هاني أبو مصلح جالس في الصف الأول وهو الثالث من اليمين، والصورة تجمع أعضاء الوفود من البلدان التي حضرت مؤتمر جمعيات الشبان المسلمين في مصر في المقر العام للجمعية في القاهرة في 10 تموز/يوليو 1930 (الصورة من أرشيف محمد علي الطاهر على شبكة الإنترنت)
*كامل البديري أحد رواد الصحافة والكفاح المسلح في فلسطين*اغتيل عام 1923 أثناء رحلة لجمع السلاح في الجزيرة العربية*
"الإنسان مربوط بأخيه الإنسان بروابط مختلفة تبتدئ بالروابط البيتية وتنتهي بالرابطة الإنسانية. ولكل مذهب ومبدأ ومصلحة إلخ رابطة خاصة تضم أصحابها فللدين والقومية والحرفة والبيئة إلخ رابطة مختصة بها لا تؤثر على غيرها إلا تأثيرًا ضعيفًا. وعلى ذلك فللسياسة رابطة أساسية هي الرابطة القومية. فالسياسة لا تعرف المسلم أو المسيحي أو اليهودي ولا تفرق بين تاجر الحبوب والجوخ ولا الطبيب والمحامي ولا القدسي واليافي بل تعرف التابعية القومية فقط فالإنكليزي بعرف السياسة الإنكليزية إنكليزي سواء كان مسيحيًا أو مسلمًا والألماني ألماني مهما اختلف مذهبه الروحي عن مذهب البلاد الرسمي فالرابطة الدينية تتلاشى أمام الرابطة القومية فيما يتعلق بالسياسة كما أن الروابط السياسية لا تؤثر على الأمور الدينية. ولهذا نرى بعض يهود إنكلترا يحتلون أرفع المناصب البريطانية ويهود ألمانيا وفرنسا إلخ يجدون أبواب السياسة مفتوحة أمامهم كما يجدها الألماني أو الإفرنسي ونجد الزعيم غاندي المجوسي والقاضي محمد علي يسيران في الهند جنبًا إلى جنب في حركتهما الوطنية والمسلم والقبطي في مصر والمسلم والمسيحي في فلسطين... مهما اختلفت المذاهب في جميع البلاد العربية.
هذه أمور ثابتة قررتها الأجيال وسارت عليها الأمم ولم تظهر في عصر ظهورها في هذا العصر إلا أن فلسطين تجد اليوم فيها حركتين سياسيتين تقومان على غير هذا الأساس وغير هذه الروابط احداهما خارجية قوية وهي الحركة الصهيونية والأخرى داخلية ضعيفة ويقال لها حركة الجمعيات الإسلامية الوطنية أو "الحركة الكفرسكية" (وهي حركة أسسها مستوطن روسي وصل إلى فلسطين إبان الحرب العالمية الأولى وقاومته بشدة الحركة الصهيونية لأنه دعا إلى اندماج اليهود مع الفلسطينيين أبناء الوطن الأصليين - إ.ن.) فالصهيونية هي حركة سياسية بنيت على الرابطة الدينية وليس على الرابطة المختصة بالسياسة وهي القومية وذلك علة ضعفها الداخلي الذي لا دواء له وهي ترمي إلى إدماج اليهودي الروسي والألماني والإنكليزي والعربي والهندي والكردي إلخ بعضهم بعضًا ولكل منهم أخلاق وعوائد ولغة وشعور مختص به وبقومه وهي بذلك كالذي يضع الكلب والهرة والثعلب والدجاجة والعصفور في بيت واحد لكي يعيشوا مع بعضهم بسلام آمنين وذلك مستحيل. والاستحالة ظاهرة مما نشاهده من وقت إلى آخر في بلادنا من تصادم الأفكار بين اليهود المختلفي الأجناس وبين الوطنيين منهم الذين تنطبق عليهم جميع أركان القومية العربية.
حضرنا منذ ليلات نادي طرب تشنف الآذان فيه مغنية عربية يهودية لا يتمالك العربي عند سماع ألحانها الشجية من أن يفيض بجميع شعوره. وكان بجانبي بعض سيدات العرب اليهود ومعهن رجالهن وفي الجهة الأخرى يهود غرباء فكان العرب اليهود يهتزون طربًا كلما أتت المطربة على نغمة شجية ويستغرق اليهود الغرباء في الضحك على طرب هؤلاء لأنهم لا يجدون في الأنغام العربية إلا صياحًا وضجيجًا كما لا نجد نحن في الأنغام الغربية إلا جعجعة وعويلا. فهنا عرب مسلمون ومسيحيون ويهود يطربون لأنغام واحدة وتتأثر عواطفهم بمؤثر واحد ويفكرون بطريقة واحدة ويتكلمون لغة واحدة. وهناك يهود غرباء لا يتأثرون بهذه المؤثرات ولا يفكرون بتلك الطرق ولا يتكلمون بتلك اللغة فهل من المعقول بعد هذا أن نقول أن اليهودي العربي أقرب إلى الامتزاج باليهودي الغربي من الامتزاج بالمسلم أو المسيحي العربي؟
لذلك فإنا نرى أن الحركة الصهيونية هي حركة مغايرة لطبائع البشر ومناقضة لمقررات الأجيال ولا يقبلها العقل السليم وأن آخرتها الإخفاق ثم الموت.
أما حركة الجمعيات الإسلامية الوطنية فهي تطلب منا أن نترك إخواننا بالقومية والذين نرتبط معهم برباطها السياسي الأخلاقي المتين لكي نتفق مع الذين لا تربطنا بهم رابطة قومية أو دينية أو أخلاقية أو لغوية (غرباء اليهود) وذلك مخالف لجميع نواميس وطبائع البشر.
ولو تركنا ما سمعناه بأذننا من أن مؤسسي هذه الحركة في القدس وغيرها يأتون إلى الناس فيقولون "أدخلوا في جمعيتنا تأخذون رواتب من اليهود" أو "أدخلوها تكسبون ذهب اليهود ثم تتركونهم وشأنهم" إلخ. وفرضنا أن القائمين بهذه الحركة هم من خيار الأمة وذلك ثمرة اجتهادهم واعتقادهم فإنا نرى أنهم قد شطوا عن جادة المنطق والعقل بالقيام بعمل تناقضه طبائع الناس وعوائدهم ومصالحهم وأذواقهم.
ولهذا فقد رأينا هذه الحركة لم تثبت في بلدة أكثر من شهر واحد والذي دعانا إلى الإتيان بذكرها الآن هو ظهورها في القدس على أيدي بعض من كنا نثق بتعقلهم وحكمتهم وتمحيصهم للأمور بعد أن اختفت في البلاد التي ظهرت فيها قبلًا.
فنسأل الله أن يدفعهم من جادة الضلال إلى جادة الحق وأن لا يجعل حب الدوانق والدنانير يسود في قلوبهم ويطفئ جذوة نخوتهم العربية ويميت العاطفة الوطنية في ضمائرهم إنه سميع الدعاء.
جمال الحسيني".
**
من ضمن الوثائق التي تم الاطلاع عليها من أجل إعداد ورقة البحث هذه بيان باللغة الإنجليزية من هاني أبو مصلح، أحد محرري جريدة "الصباح"، يتحدث فيه عن رغبة وفد المؤتمر العربي الفلسطيني بإصدار مطبوعة فصلية أو ما شابه باللغة الإنجليزية موجهة إلى الرأي العام البريطاني لشرح القضية الفلسطينية. ولأهمية ما ورد في هذا البيان وإلقائه الضوء على طريقة تفكير الحركة الوطنية الفلسطينية في تلك الفترة أو على الأقل الأشخاص الذين أحاطوا بكامل البديري وعملوا معه في جريدة "الصباح"، نورد فيما يلي ترجمة حرفية للبيان:
"هدفنا الوحيد من إصدار هذه المجلة الفصلية أن نوضح قدر الإمكان إلى الرأي العام البريطاني، والمقصود القراء البريطانيين الفطنين والشرفاء هنا وفي الخارج، حقيقة الأوضاع في هذه الزاوية المعتمة والبائسة والمهمة من العالم الواسع.
نفترض أن الموجودين في إنجلترا بحاجة ماسة إلى التنوير في هذه القضية. إذ لو كان لديهم أدنى قدر من المعرفة بما يحصل هنا فهم لديهم ضمائر كافية لإخراجهم من عدم اكتراثهم وأن يقولوا كلمتهم ويضعوا حدًا له. فهم قادرون على القيام بذلك وأن ينتهزوا الفرصة الآن قبل فوات الأوان.
إننا لم نطلق هذا العمل الصحافي الخاص بنا لأننا نعتقد أن أملنا الوحيد في الانعتاق مرهون بأيدي أمم أخرى. كلا، فنحن نعتقد بشدة أن الأمم والأشخاص هم أفضل المهندسين لمصائرهم وأفضل المدافعين عنها. إنها مسألة حياة أو موت بالنسبة لفلسطين، وقد حزمنا أمرنا منذ زمن طويل إما أن نعيش أحرارًا أو نموت. ولا مجال للشك إطلاقًا في أننا نعتزم القتال من أجل مواقدنا بأي وسيلة ممكنة، وأن هذا اليأس المظلم الذي قد يدفعنا في النهاية إلى اتخاذ إجراءات فجائية وخطيرة ليس مجرد احتمال، بل هو مسألة لا جدال فيها. فمن المؤكد أنه لا يوجد هناك إنجليزي لديه ضمير حي يقدر على لوم عربي مُعْتَّد بنفسه على نضاله المؤلم من أجل حياة تستحق العيش.
يتمتع الرأي العام البريطاني بتأثير كبير على حكومته، فعندما يصبح هذا الرأي العام مطلعًا كليًا على هذا الوضع البشع في هذا البلد، نشعر أنه بالتأكيد لن يتردد في فرض إرادته ويدفع إلى الجحيم ذلك الوعد غير المرغوب لبلفور.
فقط لكي يتجنب وفدنا الموجود حاليًا في لندن المشاكل التي من الممكن تجنبها، لأننا قمنا بإصدار مطبوعتنا بريد الصباح الفلسطيني، فمن المفضل التوقف هنا والقول أن التعدي على اسم جريدة "بريد الصباح في لندن" الداعم القوي لنا الذي تجرأنا عليه في اختيار اسم مطبوعتنا لم يكن عن سوء نية. صحيح أن شكرنا لهذه الجريدة الشهيرة لن ينفعها أبدًا، لكن الروح العربية الأصيلة تحتم علينا أن نكون حافظي جميل، ومن غير الممكن للتعبير عن عرفاننا بالجميل بوسيلة أفضل / هاني أبو مصلح"(5).
فالبيان مكتوب بخط اليد ومن دون تأريخ، لكن إذا تم التدقيق في محتواه يظهر واضحًا أنه كتب في الفترة التي توجه بها وفد المؤتمر العربي الفلسطيني إلى أوروبا أي في نفس الفترة التي صدرت فيها جريدة "الصباح".
فكلام أبو مصلح في هذه الرسالة حمل لهجة تهديد واضحة من الحركة الوطنية الفلسطينية لبريطانيا والدول الغربية أن "المسألة مسألة حياة أو موت بالنسبة لفلسطين"، وقال "وقد حزمنا أمرنا منذ زمن طويل إما أن نعيش أحرارًا أو نموت"، وكان أكثر وضوحًا عندما قال
"لا مجال للشك إطلاقًا في أننا نعتزم القتال من أجل مواقدنا بأي وسيلة ممكنة... وأن هذا اليأس المظلم الذي قد يدفعنا في النهاية إلى اتخاذ إجراءات فجائية وخطيرة ليس مجرد احتمال، بل هو مسألة لا جدال فيها".
فمن المؤكد أن أبو مصلح لم يكتب هذه الرسالة من تلقاء نفسه ومن دون استشارة الاشخاص الذين عمل معهم في جريدة "الصباح" وبالأخص صاحب الجريدة كامل البديري، بل على الأغلب أن الأفكار الواردة في الرسالة تُعبّر عن رأي كامل البديري، وأن الكفاح المسلح كان في ذهن كامل لدى إصدار جريدة "الصباح" إن لم يكن قبل ذلك. ومن غير المعقول أن تكون عين أجهزة الاستخبارات البريطانية ساهية عن مثل هذه الأفكار وأصحابها، بل على الأغلب أنها كانت تتابع كامل وتتعقب تحركاته، وهو ما تؤكده وثيقة رسمية بريطانية سيأتي الحديث عنها لاحقًا.
في مذكراته روى الدكتور خليل البديري أن كامل "شرع حال رجوعه من مصر في جمع السلاح وتهريبه من شرقي الأردن وتكديسه هنا وهناك إعدادًا للثورة المسلحة ضد المحتلين الإنكليز والانتداب ووعد بلفور والهجرة اليهودية ونشاطات الصهيونيين في البلاد" (7). وأوضح الدكتور خليل أن كامل استعان من أجل تهريب السلاح إلى فلسطين بقبائل شرق الأردن وشيوخها ومنهم "مثقال الفائز وعودة أبو تايه وسلطان العدوان" (8). لكن لا توجد في مذكرات الدكتور خليل البديري أو الوثائق الأخرى التي جرى الاطلاع عليها لمقتضيات هذا البحث أي إشارة إلى الكيفية التي تم بها استخدام هذا السلاح وفي أي جهة من فلسطين.
لكن من يراجع التطورات السياسية وتحركات المسؤولين البريطانيين في فلسطين خلال تلك الفترة يجد فيها أسبابًا كافية من أجل وصول كامل البديري والمجموعة التي كان يعمل معها في القدس إلى قناعة بأنه لا بد من حمل السلاح، فالمقاومة السياسية السلمية للمخطط الاستعماري البريطاني والمشروع الصهيوني المدعوم من بريطانيا بدت غير كافية بنظر كامل ورفاقه.
