لا يزال تقرير التعذيب الذي اقترفته المخابرات الأمريكية (سي آي أي)، بعد احداث 11 سبتمبر 2011، يثير أقوى الأصداء المنددة والمشمئزة والمطالبة بمحاكمة "الجلادَين" كما كتبت "ليبراسيون" الفرنسية على غلافها الذي حمل صورتي جورج بوش وديك تشيني، الرئيس الأمريكي ونائبه..
وكما بات معروفًا، فالمعطيات الخطيرة والبشعة وردت في تقرير لهيئة المخابرات التابعة لمجلس الشيوخ الأمريكي، تم نشر 500 صفحة منه فقط من أصل 6700 صفحة لا زالت محظورة من النشر! هذه المعطيات غير مفاجئة طبعًا لمن تابع تاريخ ممارسات التعذيب والقتل والبطش "بالوكالة" التي اقترفتها أنظمة قمعية تحميها واشنطن أو أوصلتها الى سدة الحكم في دول افريقية وآسيوية ولاتينية مختلفة على مر عقود. الجديد في الأمر هو اضطرار المؤسسة الأمريكية للاعتراف بهذه الممارسات التي اعتبرها المدّعي العام السابق بسجن «غوانتانامو» نفسه: جرائم حرب.
جرائم الحرب هذه حاولت المخابرات الأمريكية تبريرها وتسويغها واضفاء شرعية قانونية (!) عليها، من خلال الاستناد الى "النموذج الاسرائيلي". أي أن الأحكام والقرارات القضائية الصادرة عن "محكمة العدل العليا" الاسرائيلية، كانت " مستندًا ومرجعية" لمقترفي جرائم التعذيب المقززة الأمريكيين! والسؤال: لماذا لا تثير ممارسات الدولة التي شرّعت وشرعنت التعذيب بحق الفلسطينيين واللبنانيين خصوصًا، رد فعل كهذا الرد الضروري والمبرر على الممارسات الأمريكية؟ أهو التعوّد على الأمر أم كذلك كون الأنظمة العربية معنية بالدرجة الأولى بالصمت على هذه الجرائم، لأنها تقترفها هي الأخرى في سجونها؟!
يصعب توصيف كم النفاق الذي يلفّ التعاطي الرسمي الأمريكي مع هذه الجرائم. ففي حين أعلن الرئيس باراك اوباما ان ممارسات التعذيب "نخالف مبادئنا"، اعلنت وزارة القضاء لديه انها لا تخطط لفتح أي تحقيق جنائي في الموضوع مع المسؤولين. أي أن المبادئ الأمريكية الحقيقية هي تلك التي تحمي جلادي التعذيب! وعلاوة على ذلك أعلنت وزارتا القضاء والخارجية الأمريكيتان معًا أنهما ستمنعان محاكمة أي مسؤول أمريكي في حال رفع دعاوى فى محكمة خارجية ضدهم! وهذا في الوقت الذي تدعو فيه منظمة العفو الدولية (امنستي) إلى محاسبة المسؤولين الأمريكيين عن التعذيب.
إن أقبية التعذيب التي اهتم النظام الأمريكي باقترافها على أراضي دول أجنبية، هي أحد أحدّ ملامح الوجه الحقيقي والمخفي عن الأنظار للديمقراطية الأمريكية الشهيرة..! فليحاكَم جلادو التعذيب.
