لجنة تحقيق في فشل السياسة، وليس في فشل العملية

single

الفاشية متفشية – شعار "الموت للعرب"!


ان ما يثير العجب في سياسة اسرائيل العسكرية ليس تهورها وغرورها العسكري فقط - بدلالة اتخاذها لقرار البدء بالعملية بعد لقاءين فقط للجنة السباعية دون التوسع في "الكابينت" وقد رشح ان الاستشارة والقرار انحصرا في نتنياهو وبراك بإيعاز وضغط من الأخير- انما تعنتها على عدالة سياستها حتى بعد ما ثار العالم كله ضدها، وسحبت بعض الدول سفراءها من اسرائيل والغت حفلات مقررة لفرق موسيقية عالمية في تل ابيب، وخفضت كوريا الجنوبية درجة استقبال
رئيس الدولة شمعون بيرس، ناهيك عن شجب الامم المتحدة للعملية.

وفقًا لحكومة اسرائيل فالعالم كله مخطئ لأن " العالم كله ضدنا" كما ادعى نتانياهو، وهو الادعاء السائد في إسرائيل. اما لماذا ينتقد العالم سياسة اسرائيل فنتياهو لا يعلم وليست لديه أي فكرة! اذا كانت ذاكرة نتانياهو "ذاكرة سمكة" فالعالم والمجتمع الدولي ليس كذلك. فقضية اعلان الحكومة عن بناء وحدات استيطانية جديدة في القدس الشرقية ضاربة وعودها للمجتمع الدولي عرض الحائط، ومحرِجة بذلك حليفتها اميركا التي تتظاهر بلعب دور الوسيط العادل، لم تجف حبر الصحف عنها الا حديثا. وكذلك قضيه اغتيال المبحوح ما زالت بالافق ومن تداعياتها الأخيرة طرد دبلوماسي اسرائيلي كبير من استراليا. وقبل ذلك تحقيق غولدستون حول عملية "الرصاص المصبوب" (بالأحرى العدوان الدموي على غزة) الذي ما زالت اصداؤه تتردد في العالم وغيرها العديد من التجاوزات والقرارات الإسرائيلية المنافية للقانون والعرف الدولي. ومع هذا كله اعتقد ان المجتمع الدولي تأخر في شجب سياسة اسرائيل وقد سكت طويلا عن تجاوزاتها ولم يقم بما قام به الآن الا عندما طفح الكيل من وجهة نظره. ومع هذا كله، فان حكومة اسرائيل لم تستوعب ان نفَس المجتمع الدولي الطويل قد وصل مداه، وانه لم يعد يستطيع التستر على اعمالها اكثر من ذلك. فنتنياهو ما زال مصرًا على ان سياسة حكومته "حكيمة" وان الحصار لن يُرفع، وحتى انه يرفض اقتراح الامم المتحدة بتشكيل لجنه تحقيق دولية اسرائيلية تركية اميركية مشتركة. ان خشيته من هذا التحقيق واصراره على التحقيق داخليا بالقضية لهو اكبر دليل على عدم اخلاقية وعدم قانونية هذا الإجراء الذي يكشف عن عدم تذويته للجريمة.
 إن اي لجنة تحقيق لن تحقق في فشل السياسة وإنما في فشل العملية، أي: لماذا لم ننجح بمنعهم بسلاسة. ولكنها لن تطرح السؤال الجوهري: لماذا نحاصر قطاع غزة؟
ثم أنه حتى لو حققت الحكومة داخليا في القضية، واستطاعت فرضًا ان تقوم بنقد ذاتها وتقديم توصيات "موضوعية"، فهل سيستفيد أحد من توصيات لجنه التحقيق؟ التجارب السابقة تؤكد عكس ذلك. فمثلا في عام 1982 اوصت لجنة كاهان بعدم تقلد شارون وزارة الامن ثانية وبعد عقدين تم انتخابه رئيسا للحكومة ويكون بذلك مسؤولا عن وزارة الامن. وهل استفادت اسرائيل مثلا من توصيات لجنه اور 2003 – 2000؟! الم يقتل مُواطنون عرب برصاص الشرطة بعد أكتوبر 2000 وألم يزدَد التمييز ضد والاجحاف بحقوق هذه الاقلية بعكس التوصيات تماما؟ هل استفادت اسرائيل من توصيات لجنة فينغراد التي حققت بفشل الحرب الثانية على لبنان ولم تحقق بالسبب للدخول لهذه الحرب اصلا؟ فهذه اللجنة بالذات اتهمت الدولة بالتهور وارسال جيشها لحرب لم تكن مستعدة لها. وهذا هو نفس التهور والعنجهية العسكرية الذي من خلاله تمت الموافقة على هذه العملية الغبية. ألهذه الدرجة تسترخص الحكومة الاسرائيلية حياة ابنائها وبناتها وترسلهم وتخاطر بحياتهم؟ والأعجب ان غالبية الراي العام الاسرائيلي توجه اصبع الاتهام إلى العالم بدلا من ان يناهض حكومته التي ليست فقط تعزل دولته عن الساحة الدولية وانما تضر بمصالحه  السياحية والاقتصادية ايما ضرر وبالذات تلك المصالح المرتبطة مع تركيا. ليست فقط فنادق انطاليا وبودروم ستضرر اذ قاطعها الاسرائليون احتجاجا، انما مصالح العديد من التجار الاسرائليين انفسهم الذين يستوردون بضائعهم وخاصة التكستيل والملابس من اسواق اسطنبول. ومع هذا تضرب  هذه الحكومه بمصالح شعبها عرض الحائط ويصفق لها هذا الشعب!
ان المسؤولية عن غرق اسرائيل في بحر من التطرف والمسؤولية عن هذه العملية وغيرها ليست فقط مسؤوليه حكومة نتانياهو-براك, انما مسؤولية ليفني وحزبها الذي كان من المفروض ان يقوم بدورها كمعارضة. ان كاديما تنسجم تمام في مركز "الإجماع الصهيوني" فأين المعارضة التي من المفروض ان تقف ضد حماقات الحكومة؟ بماذا تختلف ليفني عن براك ونتنياهو وبماذا يختلف بلسنر "المتحضر" في نقاشه عن كاتس والداد ؟ انها اصوات مختلفة لنفس الجوقة الفاشية. المعارضة المتمثلة بالأساس بـ"كاديما" تضع نفسها جزءا من "الإجماع الجرائمي". 
 ان مظاهرة اليسار التى جرت السبت الماضي بقياده الجبهة ومشاركة ميرتس وحركه "السلام الآن" لهي بارقة امل في بحر من التطرف، هي الطريق الذي يبدو اليوم شائكا، ولكنه الطريق الوحيد.

قد يهمّكم أيضا..
featured

بشّار الأسد: الحوار أساس الولاية الثالثة

featured

للاجئين حق في العودة وليس حسنة من أحد!

featured

يوم الارض، عبر وتداعيات

featured

حين يخرج "الهولوكوست" عن السياق!

featured

وضعت معركة الانتخابات المحلية أوزارها ... فماذا بعد ؟

featured

الطبقات والصراع الطبقي (5)

featured

اسرائيل والاستيطان