو شخصية مرموقة في عالم الإعلام، وفي بلورة الرأي العام الإعلامي، ومقالته الأسبوعية تحظى باهتمام هائل، واليوم بالذات تنتشر شائعات عنيدة بشأن نيته خوض غمار العمل السياسي. لذلك فلبيد لا يقف على هامش المشهد السياسي. إنه في صميم هذا المشهد، وعندما يدعو، بوضوح وبفخر، للكذب ولتضليل العالم، فهذا يعني أمرين هو أن الإعلام الإسرائيلي قد أفلس، ولا يجد طريقًا سوى طريق التضليل للخروج من ورطته، على العالم. والأمر الثاني، أن الأكاذيب الحالية والموجود بكثرة، بدون إسهام لبيد، لم تعد تنفع أمام العالم الذي أصبح يفتش عن الحقيقة أكثر وأكثر.
كيف سيتقبل العالم شعار "محاولة لينش" بينما جرت هنالك عملية قتل حقيقي، وليس محاولة، ضد المدنيين في السفينة؟ وكيف سيتم "إغراء" الصحفيين الأجانب بتصوير جندي ثيابه ملطخة بدم أصدقائه، بينما يمكن الافتراض أن جل الدماء المسفوكة كانت تلك التي سالت من الضحايا المدنيين، منهم من قُتل ومنهم من جُرح؟ كيف من الممكن الاقتناع بترسانة الأسلحة المضللة على الشاطئ، بينما كان معرض السكاكين الهزيل هو الترسانة الحقيقية التي نشرها الإعلام الإسرائيلي، مرة بعد أخرى؟
الحقيقة أن ما يقترحه لبيد يذكر بحقبات تاريخية قاتمة في تاريخ البشرية، حين تم إطلاق الأكاذيب والفرى الدموية ضد أقليات وضد شعوب من أجل تبرير قمعها وقمع حقوقها. والحقيقة أن تاريخ تشريد هذا الشعب ترافق، على طول الطريق، مع مسلسل رهيب من حياكة الأكاذيب لتشويه سمعة هذا النضال وتغيير الأدوار بين الجلاد والضحية. ومقال لبيد الغاضب والحزين، من جهة أخرى، هو بمثابة بكاء على أطلال لأيام مضت ولا نريد لها أن تعود.
على كل حال يجب طمأنة السيد لبيد أن الإعلام الإسرائيلي ما زال ينهج هذا نهج التضليل، حيث أصبح شعب غزة الممنوع عنه "الكسبرة" إرهابيًا، والجيش الذي قتل ألف وأربعمائة مواطن خلال شهر، هو الضحية. حين تصبح النائبة حنين زعبي، بعملها الوطني والإنساني، مساعدة للإرهاب، وأولئك الذين يجعلون الكنيست مسرحًا للزعرنات والإرهاب السياسي، وطنيون.
ماذا يمكن القول سوى أن هذا النضال يثير جنونهم، بالذات لأنهم لا يملكون الرد عليه. إنهم غاضبون عليه أكثر من غضبهم على العمليات الانتحارية. وإذا كان الأمر كذلك فيجب تشديد هذا النوع من النضال الجماهيري السلمي.

قد يهمّكم أيضا..
featured

من أجل رفع وتائر النشاط

featured

عبَر أزمة الحكومة الفلسطينية

featured

كوبا ستبقى حرّة بكرامة

featured

نتنياهو و"ألاعيب" النهب والهدم!

featured

مع أنه فقير جدا في مياهه، الا أن أهله رمز الجد والاجتهاد