قال السيد المسيح: "من عمِل وعَلَمَ يدعى عظيمًا في ملكوت السماوات".
إن بمثل هذه الآية الإنجيلية المقدسة يستحق الأستاذ غطاس أبو داود وأمثاله من أصحاب وذوي العلم والقدرات التربوية والثقافية ان يذكر بها، وبمثل تلك الأقوال الخالدة التي عاش حياته الفانية على هذه الأرض عاملا بموجبها متحولا إلى مثل أعلى ونبراس يضيء كل ذي علم او بالأحرى كل راغب في الترقي في درجات الثقافة الاجتماعية حيث تحول الأستاذ غطاس وبحق إلى حامل رسالة الثقافة والتنوير حتى يومه الأخير.
لقد اتبع الأستاذ غطاس نهج حياة واضح، مستقيم ابتداء من العائلة والمدرسة فالمجتمع، فقد علم وفي نفس الوقت عمل بما علم، أي ان علمه الذي علمه لأجيال تلو أجيال لم يكن بحاجة إلى مسرح أو إلى تمثيل لكي يقنع به الآخرين بل ان نهج حياته المستقيمة والصريحة والشفافة تكفي بأن تقنع الآخرين، بأن هذا المعلم هو رسول للمعرفة، وهديٌ للأجيال الطالعة، ونبراس ساطع لفتيان الغد، أمل المستقبل الزاهر في مثل هذه الأيام المظلمة التي نحياها اليوم والتي تفتقر إلى رجال علم وثقافة وعطاء.
وهنا ينبغي علينا ان نقف عند قول الشاعر:
سيذكرني قومي إذا جد جدهم وفي الليلة الظلماء يفتقد البدر
نعم يا معلمي وأستاذي لقد كان لي الشرف الكبير ان أكون واحدًا من بين أبناء أجيال حالفهم الحظ باستقاء العلم والمعرفة والدقة أثناء البحث عن الحقيقة التاريخية والموضوعية حتى ولو اقتضى الأمر إلى تحمل مشقة السفر إلى مكان الحدث مهما كان بعيدًا، لقد أضأت مجتمعك بمعلوماتك القيمة وأحاديثك الشيقة الممتعة والتي مزجت بها بين الماضي والحاضر والمستقبل، وقد لازمك الكتاب وكنت خير جليس له وكان خير جليس لك حتى منعتك الشيخوخة عنه، وقد عشت حياة طويلة كطول النهر المتدفق المياه والذي لم ينضب، وفي نفس الوقت كانت أيضًا حياة عريضة جدًا وواسعة وسع المحيط في مكنوناته وعمقه وعطائه وهيبته.
لن ننساك أيها المربِّي الفاضل، لن ننسى نهفاتك الكثيرة الجميلة واللطيفة، ولن ننسى أيضًا خفة الظل التي رافقت إجاباتك التاريخية ولن ننسى صراحتك وإنسانيتك أيها الإنسان الكبير.
فهنيئًا لك أيها المعلم والمربِّي، فقد كنت خير معلم وخير مرشد أمين، فاذهب إلى فرح ربك بسلام.
باحترام، تلميذك المخلص
