في ما يتعلق بالجبهة الفكرية، اعتقد بأننا كماركسيين– لينينيين من واجبنا ان نعطي ما علينا ونأخذ ما لنا، ننطلق من مبدأ النقد والنقد الذاتي لعملنا وفي تأدية واجباتنا العملية والفكرية . عالجت في مقالتي السابقة المسألة القومية، ورأيت انه من واجبي ان اقف على بعض الاخطاء في عملية تطبيق الاشتراكية ، وعلى رأسها تجاهل المسألة القومية في الايديولوجية الاشتراكية الامر الذي ادى الى عدم تطور الحركات الجماهيرية والتي كان المعسكر الاشتراكي، وبخاصة الاتحاد السوفييتي السابق، بأمس الحاجة اليها . باعتقادي المتواضع ان سبب هذا التجاهل نشأ من مقررات تاريخية بعيدة الوضوح ومن تراث نظري معقد خلفه الماضي . علينا الا ننسى فيما يتعلق بالمقررات التاريخية بان تشكيل الامم الحديثة نشأ في ظل القيادة الطبقية للبرجوازية . وهذا التطور حدث وفقا للحتمية الاجتماعية والاقتصادية المتأصلة . لذا فالقومية تظل شيئا حتميا واساسيا بالنسبة لكافة الشعوب، وتتيح التأكيد على حقوق الفرد السيادية وهي اطار للدفاع عن الذات في وجه ممارسات رأس المال الساعي الى الهيمنة . القومية لا تعني التقوقع بل يجب ان تكون منفتحة، ولذلك لا بد من وجود نظام عالمي جديد لا يتكون مع ما نراه اليوم ( هيمنة القطب الواحد) دون احترام الامم الشابة . الامر المذكور اعلاه يؤكد ما قاله لينين " بان القومية حق مشروع للامم المضطهدة المدافعة عن نفسها امام هيمنة الدول الامبريالية" .
ان الرد الاشتراكي يؤكد على قيام علاقات بين المجموعة الكبيرة المتنوعة من الامم والمختلفة نوعيا فقط في اطار نظام دولي تعاوني وحقيقي . القضية معقدة وتأثرت بشكل خطير في القرن العشرين بسبب الظرف المأساوي وهو ظرف اول ثورة ناجحة تطلعت الى تحويل المجتمع اشتراكيا حين اندلعت في روسيا القيصرية وذلك لانه حدث ان ذلك البلد كان امبراطورية قمعية متعددة القوميات . هذه حقيقة ساهمت في قيام لينين بوصفها انها " الحلقة الضعيفة في سلسلة الامبريالية ، ومن ثم فقد كانت مكسبا ايجابيا لاحتمال اندلاع الثورة " .ان هذا التقييم اللينيني ثبتت صحته . لكن الوجه الآخر للعملة ذاتها هو ان التخلف الاجتماعي والاقتصادي لم يشكل وحده مشاكل بالنسبة للمستقبل بل ايضا التركة للامبراطورية المتعددة القوميات .
ان الفشل في معالجة التناقضات بشكل سليم والناجمة عن عدم المساواة القومية بعد وفاة لينين حمل معه عواقب مدمرة اسفرت في النهاية عن تفكك الاتحاد السوفييتي. .لينين كان ينادي دائما بحق مختلف الاقليات القومية في الحكم الذاتي الكامل الى حد الانفصال بينما ستالين مثلا حط من مكانة تلك القوميات وواجب خضوعها لمصالح روسيا فقط .
حذر لينين من مفاهيم ستالين وادانها والامر الذي اكد تحذيرات بان عدم مساواة القوميات سيؤدي الى انسحابها من الاتحاد .
ان لينين اكد دائما على مساواة كافة الجماعات القومية بشكل جوهري وملموس . واكد ليس فقط خطورة الخروقات الجارية لمبدأ التضامن الاممي البروليتاري، وكذلك اكد لينين على الموقف الماركسي الخاص بالحاجة الى جعل " المساواة غير مساواة" لصالح المضطهدين .(ف.ا. لينين المجلدات).
بعد وفاة لينين ألغيت جميع توصياته حول المسألة القومية وحل محلها توصيات ستالين الخاصة بروسيا العظمى التي تعاملت مع القوميات الاخرى بشكل ظالم . ان اساليب ستالين ادت الى تدهور العلاقات القومية بين شعوب الاتحاد السوفييتي واستمرت الاوضاع بالتدهور في عهد خروتشوف . و بريجنيف ايضا حاول اضفاء شرعية دائمة على السياسات الستالينية نفسها التي لم يعد بالامكان الدفاع عنها . حتى اسلوب جورباتشوف ومعالجته اتسم بعدم الواقعية المتحيزة نفسها التي طبعت النظريات والممارسات فيما بعد لينين .
لقد حافظ جورباتشوف على اسطورة " الامة السوفييتية " وما تملك من وعي ذاتي يوحدها على الرغم من وجود مؤشرات سرعان ما ادت الى تفكك الاتحاد السوفييتي ثم حاول تبرير اختزال المجتمعات القومية بما في ذلك المجتمعات البلطيقية والبلروسية والاوكراينية الى مجرد " مجموعات اثنية" .
ان التجاهل المستمر للمسألة القومية لم يقتصر على تقلبات الفشل السوفييتي في مواجهة المعضلات بل ادى الى اتخاذ موقف غير انتقادي، مما احدث تشويشا نظريا وارباكا استراتيجيا ادى الى ازمة اخذت تتفاقم وبخاصة عندما جرى الاقرار بجدية الازمة في ظل " شفافية جورباتشوف " بالبريسترويكا وكأنها " اصلاحية " التي ادت بالتالي العودة الى الرأسمالية .
من الممكن ان نرى على اثر تلك التطورات ان امكانية التضامن الاممي التي اطلقها ماركس حين قال : " طبقة في كل الامم لها المصلحة نفسها واصبحت القومية بالنسبة لها ميتة " (ماركس الوطنية والاممية ) ليس انها لم تقترب من ان تتحقق فقط، بل انها عانت من تراجع نتيجة تفتح الامبريالية الحديثة وتحولها الى نظام تبعية جديد في اعقاب الحرب العالمية الثانية .
لا يمكن تصور تحقيق اممية حقيقية دون تحرير للعديد من الشعوب والامم المضطهدة. وهنا يكمن مفهوم القومية الدفاعية المشروعة كما اكد عليها لينين ، انها قومية دفاعية يجب ان يكملها البعد الايجابي للاممية كي تنجح .
إن عدم الاهتمام بالقضية القومية، كان احد الاسباب كما ذكرت آنفا الى تفكك الاتحاد السوفييتي والتي كان من الممكن تجاوزها بتقوية اواصر الاممية الاشتراكية بين شعوب الاتحاد السوفييتي السابق . هذا الامر استغلته القوى الامبريالية الرأسمالية العالمية، واستطاعت بان تساهم في التفكك والانهيار رغم قناعتها بان الفكر الماركسي اللينيني الاشتراكي لن ينهار .
لذلك فعلى قوى التحرر العالمية، وبخاصة الاحزاب الشيوعية ،الانتباه الى تعاليم ماركس ولينين حول المسألة القومية ومنع التقوقع القومي والانفتاح على الاممية الخلاقة .
