كل الأدلة تشير إلى تأثير الإفراط في مشاهدة التلفاز على نمو الأطفال، وهو ما أوضحته دراسة أعدتها الأكاديمية الأمريكية لطب الأطفال عام 2004، خَلُصَت إلى أن "مشاهدة التلفاز في سن مبكرة ترتبط بمشاكل في الانتباه عند بلوغ السابعة"، هذا بالضبط ما حدث لابنتي الحبيبة؛ حيث أدى الإفراط في مشاهدتها التلفاز وهي صغيرة إلى قلي دماغها.
عندما سمعت أول مرة قبل بضع سنوات أن "مادونا" لا تدَع أولادها يشاهدون التلفاز، اعتقدتُ أنها منافقة ومدَّعية. فأنا كنت مقتنعة دومًا بأن مشاهدتي للتلفاز وأنا طفلة مثلت دفعة كبيرة لدراستي، مَن بإمكانه نسيان قصة القهوة، كما صُوِّرت في برنامج "بلو بيتر"؟ كما أن معرفتى الكاملة بأسرة تيودور مستقاة من تجسيد كيث ميشل في السبعينيات لـ هنري الثامن. لذلك عندما رزقت بابنتى "بيجى" قبل ثماني سنوات، كان من المثير أن أدعها تستمتع بالعالم الجديد الجسور وهي تشاهد برامج الأطفال على مدار 12 ساعة.
عندما أتذكر ظهيرة آحاد الستينيات الطويلة المملة فى طفولتى، عندما كنتُ محظوظة إذا وجدتُ فيلم رسوم متحركة غربيّا أو تشيكيّا (سرعان ما اكتشفتُ أن ليس لها علاقة مطلقًا بـ"توم وجيرى"، بل بالشيوعية) لكسر الملل، كنت أشعر بالسعادة لأجلها.
علاوة على ذلك، لديها معجزة أقراص الفيديو الرقمية، ما يعني إمكانية مشاهدة سلسلة ديزني بأكملها فى عطلة نهاية أسبوع، بدلًا من الانتظار لسنوات حتى تُعرَض نسخة سيئة من "101 كلب مرقش" في السينما المحلية خلال العطلات المدرسية. كطفلة وحيدة لأبوين كبيرين (كنا في منتصف الأربعينيات عندما رزقنا بها) شعرتُ أن "بيجي" تحتاج إلى صحبة التلفاز.
شخصيات "تليتبيز" كانت أشقاءها الافتراضيين، أردتُها أن تنشغل بالتلفاز لأريح بالي. لم تكن تنام جيدًا، ومنذ عمر عام، وبعد مرات عدة من الاستيقاظ فى الليل، كانت تستيقظ فى الخامسة وهي مستعدة للعمل، ويبدو أنني لم أكن الوحيدة؛ حيث أظهرت الأبحاث هذا الشهر أن الأطفال فى بريطانيا يجلسون أمام التلفاز أو شاشة الكمبيوتر لمدة أربع ساعات ونصف الساعة يوميًّا، قرابة ساعتين وأربعين دقيقة منها في مشاهدة البرامج.
وأظهر التقرير الذي أعدته مؤسسة ChildWise للأبحاث أن الشاشات تتحول بشكل متزايد إلى مربيات إلكترونيات، ولا بد وأن أعترف بأنني اعتدت على سحب غطاء إلى غرفة اللعب، ووضع قرص الفيديو الرقمي وانتزاع 30 ثانية من الغفوات المتتالية بينما تشاهد هي بسعادة.
أي نوم كان أفضل من عدم النوم، وإذا كانت تشاهد برامج أعدتها بي بي سي خصيصًا للأطفال الرضع، فحتما سيكون ذلك جيدًا، أليس كذلك؟ حسنًا، لا.
لكني لم أعرف ذلك حتى قرأت قبل عامين أن الحكومة الأسترالية تنصح رسميًّا بأن يُمنَع الأطفال دون سن الثانية من مشاهدة أي تلفاز، ومن سنتين إلى خمس سنوات ينبغي أن يشاهدوا فقط ساعة واحدة يوميًّا.
في ذلك الوقت كانت "بيجي" وصلت سن المدرسة.
ورغم الأخبار المرعبة التي قابلتني، لم أربط بين حقيقة أنها لم تكن تتقدم ببراعة أكاديميًّا وبين سياستي لتعريضها مبكرًا للتلفاز.
خلال السنوات الثلاث الأولى، عزونا نتائجها الدراسية المتواضعة لكونها ثاني أصغر طفلة في صفها، لكن الأمر تفاقم بسبب تجربتها السيئة خلال العام الدراسي الثاني؛ حيث تعاقب عليها خمسة مدرسين مختلفين.
علّقنا آمالنا على السنة الثالثة، حين تصبح فى السابعة ويكون لديها معلمة جيدة تحبها. لكن عندما جاء تقريرها في نهاية الصيف الماضي، كانت النتائج مروعة مرة أخرى. كانت في مجموعة القراءة الأدنى، وكان هجاؤها مروعًا، ونادرًا ما كانت تنجز واجبًا. كنا محبطين وحيرى. أعلم أن كل والد يعتقد أن طفله رائع، لكن والد "بيجي" لم يكن كذلك بالتأكيد. رغم أنها كانت ذكية، ومرحة جدًّا، ولديها مفردات مدهشة.
ثم أدركنا أن المشكلة كانت أنها لا تستطيع الاستقرار على أي شيء، وكان ذلك عندما أعطتها أختي أدوات لـ"الكروس ستيتش" فى العطلة الصيفية، وفقدت "بيجي" الاهتمام بها حتى قبل أن تخرج حتى من الصندوق، وحينها أدركنا المسألة.
كانت طفلتي تعاني من نقص الانتباه! بمجرد أن أدركتُ طبيعة المشكلة، بدأت أشياء كثيرة تتكشف. في كل مرة كان أصدقاؤها يزورونها، كانوا ينهون بسعادة ألعابهم الحرفية، بينما كانت هي تتركهم لتمارس بعض الألعاب الرياضية أو لتعزف على البيانو على دفعات تستغرق ثلاث دقائق، أو لمجرد الدوران حول المنضدة. فسَّر ذلك أيضًا لماذا لم تكمل أبدًا قراءة كتاب حتى نهايته، ما أثار حزنًا جارفًا لدى أمها. كانت كل الأدلة تشير إلى تأثير الإفراط في مشاهدة التلفاز على نمو الأطفال، وهو ما أوضحته دراسة أعدتها الأكاديمية الأمريكية لطب الأطفال عام 2004، خَلُصَت إلى أن "مشاهدة التلفاز في سن مبكرة ترتبط بمشاكل في الانتباه عند بلوغ السابعة"، هذا بالضبط ما حدث لابنتي الحبيبة؛ حيث أدى الإفراط في مشاهدتها التلفاز وهي صغيرة إلى قلي دماغها.
ثم أعطاني أحدهم الكتاب المدهش “الدماغ الذي يغير نفسه The Brain That Changes Itself”، لمؤلفه الطبيب الكندي نورمان دويدج Norman Doidge. إنه يستكشف مفهوم “المرونة العصبية”، الذي يشير إلى أن الدماغ قادر على التغيير المستمر. منحني الدكتور “دويدج” الأمل في استعادة دماغ "بيجي" كما كان قبل أن يُقلَى، إذا كان بإمكاني كبح جماح التلفاز، حتى لو بدأتُ الآن. لكن كيف أفعل ذلك، دون أن يبدو ذلك عقابًا؟
بعدما سألت آباء آخرين، فوجئتُ بأن الكثيرين منهم يطبقون ضوابط على مشاهدة التلفاز بالفعل، حتى إن إحدى العائلات تخلت تمامًا عن التلفاز، واستعاضت عنه بمشاهدة جماعية لأقراص الفيديو الرقمية، وهو النظام التي انتهجته "مادونا" بالمناسبة.
بالنسبة لآخرين، كان مسموحًا للأولاد بالجلوس أمام الشاشة بعد الخامسة مساء، أو لساعة واحدة يوميًّا، يقضونها إما في مشاهدة التلفاز، أو ممارسة ألعاب الفيديو، أو أمام الكمبيوتر. بدأتُ في تخفيض عدد ساعات المشاهدة في عطلة عيد الميلاد. على مدى قرابة أربعة أسابيع، خفضنا مشاهدتها للتلفاز حتى ساعة ليلًا، بالإضافة إلى المشاهدة الجماعية لأقراص الفيديو المدمجة في بعض الأحيان.
ناقشت الأمر معها، وفوجئت كيف أنها كانت على استعداد للمحاولة، رغم أن الأمر تطلب جهدًا والتزامًا من جانبي. كان عليَّ تخصيص الوقت لممارسة ألعاب الفيديو معها، بعدما كنتُ في الماضي- عليَّ أن أعترف بذلك- أتسكع على تويتر في الطابق العلوي، بينما كانت هي تحملق في عرض "Take Me Out". دعني أخبركَ أنني وجدتُ في ذلك متعة كبيرة.
أصبحنا نطبخ معًا، ونلعب سويًّا بالألواح، ونركب الصور المقطعة، وأدمنت الأسرة كلها لعبة أوراق مبهرة تسمى "Rat-a-Tat Cat". وتذكرت في واقع الأمر شتاء السبعينيات، حين كانت الكهرباء تنقطع كل ليلة، وتجتمع العائلة بأكملها للعب الورق بجوار مصباح البرافين، وهي الأوقات التي أذكر أنها كانت من أسعد أوقات حياتي. حتى إنها بدأت تقرأ الكتب، وحدها، وحتى النهاية.
ثم كانت هناك أخبار مدهشة حقًّا. مرت فقط بضعة أسابيع بعد عيد الميلاد، ثم جاء مدرس الألعاب ليقول لي: "لا أعرف ما فعلته لـ"بيجي"، لكنها أصبحت فتاة مختلفة. كانت رائعة في كرة الشبكة اليوم، لا خداع في هذا الشأن إطلاقًا". في اليوم التالي تلقيتُ تقريرًا مماثلًا من معلم الدراما، ثم شهدت يوم الجمعة الماضية الحدث الأكبر: طاردتني مدرستها حرفيًّا في ممر المدرسة، هاتفة: "أصبحت بيجي فتاة مختلفة. تنجز واجبها بشكل جيد. سأضعها في فريق القراءة. لا أعرف ما الذي فعلته، لكنه ينجح".
كل ما تطلبه الأمر كان ضغطة زر؛ لإيقاف التلفاز!
(ديلي ميل)
