هواجس عن بعد 15 ثانية من غرفة محصنة

single

*كل شيء من اجل التعجيل في إسقاط حكومة الكراهية والقتل! كل شيء! علينا ان نوحد قوانا من اجل ما هو قادم ولبناء وتخطيط أساليب واستراتيجية صحيحة للمرحلة القادمة...*


منذ أكثر من عقد من الزمن عائلتي وأنا، ومع كل سكان ومواطني "التفافي غزة"، نعيش في واقع من شرود الذهن وغير قابل للاستيعاب: واقع ان "نكون على مسافة 15 ثانية من غرفة محصنة" وهذا الواقع يمس بإمكانية ممارسة حياة طبيعية ومتزنة في دولة من المفروض ان تكون متزنة وطبيعية.
الناس منهكون من هذا الواقع الشاذ والذي يسبب لهم الغضب والألم، والتوتر واقل تسامحًا، فقد سئموا كل ما يجري حولهم، كيف يمكن ممارسة حياة طبيعية إذا لم يكن بالإمكان النوم ليلا!!! نحن نعيش في واقع حيث صواريخ القسام والغراد تتنافس مع القنابل التي يطلقها سلاح الجو وكذلك الدبابات التي تتمركز على بعد مسافة قصيرة من البيت، ومَن مِن هذه يزعجك أكثر عند رغبتك للخلود إلى النوم والراحة. كيف يمكن ممارسة حياة طبيعية إذا كان كل قرار بسيط (بالخروج من البيت أو عدم الخروج) يتحول إلى لعبة أشبه بـ"الروليتة الروسية"؟ وأي غرابة في ذلك ان الناس يتحولون إلى متطرفين أكثر، يبحثون ويطالبون بحل فوري ونهائي، يصرخون من اجل حل عسكري ونهائي.
وفجأة وبينما أنا غارق بالتفكير تنبهت للحظة، فقبالتي وراء جدار الحدود أكثر من مليون ونصف المليون إنسان يتحملون ويعانون المشاكل نفسها التي أعاني أنا منها بل أكثر مني!!! وعلى العكس من الوضع عندنا، ليس لديهم غرف محصنة، فهم يعيشون (وهل هذه معيشة؟؟) بدون إنذارات "الضوء الأحمر"، ووضعهم الاقتصادي في حالة يرثى لها. يعيشون في حصار ومخنوقين من الناحية الاقتصادية، الاجتماعية والإنسانية. والـ"الروليتة الروسية" لديهم أكثر قساوة وأكثر قتلا!!
ومن يهم هذا؟ طالما ان طبول الحرب تُسمع، وطالما ان المدافع تُسمِع الحان الموت والخراب، قسم كبير من المجتمع المدني اليهودي في إسرائيل يدعم استمرار المغامرة العسكرية والتي نحن في غنى عنها، وشاشات التلفزيون تتنافس فيما بينها من منها تستضيف المحللين "المتحمسين" و"الأكثر استعدادا للقتال"، فهذه الحملة تحولت إلى "كرنفال" للمراسلين العسكريين الذين يغطون الأحداث المحملة بالتلميحات ورسائل التحذير القومية/القومجية، وكأن الحديث يدور حول مباريات المونديال. روني دانيئيل، مراسل القناة الثانية، يقدم لنا دروسًا نموذجية، كيف يجب ان نقدم بمسار فاشستي وعسكري للمجتمع المدني وتحويله إلى خَنوع و"لمصاصي دماء". وكل من يعارضه أو ينتقده يصبح خائنًا.
ولا احد (تقريبا) يطرح الأسئلة الصحيحة: وماذا بعد الحملة؟ بعد كم شهر من الهدوء تأتي الجولة القادمة؟ وبعد الدمار، الخراب والإصابات بالأملاك والأرواح من جانبي طرفي الحدود، كيف يمكن بناء خطة إنسانية لاعتراف متبادل وصلح شامل؟ متى ستقوم حكومة في إسرائيل ستغير ترتيب الأولويات وتحاول شق الطريق لها نحو السلام وليس للحرب؟ متى ستقوم حكومة في إسرائيل تعارض بشدة مصالح، حاجات، وأهواء واملاءات الجهاز الأمني والعسكري؟ متى؟
وحوالي الساعة الثانية بعد منتصف الليل  (أو الثانية صباحًا) جدران البيت تهتز والباب تقريبًا يكاد يتزحزح من مكانه، سلاح الجو يهاجم بكثافة جيراني من الطرف الآخر، دمار، معاناة وقتل لا ضرورة لها تنتشر حولنا. والعنف يولد العنف، القتل يؤدي إلى الشعور بالكراهية والانتقام... مواطنون أبرياء من جانبي الحدود يعانون من نتائج السياسة المغلقة وقيادات متعصبة وشرسة... وزراء حكومة اليمين، مصاصو دماء، يحاولون إقناع رئيس الحكومة ليكون أكثر هجوميا ومتشددًا أكثر وقاتلا أكثر...
وهل لم يحن الوقت لفعل شيء ما؟ كل شيء من اجل التعجيل في إسقاط حكومة الكراهية والقتل! كل شيء! علينا ان نوحد قوانا من اجل ما هو قادم ولبناء وتخطيط أساليب واستراتيجية صحيحة للمرحلة القادمة...

قد يهمّكم أيضا..
featured

المشتركة : كنز ثمين يجب الحفاظ عليه

featured

النازية وصلت للحكم بالانتخابات ومهدّت لجرائمها بسنوات

featured

الجزر الفلسطيني والسرير المباركي

featured

الجيش متورط بجرائم المستوطنين

featured

"سلام" بدون "لا"...

featured

أم طه التي غابت عنا .. نصف قرن من عضوية الحزب والعطاء