في جبَع المهجرة ما يستحق الحياة

single

بساتين جبع المليئة بالاشجار

 

  • مقبرة جبع التحتا تجسد ملحمة فلسطينية حقيقية ففي المقبرة مجموعة أضرحة لشهداء الثورة الفلسطينية وقد نقش على أحدها النص التالي: "شهداء الثورة الفلسطينية الذين استشهدوا في بلدة اجزم المهجرة نهار الاربعاء 8 ربيع الآخر 1357 هجري".
  • انتابني شعور دفعني الى حد البكاء وانا أنظر الى اطلال بيوت هذه القرية التي كانت بالامس عامرة بأهلها وناسها وبساتينها وصبارها وزيتونها وفيها تخيلت رجع صدى أصوات جارنا  قاسم الجبعي وجدتي لامي حفصة الجبعي وشقيقها محمد صالح الجبعي وهم يرددون:" انتظرونا إننا عائدون"

 

الجبعي نسبة الى بلدة جبع الفلسطينية كنية نسبت الى جارنا المرحوم قاسم الجبعي (ابو محمود) وجدتي لأمي المرحومة حفصة الجبعي (أم العبد) وشقيقها الشيخ الجليل المرحوم محمد صالح الجبعي (أبوصالح) حيث سكنوا  قريتي مصمص الواقعة على مرمى حجر من بلدة اللجون المهجرة، سمعت من كبار السن في قريتي أن هؤلاء  قدموا الى القرية منذ عشرات السنين واستوطنوا فيها  وربطتهم بأهلها علاقات جيرة حسنة ونسب تحول الى قربى ومصير مشترك فلم يكد يتوفى شخص من مصمص الا وكان جارنا المرحوم قاسم الجبعي (أبو محمود) هو الحريص بفأسه على حفر ضريح للمتوفى في مقبرة القرية حتى تولد لدى جميع السكان  شعور بأنهم مدينون لهذا الانسان بعمل المعروف، أجمع  كبار السن في قريتي ممن هم على قيد الحياة أن اصل ابو محمود وام العبد وابو صالح من بلدة جبع ولكن اختلفوا من أي جبع في فلسطين،  فريق قال ان أصلهم من قرية جبع الواقعة بالقرب من مدينة جنين وفريق ثانٍ يقول انهم من بلدة جبع شمال شرقي مدينة القدس وذهب فريق ثالث  للقول وهو الارجح  ان هؤلاء هم في الاصل من قرية جبع الساحل المهجرة الواقعة في قضاء حيفا والتي شكلت مع القريتين عين غزال واجزم المهجرتين كما ذكرالمؤرخ وليد الخالدي في كتابه "كي لا ننسى" بمثابة مثلث عرف بـ "المثلث الصغير"، والذي صدّ ثواره عام 48 محاولتين فاشلتين للعصابات الصهيونية لاحتلاله مما دفع قادة هذه العصابات في المحاولة الثالثة  لقصف المقاومة في قرى المثلث الصغير بالمدفعية والطائرات فدخلتها العصابات ليل 25-26 تموز من عام 1948، حيث جرى  تهجير أهلها وأسرهم وحتى قتلهم.

  • *وعود صهيونية كاذبة*

في ذلك الحين قال وسيط الامم المتحدة الكونت فولك برنادوت أمام مجلس الامن في أيلول من عام 1948 : (إني أميل بقوة الى الرأي القائل ان الاجراءات التي اتخذت، ومنها تدمير قريتين من القرى "جبع وعين غزال" تجاوزت كل الاعراف وشكلت خرقا لروح ونص شروط الهدنة"، كذلك نقلت صحيفة نيويورك تايمز عن برنادوت قوله ان حكومة اسرائيل المؤقتة أخبرته انها ستعمل ما في وسعها لترد الى سكان القرى الثلاث حقوقهم وأنها سترمم على نفقتها الخاصة جميع المنازل المتضررة أو المهدومة لكن هذا الوعد لم ينجز قط ).
استرجاع أسماء هؤلاء الاشخاص وقرى المثلث الصغير صاحبني منذ أن انطلقت بنا الحافلة من محطة الوقود في مدخل مدينة أم الفحم  متوجهة الى منطقة الكرمل  للتعرف على تاريخه وجغرافيته مرورا بالقرى الفلسطينية المهجرة كاللجون والغبيات وابو شوشة والجعارة والدالية وأم الزينات وعين غزال وصولا الى قرية جبع المهجرة.
في قرية جبع المهجرة انتابني شعور دفعني الى حد البكاء وانا أنظر الى اطلال بيوت هذه القرية التي كانت بالامس عامرة بأهلها وناسها وبساتينها وصبارها وزيتونها وفيها تخيلت رجع صدى أصوات جارنا  قاسم الجبعي وجدتي لامي حفصة الجبعي وشقيقها محمد صالح الجبعي وهم يرددون:" انتظرونا إننا عائدون". 
وفي جبع وعلى أطلال بيت أبي إبراهيم المهدوم وقفنا لنستمع الى اسطورة أم ابراهيم الشعبية التي سقطت في بئر منزلها واليكم الحكاية: أم ابراهيم أحبت بيتها وقريتها وأهلها حتى النخاع فحرصت على تنظيفه وري بستانه من البئر المحفورة في فناء منزلها، وحدث مرة أن خرجت أم ابراهيم الى صحن البيت لتنتشل الماء من البئر ففقدت توازنها وسقطت في البئر، سمع أبو ابراهيم صدى صوت سقوطها فخرج مسرعا ووقف على فتحة البئر مناديا ولكن أحدا لم يجبه، لم يفقد ابو ابراهيم الامل فأحضر سلما ووضعه في البئر ونزل يبحث عن زوجته فلا مجيب في قاع البئر، خرج ابو ابراهيم من البئر حزينا باكيا، وبعد ايام من سقوط ام ابراهيم أخذت تخرج من البئر أم ابريص التي كانت  تجلس على حافة البئر القرفصاء وتدفع بلسانها الى الخارج، فساد اعتقاد بين أهالي القرية أن أم بريص هي روح أم ابراهيم المحلقة تخرج من البئر كلما سمعت شخصا يناديها.

  • *ملحمة فلسطينية حقيقية*

بعد أن تجولنا في بساتين جبع  المليئة بالاشجار وسط ترحيب وتغريد عصافير جبع انتقلنا الى مقام الشيخ عمير الذي بني سنة  1232هجري بأمر من أحمد الحامدي أحد وجهاء قرية جبع فهذا المقام خير شاهد على تاريخ جبع ومعالمها.
أما مقبرة جبع التحتا فتجسد ملحمة فلسطينية حقيقية ففي المقبرة مجموعة أضرحة لشهداء الثورة الفلسطينية وقد نقش على أحدها النص التالي :" شهداء الثورة الفلسطينية الذين استشهدوا في بلدة  اجزم المهجرة نهار الاربعاء 8 ربيع الآخر 1357 هجري".
نزوح أبي محمود وأم العبد وأبي صالح الى قريتي مصمص كذلك أضرحة شهداء اجزم وقصة ام ابراهيم التي وصلت الى حد الخيال ومقام الشيخ عمير وصبار وزيتون اجزم هم خير دليل على أن لشعبنا العربي الفلسطيني  حقا وتاريخا على هذه الارض فاسمع أهالي جبع حين ينشدون:
 
فخار جبع للزيت متني
     وعن مشتراها يا ناس ما أثني
دخيلك يا اله العرش ميتني 
     في جبع حتى تني أندفن بترابها

 

نعم، في قرية جبع المهجرة ما يستحق الحياة كذلك في ميعار والدامون والبروة وصفورية والكفرين  ومسكة ولوبية وجميع قرانا الفلسطينية المهجرة فلن يثنينا عن  إحياء ذكرى نكبة شعبنا العربي الفلسطيني سن قانون أو مرسوم، فلا سيطرة لقانون على ذاكرتنا الجماعية التي تتناقلها الاجيال ولا كبت لشعور ينتفض في ذكرى نكبة شعب فقد وطنه وتشرد وما زال يعاني من هذا الشعور القاسي الذي يلاحقه أكثر من  60 عاما والمجتمع الدولي يكيل بمكيالين وتمثال الحرية ينتصب في قلب دولة تبكي على حقوق الانسان، بينما حقوق الانسان الفلسطيني تداس كل يوم الف مرة .

 

(مصمص)

قد يهمّكم أيضا..
featured

الكَوْنُ مُقَسَّمٌ إِلَى طَبَقَات

featured

دوّامة الفقر والمرض

featured

"مين أرضه سايبه"..

featured

التقسيم الطائفي والمذهبي وخلق الدويلات، سياسة امبريالية صهيونية مصيرها الفشل

featured

لقاء ثلاثي يخدم المحتل!

featured

ظاهرة مرفوضة...مقبولة!

featured

الانتقاد البنّاء والانتقاد الآخر

featured

امعان في المراوغة