في العراق، واحد من كل عشرة أشخاص أنُجب من أبوين مختلفي المذهب
امتازَ السِّلكُ التَّربَويّ في العراق بتَعدُّدِ المواضيع والمجالات. فلم يقتصر على تعلُّمِ الرّياضيات واللّغات والفيزياء والكيمياء، بل علَّمَ أيضًا الموسيقى والمسّرح والأدب والرّياضة، وذلك بواسطة عمليَّة تربويَّة ديناميكيَّة تُدعى "التَّفكير النَّقدي"، وليس كما مُتَّبعًا في بقيَّة الدُّول العربيَّة الّتي تُدرِّس طُلابها بواسطة عمليَّة تربويَّة خاملة، تُدعى عمليَّة التلقين. فهذا واحدٌ من الأسباب الّذي جعل العراق يتصدَّر قائمة أكثر الشَّعوب العربيَّة ثقافةً وابداعًا، بعد أن اعتمدَ أن يُخرِّج شعبًا مُنتجًا وليس كمُعظم الشُّعوب العربيَّة الّتي تُعتبرُ الأكثرَ استهلاكًا، خاصةً للعلمِ، بأرجاءِ المعمورةِ كُلِّها. لذلك، نجحَ العراق ببناء أُمَّةٍ منتجة ومُبدعة.
سأعرض مثَلَينِ أُعتُمِدا بالعراق بهدف بناء الأُمَّة:-
(1)
لطالما امتاز العراق "بالحوْزات" التَّربويَّة، خاصةً في مناطقِ الجنوب، ذات الغالبيَّة الشِّيعيَّة. فكانَ الطَّالب يدخُل "الحوزة" الّتي تضُم آلاف الكُتب من المجالات كافَّة، فَيختار الطَّالبُ كتابًا ليقرأه وبعدَ أيَّامٍ يُناقشه مع مُعلِمِه، الّذي تَعمَّدَ تطوير التفّكير النَّقديّ عندَ الطَّالب ليُمكِّنهُ من التَّعمُّق والتَّحليل والتَّمحيص والانتاج والابداع.
(2)
إيمانًا بالإنسانِ ومواهبِهِ، ضمَّ الجيش العراقيّ وحدات عديدة غير مُحارِبَة، وذلك بهدف تمتين المواهب الّتي تم تطويرها في المدارس. فضمَّ الجيش العراقيّ حينذاك المسّرح العسكريّ على سبيلِ المثال، الّذي خرَّج مواهب وعمالقةً في الموسيقى والمسرح والأدبِ والشِّعر، أمثال المُطرب كاظم السَّاهر والموسيقي صلاح مونيكا. ولا بُدّ من الإشارة في هذا السِّياق، أن عازفي فرقة الفنَّان كاظم السَّاهر نضجت مِن المسّرح العسكريّ وما زالت حتى يومنا هذا ترافق المُطرب العراقي كاظم. كما لا يُمكنُ العَرج عن أنَّ جزءًا مِن موسيقى قصيدة "اختاري" للشاعر الكبير نزار قبَّاني، وهي مِن أهم القصائد المُغنَّاة، قد لحّنها كاظم وهو في خدمته الإلزاميَّة، الّتي استمرَّت سبع سنوات، في المسرح العسكريّ.
رغم أنَّ العراقَ يترنَّحُ فوقِ حَربٍ طائفيَّةٍ أهلكت أواصرَ المُجتمع العراقيّ وأصالته، إلَّا أنَّ الرِّهان على وَعيِ العراقيّين رِهانٌ رابِح لا يجوز المُقامرة والمُتاجرة بهِ. ولا بُدّ من اقتباسٍ للشاعر العراقيّ المُعاصِر، كريم العراقيّ، الّذي كتب بالعراق وشعبه في ظلِّ هذه الفترة الحَرجة الّتي يمرُّ بها وطنه:
"يرتــدي شعبــيَ شوكــًا والجنائــنُ بابليَّـة
لاجــئٌ شعبــي مشــرَّدًا وهـو بانــي الأبجديَّة
أتُعيــدونَ بلادي للعصـورٍ الحجريَّة
أتبيحــونَ دمــاءً يشهــدُ اللهُ زكيــَّة؟
أيُّ كــَذِبٍ وادّعــاء يا دُعــاة الطائفيَّة
واحــدٌ بلــدي موحــدٌ منــذُ فجــرِ الأبديَّة
واحــدٌ شعبـي ويبقـى ارحلـي يا همجيــَّة"
