بسبسيلها يا مره

single


في ليلة هادئة وفي شهر آب- اللهاب في احدى السنوات وفي الهزيع الأول من تلك الليلة مزّق هدوءها، صراخ طفل ونباح كلب، نهيق حمار، ثغاء شاة، وضجيج بعض الأولاد من الحي الذين يلعبون ويلهون في ضوء القمر على شعاب ازقة الحي المتربة وضحكات التبانات اللواتي كنّ ينقلن التبن من البيادر في أكياس من الخيش لاختزانه في المتابن. تركا الفدان والحمار والفرس، في قاع البيت الواسع والكنة مع طفلها الرضيع، في خِدْرها وراء ستارة من القماش في ركن من اركان البيت، والأطفال يتحلّقون حول جدتهم على ضوء السراج الأصفر الباهت وبقعة ضوء من القمر تسللت من نافذه في جدار البيت، يستمعون إلى حكايات وخرافات الشاطر حسن، والشاطر محمد، وعن الغول والقرينة ونوادر جحا وأبو نواس وعن الزير وابو زيد الهلالي.
تسلّقا السّلم وحطّا على سطح البيت القديم وسقفه خليط من خشب الزيتون، والسنديان، والخروب. غطته طبقه من الطين، يلاصق البيوت الأخرى في الحي التي اصطفت متناسقة لتكوّن الاسطح ساحة واسعه تصلح لتكون ملاعب الأطفال.
افترشا الحصير وجلست المرأة سمراء اللون تجاوزت الخامسة والاربعين من عمرها. بوجهها العريض وعينان سوداوان واسعتان. انف دقيق وشفتان رقيقتان، وحاجبان كثان متوسط القامة نحيفة القوام ضامرة الخاصرتين نهدان مترهلان في صدرها وردفان مستويان جلست المرأة ووضعت امامها قرصًا من نوار الشمس خلع الرجل كوفيته الرمادية المغبرّة من غبار البيدر وظل حاسر الرأس، بشعره الاشعث الكثيف الذي خاطه الشيب .
ثم خلع قمبازه الأسود وبقي في قميصه الأزرق وسرواله الأسود إتكأ على وسادتين من النخالة ومدّ ساقيه وجسمه الطويل النحيف ببشرته السمراء – التي حرقتها الشمس – ووجهه الطويل الذي هاجمته التجاعيد عينان صغيرتان سوداوان غائرتان في تجويفين تحت حاجبين كثيفين وفوق انف كبير تحته شاربان اسودان كثان وفم واسع اصطفت فيه سلسلة من الاسنان الصفراء. نضح جسده رائحة عطنة اشاحت الزوجة بوجهها. استبق احتجاجها مبررًا ذلك فقال مخاطبًا الزوجة (والله يا مرة من أربعة أيام لم تسمح لي الفرصه لاورد الدواب على البركة لاستحم فيها وبقيت مهتما بتذرية البيدر ولكي يضمن سكوتها استطرد قائلًا يزف لها بشرى اما شو يا مره جمعت لك عرمة من القصل وقودًا للطابون) انفرجت اساريرها فمدت يدها ومسّدت شعره الكثيف الاشعث .
حذت الزوجة حذو الرجل خلعت خمارها الأسود لتبقى حاسرة الرأس بشعرها القصير الأحمر المخضّب بالحناء لإخفاء الشيب الذي غزا شعرها . فتجلت قلادة من الذهب في عنقها ثم خلعت جلبابها الرمادي وظلت بغلالةٍ من السيتان زهرية اللون امتدت حتى نصف ساقيها فوق سروالها المزركش الذي طال بكشكشه حتى كاحليها .
اشعل الرجل سيجارته وراح ينفث الدخان الرمادي يتمازج مع ضوء القمر في حين كانت الزوجة تسلو بقضم لب بذور نوار الشمس. راح الرجل يمعن النظر في الأفق البعيد الى السماء الصافية والنجوم المبعثرة فيها، تتلألأ زاهية تتناغم مع ضوء القمر الذي يسير ببطء نحو المغيب الذي ينتظره الزوجان. الجو حار وجاف واليراعات بوميضها تحوم وتتطاير من حولهما، نسمات ناعمة تهب بين الفينة والأخرى .
كسرت الزوجة حالة الصمت وانثالت من فمها الكلمات تشكو وتستغيب الجارات اللواتي يدخلن الطابون بلا استئذان يخبزن ويتركن الطابون بلا ترويسة او تزبيلة فيفقد حرارته ثم تطرقت في حديثها ضد كنتها وافرطت بالتقريع والقذع فقالت "هذه كنتك التي اخترتها لا تقدم لي المساعدة جل اهتمامها بحالها وبطفلها ابتلبس وبتمشط وبترش على حالها العطر. مسأَ كل يوم قبل قدوم زوجها من الشغل واشتغلي يا نجمه لحالك".
اكفهرّ وجهه وقطّب جبينه وعقد حاجبيه سحب الزوج نفسا طويلًا من سيجارته ونفث الدخان من فمه وانفه وهو يهز رأسه علامة الموافقة على كلامها تلافيًا لتعكير صفو مزاجها، في حين كان يغلي بداخله كالماء بالمرجل، قال في سرّه ان كيدك لعظيم قاطعها الحديث وراح يتحدث عن الجورعة على البيدر وتوزيع الهريسة على الجيران الذين ساهموا في تذرية العرمة، ومناسبة الانتهاء من العمل ودخول المحصول الى البيت الذي بارك الله به بغلّة وفيرة من القمح والذرة ووفرة في التبن للدواب وكمية الشعير والكرسنة، وعن موسم البطيخ والسمسم ثم استطرد يتحدث عن كَرِم العنب والتين والصبر التي حان أوان قطافها. وفي غمرة حديثه اقبلت عن قرب قطتهم الأليفة تتقافز على سطح البيت تموء تبحث عنهما عيناها الزرقاوان تبرق ومضات في ضوء القمر تتمازج مع ومضات اليراعات التي تسبح في الجو حولهما . اقتربت القطة بلا تردد او خوف او خشية واندست في حضن الزوجة التي ابتسمت لها ورحبت بها واصلت مواءها فمسّدت لها ظهرها فرفعت ذيلها وانكمشت وقوّست ظهرها حبورًا وانتشاءً وراحت تبادلهما النظرات وهي لا تنفك عن المواء . وبحسرة الملهوف خلعت قلادة الذهب من عنقها وهي تقول: (لو أن الله أرزقني بنتًا وكبرت وصارت صبية لابستها هذا القلادة) فوضعتها في عنق القطة فقفزت القطة من خشخشة ليرات الذهب هاربة تتقافز كلما سمعت الخشخشة تموء ولّت الأدبار وغابت على الأنظار، فراحت الزوجة تلطم على وجهها وتضرب كفًا بكف فقال الزوج مخاطبًا الزوجة (بسبسيْلها يا مره بسبسيْلها بلكي الله والعزير يردها.)
قد يهمّكم أيضا..
featured

نضالنا ليس عبثيًّا

featured

"في سبيل الحرِّيَّة"

featured

دحر النازية: الذكرى والعبرة - المئات يحتفلون في غابة الجيش الأحمر في جبال القدس

featured

تصريحات تنمّ عن كُره للدبلوماسيّة

featured

إطلالة الساحل من جبال الضفة تذكي حلم العودة

featured

الى غزة الحبيبة أطيب التحيات