توالى أمس الثلاثاء، ظهور الأنباء عن شبهات فضائح الرشاوى التي انتشرت في الانتخابات البرلمانية، وما قبلها خلال الانتخابات الداخلية المفتوحة في عدة أحزاب، وآخرها الحديث عن عمير بيرتس، الذي تدعي الشبهات أنه اشترى أصواتا من مقاول أصوات نشط في صفوف المنتسبين لحزب "العمل"، الذي غادره بيرتس قبل نحو ثلاثة أشهر. وقبل ذلك بأيام، سمعنا عن سلسلة فضائح تعصف بحزب "هبايت هيهودي" الذي يرتكز في قوته على عصابات المستوطنين في الضفة الغربية المحتلة.
وبناء على تجربة على مر عقود، ولكن بشكل خاص في العقدين الأخيرين، فإن هذه القضايا التي وصلت الى وسائل الإعلام، ومن هناك في طريقها للتحقيق الجنائي، قد تكون كذرة تراب في كومة كبيرة، فنحن لسنا امام شفافية، ومظهر من مظاهر "نزاهة الحكم" في اسرائيل، على العكس تماما، بل هي شفافية مزعومة انتقائية، يقع فيها من تقرَّرَ فتح ملفه لإزاحته عن الواجهة، وهذه ظاهرة معروفة ومنتشرة في الحلبة السياسية الاسرائيلية، وبالتأكيد لا يُفهم من هذا أننا نبرّئ ساحة أحد من المتورطين.
إن فساد الحكم، الذي يبرز أحد مظاهره خلال فترة الانتخابات البرلمانية والبلدية، رافق اسرائيل منذ الإعلان عنها، ولكنه زاد استشراسا في العقدين الأخيرين، حينما بدأت الأحزاب الكبيرة تتبع نمط الانتخابات الداخلية المفتوحة (البرايمرز). فهذا النمط من الانتخابات، والى جانب أنه حلل وفكك الأحزاب القائمة على أسس أيديولوجية، وحاجة المرشح الى أموال طائلة، كي يفوز بمقعد ما في اللائحة الانتخابية، كان قد فتح الأبواب على مصراعيها أمام سلاطين المال الكبار، الذين يمولون الغالبية الساحقة جدا من المرشحين إن لم يكن كلهم، ليصبح ولاؤهم للطغمة المالية، أكثر من ولائهم لأحزابهم.
وهكذا تحولت هذه الانتخابات، ومن ثم النواب المرشحين، الى جسر سلس لكبار أصحاب رأس المال للتغلغل في أروقة الحكم، لفرض ارادتهم وضمان مصالحهم الكبرى. فقبل أشهر قليلة فقط منحت حكومة بنيامين نتنياهو تخفيضا ضريبيا بقيمة 27 مليار شيكل، لكبريات الشركات على ارباحها التي حققتها في نشاطها الاقتصادي في الخارج.
لا يمر تقرير دولي عن فساد الحكم في دول العالم، إلا وظهرت فيه اسرائيل في مكان "متقدم" كدولة فاسدة، من بين عشرات الدول، وقد أثبتت الوقائع أن الفساد في الانتخابات البرلمانية الأخيرة كان على مختلف المستويات، وفي كافة الأوساط، ولكن هناك جهات "عليا" تقرر من يُفتح ملفه، ومن يتم التستر عليه كليا أو مرحليا، وفي كثير من الأحيان لحسابات سياسية!
