عبودية عصرية

single
   يناضل الناس ويكافحون ضد العبوديّة ومن أجل الحريّة منذ ثورة العبيد بقيادة سبارتاكوس (73-71 ق.م) وربما قبلئذ، فالعبوديّة هي وصمة العار الكبير في التاريخ الانساني والتي عبّر عنها الخليفة الراشدي الثاني، الفاروق، بصرخته الشهيرة "متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً؟"، ولكن إذا كانت الدساتير والقوانين قد منعت العبوديّة في جميع أقطار الأرض إلا أنّ الوحش الرأسمالي الجشع المتمثل بالشركات الكبرى والبنوك وأرباب البورصة استطاعوا في عصرنا الحاضر أن يقيّدوا الإنسان ويكبّلوه بقيود قاسية حوّلته إلى عبد لها بعد أن سرقوا حريّته وسلبوه متعته في الحياة ونهبوا قوته وعطاءه وعمله ونتاجه وصادروا فكره.
   يعيش الفرد ويعتاش في هذه الأيام معتمداً على البنك الذي يتعامل معه بعد أن صار عميله أو زبونه وهذا البنك يعطيه السحب الزائد الذي يفوق راتبه الشهري بأضعاف ويعرض عليه القروض الماليّة ليحتفل بالأعياد ويتمتع باللباس وبالطعام وبالشراب، أو ليزوّد أولاده بالقرطاسيّة والكتب في بداية العام الدراسي الجديد، ويغريه ليقوم برحلة العمر إلى شرم الشيخ أو تركيا أو أن يشتري سيارة ولو كانت مستعملة وربما ليشتري غسّالة أو ثلاجة أو تلفزيون أو كمبيوتر ويتحوّل عندئذ راتبه الشهري أو أجره إلى رهينة للأقساط والدفعات الشهريّة فيعمل ليل نهار ليسدد الأقساط والفوائد ويبيع ساعديه وعضلاته وجسده وراحته ونومه ليفي بتعهداته الماليّة كي لا يصبح مفلساً مطارداً من البنك ومن المحكمة ومن الشرطة ومن تراكم الديون وأرباحها المركبة التي تنمو وتزداد بسرعة مذهلة لا يدركها عقله وعندئذ يعمل ويعمل ولا يملك شيئاً ويركض ويركض ولقمة الخبز تركض أمامه. والغريب في كل هذا أنّ الفرد يرتبط بالبنك وبالشركة الدائنة وكأنه حامد شاكر لها تماماً مثل العبد الذي كان يمدح سيّده لأنّه يملأ معدته برغيف خبز بعد يوم عمل شاق وطويل. ولعل العبوديّة الكبرى التي ابتدعها رأس المال المتوحش هي قروض الإسكان فقليلون جداً من أبناء الطبقة المتوسطة هم الذين يتمكنون من بناء بيت أو شراء بيت بدون قرض إسكان لأن أسعار البيوت خياليّة كما أنّ شراء قطعة أرض صغيرة وبناء بيت عليها يكلف مبالغ باهظة لا يستطيع أن يوفرها عامل أو موظف طيلة عقود من العمل فالحلّ عندئذ هو قرض الإسكان لمدة ثلاثين عاماً يرهن بها الإنسان بيته وجسده وعمله وعقله وأحلامه لبنك الإسكان.
   تصوروا شاباً في الثلاثين من عمره يستدين قرضاً لشراء بيت يسدده طيلة ثلاثين عاماً, يدفع ويدفع حتى يصبح عجوزاً ويصبح البيت عجوزاً مثله وإذا تأخر عن الدفع تحوّل إلى عبد آبق مع أنّ العبد الآبق يحظى بتعاطف البعض وأمّا المدين الآبق فهو نصّاب ومفلس ومطارد وقد يقبع في السجن وقد يخسر البيت فهل هناك عبوديّة أقسى من هذه؟
   النظام الرأسمالي العصري وحش ذو أنياب زرقاء حادة وسامة ولا يمكن أن نعتقد أنّ أنياب الليث تبتسم لنا.
   هذا النظام الخنزيري حوّل الكثيرين منّا إلى عبيد عصريين فماذا يقول أعداء الاشتراكيّة والذين فرحوا وهللوا لسقوط الأنظمة الاشتراكية؟ 
قد يهمّكم أيضا..
featured

إعلان إقامة الدولة

featured

المساواة والحقوق، وليس الطقوس الفارغة!

featured

سلامة المقياس الأساسي

featured

عن أماكن ضاعت وأخرى يصعب الاهتداء إليها

featured

كلمة وفاء ورثاء لمربي الأجيال الأستاذ خليل يوسف أبو زينة

featured

ينبوع الكفاح، وشريان الثقافة الوطنية والثورية

featured

من الذي يمتلك العالم؟ (6-6)

featured

تحية لمؤتمر الاتحاد العام للمرأة الفلسطينية