الظواهر الإجتماعية عديدة ومتنوعة، منها ظواهر ايجابية تعمل على تدعيم ركائز هذا المجتمع وتقويته، منها سلبية تعمل وبدون شك مع الأيام على تفكيكه وربما تدهوره، وتعمل كذلك على التباعد والتنافر وانحلال أقسام كثيرة من هذا المجتمع وتصدعها، ومنها ما يتنافى كليا مع القيم والتقاليد المألوفة في حياتنا اليومية، يقبله الكثيرون ويسيرون بموجبه ويتبعونه، ومنها ما هو مرفوض جملة وتفصيلا وغير مقبول كليا، وطبعا يعرف الراغبون بهذه الظاهرة أو تلك،و وكذلك الرافضون لهذه الظاهرة أو تلك أيضا.
وفي بعض الأحيان قد ينشب حوار ونقاش بين مؤيدي ومعارضي هذه الظاهرة أو تلك، ألا أن الزمن يحول كثيرا من الآراء ووجهات النظر والمواقف من هذه الظاهرة أو غيرها، وترى الانسان في بعض الأحيان هو نفسه كان يرفض هذه الظاهرة رفضا قاطعا، وبعد حين تراه من مؤيدي ومروّجي هذه الظاهرة، يعود ذلك بالطبع لأسباب عدّة ربما تكون نتيجة لتفاعلات زمنية، اجتماعية، وقد تكون تفاعلات أخرى تلزم المرء بتغيير رأيه أو العدول عن موقفه.... وفي الواقع على الغالب تكون أسبابا غير مقنعة وربما مفتعلة.
وعلى سبيل المثال أورد في هذه السطور من نوادر عديدة وكثيرة في هذا المضمار: قال لي أحد الأصدقاء يوما من الأيام: هل تعلم يا فلان ماذا حدث مؤخرا؟ أكدت أني لا أعلم بتاتا وظننت أنه يقصد موضوعا هاما فقلت أتمم.... فأردف يقول: أن فلانا يصبغ شعره يا عيب! هل يليق ذلك به بربك؟ أوليس الأجدر به أن يبقي شعره أبيض ناصعا كما خلقه الله دون تصنع مع الحفاظ عليه؟ واستطرد زميلنا بالتساؤلات والتعبير عن نبذ هذه الخطوة والبقاء على الطبيعة.
ولكن بعد مدّة فوجئت أنا بنفسي من منظر نفس الشخص الذي تساءل ولاحظ وانتقد في حينه، فاذا بي أراه يلمع، براقا، وشعره أسود كالليل وكأنه ولد من جديد بحلة شعر جميلة أنيقة، تأملته وبكل رغبة وتفرس وحب استطلاع، فاذا به هو هو ذلك الانسان الذي جادل وناقش وانتقد مثل هذه الخطوة سابقا، والآن يعلل بأن الاحوال قد تبدلت، والأمور قد تغيرت ويدعي أن الأزمان تغيرت ولماذا لا يتطور حسب رأيه في هذا الاتجاه أيضا .
وفي هذه العجالة تطرح نفسها أسئلة عديدة موضوعية تبحث عن اجابات صحيحة، وعلى سبيل المثال : هل ان صباغة الشعر أيها الانسان العاقل الواعي وصاحب الوقار تغير من جوهر الانسان؟ وهل أنها تعمل على ارجاع صاحبها الى الوراء عددا من السنين كما يدعي البعض؟ وهل ان الكيماويات على اختلافها التي يضعها المرء على شعره تغير مظهره الحقيقي؟ ان كان الجواب نعم فذلك يكون لفترة محدودة، الا أن الجوهر لا يتغير أبدا والعمر يقصر يوما بعد يوم.
إذًا أليس من الأفضل والأجدر بنا نحن الآدميين أن نحرص على ما خلقه الله لنا ونبقي الأمور على طبيعتها؟ ألم يقل أن الشيب وقار للمرء بعد أن مرّ بفترة الطفولة والشباب؟ هذا الأمر لا يقبل الجدل فالشيب للمرء وقار ويعبر عن بلوغ الانسان فترة ومرحلة زمنية متقدمة تليق به، ويليق به لون شعره كي لا يخجل به لأنه وقار حقا، والذين يرفضون أولا ومن ثم يغيرون رأيهم من فترة الى اخرى أقول لهم اتبعوا القول التالي:
"لا تنه عن أمر وتأتي مثله عار عليك اذا فعلت ذميم"
ومن باب الموضوعية الصحيحة عليك أيها الانسان أينما كنت وكيفما تصرفت، عليك ألا تفقد رشدك وألا تتأثر بمغريات هذا الزمان، لانها كثيرة ومتنوعة وخطيرة جدا في نفس الوقت، ويترتب بذل المستطاع في توجيه الناشئة للحد بقدر الامكان من الظواهر التي تنعكس نتائجها سلبا على المجتمع من جراء تغلغلها في صفوفه.
فمعًا يجب علينا أن نحافظ على شمولية هذا المجتمع، غير متأثرين بما يحدثه من تغيرات وتقلبات، ودائما نرنو الى توطيد وترسيخ قواعدنا الاجتماعية، وعدم التلاعب بالعادات والتقاليد الاجتماعية والقيم الانسانية، لأن أمرا كهذا قد يبعد الكثيرين عن أصولهم وربما ينفيهم الى عالم آخر، عالم لا يؤمن بالتطور والتقدم في ظل الحفاظ والعناية بتراث الآباء والأجداد، فالتيار جارف والتصدي له محدود جدا، فالأمر يتطلب الجدية والمسؤولية الكاملة تجاه النفس وتجاه الأبناء والأهل والأصدقاء وكذلك تجاه المحيط الذي يعيش به المرء.
(ابو سنان)
