للأوامر والمراسيم نحن دائمًا

single

*الموقف الذي يُرفض فيه منح التثبيت لأدار كوهين يعلّمنا أنّ المؤسسة التربوية في إسرائيل تعتقد أنَّه لا مكان للاستئناف على قراراتها. كلّ استئناف من الممكن أن يحوّل المعترض إلى "آخر"، وأن يقود إلى عملية نزع الشرعية وفي صلبها "ما بعد الحداثة" أو "ما بعد الصهيونية"*



الرياح عاصفة بين أوساط معلّمي المدنيات في دولة إسرائيل، فوزير التعليم جدعون ساعر والمديرة العامة لمكتبه قرّرا عدم منح التثبيت للمفتش العام لتعليم موضوع المدنيات، أدار كوهين، وفي رسالة واضحة اللهجة طالبوه بترك وظيفته.
هنالك صحافيون متعجبون على ضوء هذه القضية ويتساءلون: كيف يمكن ذلك؟ فطرد المفتش المسؤول عن تعليم موضوع المدنيات في وزارة التعليم توقظ ردود الفعل الغاضبة، لماذا هنالك معلمون ليسوا بالقلائل، من الذين انضموا لحملة تغيير القرار؟ ما الذي حرّك المعلمين كي يصلوا لجلسة لجنة التعليم في الكنيست قبل أسبوع محاولين تفسير موقفهم؟
يضيف الصحافيون أيضًا: لماذا لم يخرج نفس معلّمي المدنيات في الدفاع عن استي برند؟ المفتشة العامة التي سبقت كوهين؟ عندما استبدلت من قبل وزيرة التعليم السابقة؟ إجابة الصحافيين كانت واضحة، استي هي مستوطنة بينما أراد كوهين ينتمي لـ"النخبة اليسارية". هذا هو السبب كما يكتب الصحافيون، بأن معلمي المدنيات الموجودين تحت تأثير وتوجيه "اليسار المتطرّف"، يوجهون أصابع الاتهام لوزارة التعليم بضرب قيم الديمقراطية.
من اجل الترتيب والتوضيح: أدار كوهين استلم وظيفته نتيجة تحرّك سياسي – مهني لوزيرة التعليم السابقة يولي تمير، ومن صلاحيات وزير التعليم الحالي ان يقرّر عدم منح التثبيت لكوهين، وان يعيّن مكانه من يشاء.
هنا يمكن اعتبار هذا العمل غير قانوني، القرار ومساقه تم اتخاذهما بشكل ليس ديمقراطي أيضًا.
وإذا كان الأمر كذلك، فما هي المشكلة إذن؟ الحدّ الأدنى الذي يمكن مطالبته من وزير التعليم في دولة إسرائيل، هو العمل باستقامة وأن يدير مكتبه بشفافية!! لماذا شَعَر جدعون ساعر بحاجة للاختباء وراء تفسيرات رقيقة "توصيات وقرارات مهنية"؟
من المناسب كان أن يوضّح قصده الحقيقي من وراء فصل أدار كوهين: هذا قرار سياسي جاء "ليقوم ببعض الترتيبات" في موضوع المدنيات. هذا وحسب رؤية وزير التعليم ورؤية من حوله (قسم منهم سمعناه في لجنة التعليم في الكنيست)، حيث يرون تحوُّل موضوع المدنيات إلى "ارض خصبة لمعلّمي ما بعد الحداثة واللاصهيونيين"، ومن هنا "نشر أفكارهم الفاسدة، تهدف إلى ضرب الأمة"...
إذا المشكلة ليست فصل أدار كوهين، وإنما ما يختبئ من وراء فصله. من الواضح أن وزير التعليم يريد لموضوع المدنيات أن يأخذ توجهًّا مختلفًا عمَّا كان في السنوات الأخيرة.
حسب رؤية وزير التعليم جدعون ساعر الخاصة، لا يوجد هناك تناقض وإشكالية في تعريف دولة إسرائيل على أنّها "دولة يهودية وديمقراطية"، ولذلك ليست هناك حاجة للبلبلة لدى الطلاب في دروس المدنيات في التركيبة في تعريف الدولة والتوترات المتعلقة بهذا المصطلح.
عمليًا وحسب الرياح التي تهبّ من وزارة التعليم، على الطلاب ألا يتناقشوا في أي من المواضيع، هناك حقيقة واحدة ووحيدة، والمؤسسة هي التي تملك هذه الحقيقة. على الطلاب أن يكونوا مطيعين، وأن يقبلوا أقوال المعلم مثل "التوراة من سيناء"، بدون ريب أو شك أو أسئلة، لا مكان لطرح الأسئلة، لا مكان للاستئناف، لا مكان للشكّ ! فالدولة ليست بحاجة لمواطنين نقديين يمارسون رقابتهم، إنَّما هي بحاجة إلى "روبوتوات" مطيعة، "للأوامر نحن دائمًا"، نحن مواطنون حاضرون لتنفيذ كلّ مهمة وكلّ حرب!
إنَّ هذا الموقف الذي يُرفض فيه منح التثبيت لأدار كوهين يعلّمنا أنّ المؤسسة التربوية في إسرائيل تعتقد أنَّه لا مكان للاستئناف على قراراتها. كلّ استئناف من الممكن أن يحوّل المعترض إلى "آخر"، وأن يقود إلى عملية نزع الشرعية وفي صلبها "ما بعد الحداثة" أو "ما بعد الصهيونية".
ولذلك ما المستغرب في وجود معلمين قلقين، معلمين يرفضون الخضوع والسكوت؟

 

*عضو اللجنة المركزية للحزب الشيوعي

قد يهمّكم أيضا..
featured

الاختلاف لا يفسد للود قضية...

featured

"قنبلة" القدومي تنفجر فيه

featured

من دروس أكتوبر في الذكرى العاشرة

featured

التحدّيات أمام الحزب الشيوعي الإسرائيلي

featured

يوم الأرض بين الذكرى والذاكرة!

featured

الكنيست منبر من منابر النضال لجماهيرنا وليست كل المنابر

featured

مسمار صدئ في يوم الاستقلال

featured

مواجهات اللوبي الإسرائيلي والإدارة الأميركية