أكثر من مرة توجهت بالسؤال لنفسي قبل ان أتوجه به إلى غيري! والسؤال هو.. لماذا نحن هكذا؟! هكذا نتصنع الأشياء.. نتعامل معها بمعايير مزدوجة!! نسلك سلوكًا طبيعيًا في مكان ما بينما نفعل النقيض منه "عندنا"! والسؤال الأهم من كل هذا.. إلى متى سنستمر في هذا السلوك المدمّر.. وهل هناك أمل في التخلص منه؟! سؤال يفتش عن إجابة عندكم؟ هيا نتأمل بهذه الصورة ثم نحكم عليها...
رجل عربي من "عندنا" يعز علينا ونحترمه... الرجل موجود في احد الأماكن العامة في المدينة "اليهودية" ربما في البنك – في العيادة – في مكتب التأمين الوطني في الداخلية أينما كان... هناك وفي كل هذه الأماكن نرى الرجل مهتما في ان يقف بالدور يحافظ عليه، صامتًا، وإذا اقتضت منه الحاجة ليطلب شيئًا ممن معه من المنتظرين نراه يفعل ذلك بابتسامة ثم باستئذان وبعد الحصول عليه يشكر ويعود ليقف في دوره حتى ولو طال الوقوف.. لان الرجل على قناعة بان هذا هو النظام بعينه.. وما عليه هو إلا ان يساهم في دوره في الحفاظ على النظام العام ويساهم في تسيير العمل الجماهيري بالشكل الصحيح.. عفارم.
فلنتابع سلوك صاحبنا في بلده. هنا نصاب بالصدمة والذهول إزاء تصرفاته المخزية!
ففي المؤسسة العامة في البلد.. يخجل الرجل من الوقوف بالدّور، فهو لا يقبل ان يظهر بأنه إنسان عادي.. أمام الناس.. فيتصور ان على الجميع ان يقدمّوه عليهم. فتارة نراه يحاول ان يتخطاهم وتارة أخرى يدفعهم.. يتمتم.. يؤشر بيده نحو هذا وذاك.. يعلو معه العيار فيصرخ، يشتم والويل كل الويل لهذا الموظف ابن البلد لو طلب منه ان يحضر أي مستند ناقص لإتمام المعاملة بالشكل القانوني هناك الطامة الكبرى... إذا تجرأ هذا الموظف "الفلعوص" وطلب من زعيم الزعماء وأمام الناس أمرًا عاديًا.. لربما وصل الأمر بصاحبنا ان يترك المكان فما ان يخرج إلى سيارته التي أوقفها بعكس السير في الشارع العام حتى نراه يتابع الشتائم ويمزق الأوراق ويبعثرها في الشارع بجانب سلة الزبالة ولعله يطيّر من فمه عقب السيجارة المشتعل ولا ادري لأين! هكذا نحن.. وهكذا نعتقد بان فعلنا هذا يوفر لنا الكرامة والاعتبار.. سامحنا الله:
القصة مع الرجل تلقي بظلالها على أحداث أخرى.. فمثلا يتعامل الناس مع السلطة المعينة في البلد باحترام وتعاون أكثر من السلطة المحلية المنتخبة من الأهل والأقارب، يسدد الناس التزاماتهم المالية للجنة المعينة أكثر بكثير من سدادهم لنفس الديون أيام السلطة المنتخبة من أبناء البلد، ولو تأملت تلك الأيام لرأيت الناس غير مقصرين في تسديد فواتير الكهرباء والخلوي لان في الأخيرة يخيم شبح قطع الكهرباء أو الخلوي عن المدين.. وبالطبع هذا غير مقبول عنده. وفي نفس الوقت تخيلوا أي مصيبة تحل بالسلطة المحلية البلدية لو قطعت عداد المياه عن المواطن المدين... نحمد الله على انتقال الأمر إلى الجمعيات المنطقية.
إن إحساسنا غير المفسّر هذا بأن علينا ان نساير "النظام" هناك وندوس عليه "هنا" مصيبة كبرى ومواصلة هذا النهج مدمرة للجميع.
رحم الله احد الأصدقاء من قريتنا إذ كان يشاركني دائما في الحيرة والارتباك من تصرف الناس النظامي "هناك" والفوضى والعربدة "هنا"، فقال لي مرة: "تعرف أنت ويعرف الجميع ان المؤسسات لها نظام في الفتح والإغلاق فمثلا يفتح البنك لاستقبال الناس الساعة الثامنة في كل يوم عمل ويغلق بابه أمام الناس بعد الظهر ولنقل في الثانية من بعد الظهر فيا للعجب من سلوكنا إذ نحرص على ان نتواجد قبل الوقت هناك بينما لا نكترث بالوقت "هنا". ولو حدث ان وصلنا للمدينة هناك الساعة الثانية إلا خمس دقائق ووجدنا الباب مقفلا، نلوم أنفسنا لأننا نحسب بانه كان علينا ان نأخذ بالحسبان الاختلاف ما بين الساعات لنحضر قبل ربع ساعة.. فنعود لبلدنا واللوم علينا!! اما اذا وصلنا باب البنك في القرية في الثانية وخمس دقائق بعد الوقت! فلا نعود للبيت إلا وقد استنفدنا طاقتنا في القرع على الباب والشتائم على الموظفين من أقاربنا، ساخرين منهم بسبب "تظاهرهم" بالنظام والقانون...
هكذا نحن، أصلحَنا الله ورزقنا حسن التصرف وهدانا سواء السبيل.. آمين.
(دير الأسد)
