ربما هو من قبيل المفارقات، أو قد يقول البعض ليس صدفة، ما حدث في شفاعمرو يوم السبت 13.6.09 حيث تظاهرت الجماهير الشفاعمرية ومعها قيادات القوى السياسية المختلفة ولجنة المتابعة واللجنة القطرية وجمهور واسع من مختلف المدن والقرى العربية، إحتجاجا على قرار النيابة العامة تقديم لوائح اتهام ضد الشباب الشفاعمريين في قضية القاتل العنصري ناتان زادة.
لم يمض يوم على هذه الوقفة الرائعة، لنستفيق على كابوس جديد مصبوغ بحلة الطائفية السوداء البغيضة ليخيم بظله على الموقف الموحد في مواجهة سياسة السلطة العنصرية.
قد يرد البعض أن أيادي سلطوية تذكي نار الفتنة ذات الصبغة الطائفية او العائلية من خلال أُجرائِها في كل مجموعة. لكن يبقى السؤال اوالأسئلة: أين عقالنا؟ أين مثقفونا؟أين قياداتنا؟ أين جمعياتنا؟ بل أين دور كل هؤلاء في فضح المؤامرة واحتواء الأحداث في بدايتها؟ وماذا يفعل الجميع من أجل تغيير أنماط التعامل بين أفراد هذا المجتمع المدني؟
برأيي أن أخطر ما يواجه وجودنا كأقلية قومية تعيش على أرضها هو انعدام الإحساس بالأمن والأمان داخل بيوتنا وشوارعنا ومدارسنا وأماكن عملنا.
صحيح أننا نواجه في الآونة الأخيرة موجة الممارسات واقتراحات القوانين العنصرية التي تهدف الحد من حقنا في البقاء والعيش بكرامة على أرضنا وفي وطننا والحد من حقنا في الحفاظ على الذاكرة والهوية وصولا إلى مساعي التدجين بما يتلاءم مع العقلية العنصرية، لكن تجربتنا خلال أكثر من ستة عقود مضت تؤكد أننا قادرون على تجاوز كل هذه التحديات.
أقلية قومية كما نعتها اميل حبيبي وتوفيق زياد "كالأيتام على مأدبة اللئام" استطاعت أن تتخطى ،كقولهما، مأساة النكبة وتجربة مجزرة كفر قاسم وتجربة الحكم العسكري وما رافقها من إقامات جبرية وقطع أرزاق كذلك اجتازت تجربة "التماثل مع منظمة ارهابية" عند المطالبة بإنهاء الإحتلال وللإعتراف بمنظمة التحرير كممثل شرعي ووحيد للشعب الفلسطيني وطرح حل دولتين لشعبين . من المؤكد اننا قادرون على عبور هذه المرحلة شرط المحافظة على وجودنا كأفراد نشعر بانتماء لبلدنا، لحينا، لشارعنا، لمدرستنا ولشعبنا.
عندما يخاطر الواحد منا بحياته حتى خلال مروره في شارع عام داخل مدينته باحتمال تعرضه لرصاصة طائشة تستهدف تصفية حساب مع شخص آخر لا تربطه به أية علاقة، أو أن أتعرض لرصاصة استهدفت شخصا ما يتواجد في بقالة الحي بينما كنت أشتري بعض لوازم البيت. عندما نتعامل بشكل عادي ولا نستغرب هجوما بالقنابل اليدوية والرشاشات على أحد بيوت الحي لاحتمال وجود شخص مطلوب من قبل عناصر مجهولة، ونمضي دون أن نأبه لمخاطر وتأثير الحدث على أطفالنا للبحث عن الأسباب أو تبدأ بورصة التخمينات حول المستهدف بدل أن نهب مستنكرين النهج ونتحرك جماهيريا لإلزام السلطات بوضع حد لهذه الظواهر وللدفاع عن جودة حياتنا.
عندما تصبح جباية "الخاوة" من المحال التجارية والمصالح المختلفة ضريبة الزامية اخرى وطبيعية كضريبة الدخل وضريبة القيمة المضافة والتأمين الوطني والأرنونا ان لم تسبق بعضها.
عندما نتخلى كأهل عن مسؤولياتنا عن ابنائنا ونتجاهل واجبنا في مساءلتهم وتوجيههم حول تصرفاتهم في الأماكن العامة من سياقة الدراجات النارية والتراكتورونات والسيارات بشكل متهور وطائش، دون أن نجعلهم يدركون خطورة هذه التصرفات على الآخرين ونحمل همهم فقط عندما يتسببون بمشكلة ما أو نبكيهم عند حدوث المكروه.
عندما نثقف أنفسنا وأولادنا على استباحة الحق العام وحق الجار من خلال رفع مكبرات الصوت، وأبواق السيارات وإغلاق الطرقات أو مسارات السيارات والمفارق أو رمي النفايات في الحيز العام أو تخريب الممتلكات العامة دون أن يهتز لنا رمش أو التهرب من دفع التزاماتنا لسلطاتنا المحلية.
عندما ترتفع مكبرات الصوت من أفراحنا ولا نبالي بشعور جار فقد عزيزا له، ليس بإمكاننا توقع مشاركته لنا في أزماتنا.
أمام هذا الواقع ،لا أنفي أهمية أبحاث وندوات الرؤى المستقبلية للأقلية القومية الفلسطينية في البلاد وعلى الرغم من رؤيتي لخطر تفشي العنصرية والفاشية ولكن من وجهة نظري المتواضعة يبقى الأساس المحافظة على وجودنا كأفراد نشعر أننا نعيش أولا، وبأمان نسبي، لكي نستطيع أن نتنظم ونتظاهر ونطالب وننتخب. عدا ذلك ربما سيهرب كل واحد منا الى قوقعته، أو الى حلوله بترك بلدته الى حيفا، كرميئيل، نتسيرت عيليت او غيرها، أو الى خارج البلاد.
هكذا اذا اذا لم توحد كافة الأطر السياسية والإجتماعية والدينية والشعبية جهودها لصياغة عقد اجتماعي جديد يرسي قواعد وأصولا للتعامل، داخل مجتمعنا، تعتمد قيم التضامن والتكافل واحترام الآخر والغير بشكل عام واحترام الحق العام، سيكون من الصعب أن يولي هذا المجتمع أي اهتمام بقضية مصادرة ارض لقرية اخرى او هدم بيت لعائلة اخرى او فصل عمال عرب من بلد آخر او من قطاع عمل آخر، أو ملاحقة رئيس سلطة محلية أو نائب كنيست.
عندها يسير مجتمعنا بهدي قول سرحان العلي:"ما دام جلدي سالما ما لي وما للآخرين" (من قصيدة سرحان والماسورة لطيب الذكر- توفيق زياد).
لذا واجبنا جميعا أن نعلن ونعمل على ان تكون شفاعمرو أولا، الناصرة أولا، الطيبة أولا،أ م الفحم أولا وبعبارة أخرى كل مدننا وقرانا أولا. اذ مع انعدام احساس الفرد فينا بالأمن والأمان وبجودة حياة وبتضامن افراد المجتمع الآخرين معه سيكون من الصعب تجنيدنا للنضالات والكفاحات العامة التي تهمنا كمجتمع أو كأقلية قومية أمام الهجمة العنصرية الشرسة او كعاملين في مواجهة الهجمة الرأسمالية الخنازيرية الليبرالية الجديدة.
لنتعلم من تجربتنا الماضية التي اثبتت أننا واجهنا الأخطر بوقفتنا كرجل واحد في يوم الأرض 1976 عندما تميز مجتمعنا بتكافله وتضامنه رغم ان العديد ممن أضربوا دفع أثمانا شخصية باهظة كجرحى او بطردهم من العمل دون ان تكون المصادرة تخصهم بشيء، أو من خلال التفاف شعب الناصرة حول بلديته المنتخبة عام 1975 للحفاظ على قراره الدمقراطي امام محاولة السلطات بتضييق الخناق .
مرة أخرى- شفاعمرو أولا.
(الناصرة)
