من الجليل جاءت، اختارت أن تتجشم عناء السفر كي تلقاني، ربما أرادت أن تلتقي بنبض لا زال على قيد الحياة من غزة.. عرفتها انسانة رائعة حيث كان اللقاء الأول عبر إذاعة الشمس حين اعلمتني الصديقة "أمل جمعة" أن صحافية لها برنامج اذاعي على "راديو الشمس" تود أن تنقل شهادة من امرأة في غزة تعيش الحرب.. كان اللقاء يوم جمعة في الثانية عشر ظهرا..
كنت قبل هذا الموعد قد أُرهقت حد الموت، فقد كانت ليلة بشعة بفعل القصف الإسرائيلي. لم نغفو ليلتها دقيقة واحدة.. كنا نستضيف عائلتين جاءت قبل صلاة الفجر حين هددوا البيت الملاصق لبيتها.. كان الصغار ملتصقين بأمهاتهم لدرجة أني لم أنجح أن أجعلهم يجلسوا أو يحاولوا أن يريحوا أجسادهم من الشد والتقوقع داخل أحضان امهاتهم اللواتي تقوقعن بدورهن على أبنائهن وأبين أن يسندن حتى ظهورهن على الحائط.. وفشلت كل محاولاتي أن أضع لجدّهم العجوز فراشا ليحاول النوم وحين أعيتني المحاولة قال لي: يا ابنتي هل يستطيع خائف أن ينام؟! فصمتّ وكفت محاولتي لأن السؤال يحمل إجابة قاسية.
ساعة ونصف حتى جاءت الصواريخ المدمرة والتي زلزلت المنطقة والفزع كان يعلو الوجوه..! مرة أخرى قصف عنيف ثم قصف آخر أكثر عنفا لكنه بمكان آخر أذكر جيدا عائلة الغنام حين استشهد أغلب أفراد العائلة إلا شاب وحيد بالكاد أخرجوه من تحت الردم. كان البيت ملاصقا لبيت خالي وعائلته، وكان الأرق قد نال منا جميعا.. الفجر يعلن الحياة لكنه بغزة كان يعلن الموت.. أصرت العائلات أن ترجع أدراجها للبيت.. خرج زوجي لأنه يعمل باحثا ميدانيا في مركز حقوقي، وقلبي كان مشتعلا بالألم والوجع.. لقد قتلوا العائلة بعد السحور وبعد الصلاة وهم في سبيلهم لمحاول النوم بضع ساعات.. لم أتصور ما يحدث، كانت جرائم إبادة أي عائلة فلسطينية في غزة يمكن أن تصبح خبرا عاجلا على شريط الأخبار.. آخ يا لهذا الموت القاسي..
أمل مرقس دوما قالت لي في محادثاتنا: سأسرقك من الحرب.. وسرقتني فعلا، نجحت بجدارة.. كان يمكن للإنسان بداخلها أن يرى الوجع ويمسّده فيحيله فرحا.. سعدت بها كثيرا.وقد قالت في مرات عديدة: الحرب لا تعطي شيئا جيدا أبدا فهي غول يقتل الصغار والكبار، لكنها أعطتني صديقة رائعة وذات القول شاركتها إياه..
للمرة الأولى لم أتمالك نفسي على الإذاعة وشعرت بغصة كبيرة لأحدثهم فقط عن ليلة واحدة وعائلة واحدة وموت واحد.. كانت تشاركنا اللقاء صونيا خضر.. تركن لي مساحة للحديث.. وكنت أرى دقائق الحياة لكني لم أكن على يقين أني سأسمع صوتهن مرة أخرى أو أرى الحياة مرة أخرى..!
كانت الحرب مجنونة تأكل كل ما في طريقها، أعصابنا ومشاعرنا، تكبّر خوفنا وتربّيه ليغدو رعبا.. أمل كانت بارقة أمل، كم تأثرت حين سافرت في موعد مسبق، شعرت أني فقدت مصدرا مهما للأمان.. كانت جميلة الروح منحتني مشاعر راقية، كلمات جميلة.. لا أُخفي أني في ربكة الحرب لم أدرك إلا بعد وقت أنها أمل مرقس ذات الصوت الملائكي.. اذكر أني عرفت حين أرسلت لي بعد عدة مرات لينكات الأغنيات الجميلة.. وعشقتها.
كانت أغنية أكره سفك الدم زادي اليومي.. في الحرب وفي الهدنة وبعد وقف اطلاق النار، كنت أشعر أنها كلمات تفجر ألمي ووجعي على الناس وعلى الحكايات التي يمتلئ بها عقلي:
"أكره سفك الدم، وصفارات الإنذار..
أكره هذا اللون الأزرق
في ضوء السيارات..
أكره أن تبكي أم أو زوجة
أن يتوجع طفل أو طفلة
أكره أن تسقط قنبلة
فوق الطرقات
أو في ساحة بيت آمن..
أكره كل حروب الدنيا..".
هي كلمات الشاعر الفلسطيني الرائع توفيق زياد.. عانقتني هذه الكلمات حتى في هروبي للبحر كنت أغنيها وأتمتم بها إلى السماء.. وحدها السماء كانت تصغي لأحزاننا جميعا..
أمل أردت أن أقول لك الكثير، حين التقيتك شعرت كم أنت انسانة نقية الروح جميلة قوية متواضعة ويمكنك أن تحتضني العالم بحبك.. كنت كلما نظرت لك شعرت أنك كنت على يقين أننا سنبقى وسنحدث حكاياتنا وسنلتقى حلمك الجميل، كانت سرداب نور رافقني وسط العتمة ولم أصدق حتى حين كدنا ان نفترق أنّ ما قلت قد تحقق وأنك امرأة من نور وحياة وخيال وحقيقة.. الحلم تحقق والتقينا والحلم الفلسطيني سيتحقق لأن هنالك قلوب جميلة مليئة بالروعة والجمال..
هذه بعض كلماتنا وقت الحرب بينما صوتك رافقني كملاك صغير...
- بدي اسرقك من الحرب.
- تمنحيني شعورا غريبا. شعور بالفرح العتيق ذلك الذي نخفيه عن عيون الكون الذي لم يدرك بعد مدى حزننا.
- ربما هذا أجمل ما قيل لي هذا العام!
- عندما نرجع كالريح الى منزلنا حدقي في جبهتي وستجدينني مثلما كنت صغيراً وجميلا.
- المدافع تدق رأسي من بعيد وصدى صوتها يهز ما تبقى لدي من شجاعة لكن اضحك والعب مع الصغار واتابع الاخبار وأكتب لأشعر أني لازلت أحيا بإرادتي وبطريقتي، شكرا أمل لأنك سرقتني من الحرب ولو قليلا.
- الفرح العتيق موجود، لن يموت!هو فقط ينتظر أن ننفض عنه الحزن.. انت جبارة، اصيلة امرأة لبؤة تحمي احباءها، وانا فخورة بصداقتك، ببعثلك قوة وصلواتي ومحبتي وقلقي وبسماتي معاك ليمرق هالليل ونحكي الصبح.
- هل تتخيلي صوت القذائف كم مرعب حولي والطيران، كأن مطارا بأكمله فوق رأسي والأبواب تدق والشبابيك والأرض اشعر باهتزازها ورغم كل ذلك أكتب وأبدع وأحدثك كأني في حديقة منزلك!! انت وطن وأغنية وأمل كبير يضمني.. الله كم أحبك على هديتك الرائعة.
- راح نلتقي.. وراح نحكي عن ذكرياتنا بالحرب.. وتناموا عنا بالجليل.. انا متأكدة راح يجي هذا اليوم.
- واني أغنى في غزة امامك.
بقي أن أحلم أن تغني أمل بغزة: مساء صغير على قرية مهملة، وعلى هذه الأرض ما يستحق الحياة.