صديقك من صدَقَك لا من صَدّقك

single

أخيرا تشجعت لمباشرة ترتيب مكتبتي البيتية للتخفيف من الفوضى ولتسهيل الوصول إلى الكتب المطلوبة. لدى وصولي إلى باب الأدبيات الحزبية تناولت كتاب وثائق المؤتمر العشرين لحزبنا الشيوعي (4-7 كانون أول 1985) وقررت التوقف لاستراحة مرحلية لتصفحه.
قرأت بتمعن الفصل المتعلق باتفاق عمان وتقييم الحزب له، ووردت ضمن التحليل الموسع عبارات وتقييمات حادة مثل:"أعد بإيحاء من واشنطن"ص 39 ،أو انه "ينال من حقوق الشعب الفلسطيني ويجلب الضرر على نضاله" ص 40 ،وكذلك فهو" ينقض حق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته المستقلة..."، وهو" تنازل عن الاستقلال الفلسطيني "، ويعمل على" تصفية استقلالية منظمة التحرير الفلسطينية"،  بالإضافة إلى نتائجه السلبية في" تعميق الانقسام في منظمة التحرير وزيادة حدة العلاقات مع سوريا".
وأثارت انتباهي فقرة أخرى في تقييم الحزب لأوساط داخل فتح تؤيد اتفاق عمان :"...فبينهم أوساط رجعية موالية للأردن،وأوساط رجعية أخرى موالية للإمبريالية  الأمريكية.ولكن يوجد كثيرون ممن أصيبوا بالذعر ويأملون أن يحققوا مكاسب ذات قيمة من الإمبريالية الأمريكية إذا تعاونوا معها.."ص40 . أو ما ورد في فقرة أخرى :"..إن سياسة  القيادة السورية فيما يتعلق باستقلالية الحركة الوطنية الفلسطينية وموقفها المتعنت تجاه م.ت.ف قد أسهما أيضا في تعقيد الوضع."ص 41 .
في الفصل الثالث من البيان- في النضال ضد الاحتلال والقمع، بعد التطرق للممارسات القمعية والبطش الذي تقوم به قوات الاحتلال وأعمال الإرهاب من قبل المستوطنين يؤكد الحزب من جديد موقفه الدائم:"أن من حق شعب يرزح تحت الاحتلال النضال بكل الأشكال ضد الاحتلال ومن أجل حريته.ومع ذلك نندد بأعمال عناصر مغامرة في أوساط الحركة الوطنية الفلسطينية التي تقوم بأعمال تمس بمواطنين إسرئيليين أبرياء ويعارض حزبنا مبدئيا أعمالا كهذه لأنها فقط تلحق الضرر بالنضال العادل للشعب الفلسطيني." ص45 .
هذه المواقف هي غيض من فيض التقييمات الغنية التي وردت في بيان وأبحاث وتلخيصات المؤتمر وقد استوقفتني لعدة أسباب، أهمها الموقف الذي يتردد في السنوات الأخيرة والذي يتميز بالحرج الشديد والحذر الفائق  في التعاطي مع مواقف وسياسات أطراف مستهدفة من قبل الإمبريالية والصهيونية والرجعية العربية بوحي المقولة العسكرية "صمتا هنالك إطلاق نار".
يستهجن البعض انتقاد ممارسات السلطة الوطنية الفلسطينية أو حركتي فتح وحماس كونهم يواجهون الاحتلال، ويهب آخرون عند انتقاد مواقف أو ممارسات حزب الله  كونه عماد المقاومة اللبنانية ولوجوده في الخندق الأمامي  في مواجهة الاحتلال والإمبريالية وعملائها، وتنتقض البقية عند طرح أي انتقاد للنظام الإيراني أو لأحمدي نجاد نظرا لكونه مستهدفا من قبل إسرائيل والإمبريالية.
ولست الوحيد الذي سمع في النقاشات التي دارت بعيد الانتخابات الإيرانية والمظاهرات التي تبعتها تلك المواقف العاطفية مثل :"طالما تدعم إسرائيل إعلاميا موسوي فانا مع أحمدي نجاد"  ،أو "إذا كان هم الولايات المتحدة الترويج للإصلاحيين فنحن مع المحافظين". ولا يسعف أحمدي نجاد تحليلات البعض أن "داعميه هم من الطبقات المسحوقة ." لنتذكر من يدعم اليمين المتطرف والأحزاب الأصولية مثل شاس وغيرها هنا. فالوضع في إيران مركب ومعقد والمظاهرات الإيرانية لم تأت بإشارة من إسرائيل أو من أمريكا.
ففي مقابلة مطولة أجريت مع البروفسور أراوند أبرهميان أستاذ التاريخ  من أصل إيراني-ارمني ومتخصص بالشؤون الإيرانية،نشرت في صحيفة هآرتس يوم 26.6.2009   قدم فيها رؤية مغايرة أورد بعض النقاط الأساسية منها:
1. هذه ليست انتفاضة أو ثورة ضد الجمهورية الإسلامية.
2.المعسكر الإصلاحي بقيادة موسوي وخروبي وبدعم من رافسنجاني وخاتمي هو من صلب الجمهورية الإسلامية (رئيسي دولة سابقين ورئيس حكومة أسبق) غير أن فتراتهم تميزت بالإصلاحات في تأسيس دولة الرفاه من خلال التأميم ورقابة الأسعار والاستثمارات في التطوير الاقتصادي وخلق فرص العمل.
3.بينما يتشكل معسكر أحمدي نجاد  منه ومن خامينائي ومن العناصر المحافظة في حراس الثورة وتيار رجال الدين المتشددين.وعلى مستوى السياسة الاقتصادية قام أحمدي نجاد بتحويل ريع النفط 
 للمؤسسات الدينية ولحرس الثورة ومشاريعهم من خلال رفع الرواتب والتقاعد دون إيجاد فرص عمل جديدة وتسبب في زيادة التضخم المالي واتساع البطالة خاصة بين خريجي الجامعات والى هبوط قيمة الرواتب والتقاعد.
4.صحيح أن نواة مؤيدي موسوي هم من الأكاديميين والمثقفين ولكن هذه الفئة هي نتاج سياسة الرفاه وتوسيع الخدمات الاجتماعية منذ تأسيس الجمهورية الإسلامية.لكن سياسته الإصلاحية أثناء فترة ولايته استقطبت دعم قوى اليسار والنقابات العمالية له،ولا يمكن اعتباره اشتراكيا بل هو من أنصار الدولة.
5.بينما تعتمد قاعدة دعم أحمدي نجاد على الفئات المتزمتة وهم ليسوا الفقراء عموما بل الفقراء المتدينين بالتحديد % 25-20 ،وعلى العناصر المحافظة في حراس الثورة الذين دربوا لأكثر من عشرين عاما على قمع المعارضة.
لذا فاستنكار استهداف إيران والشعب الإيراني من قبل الإمبريالية وإسرائيل لا يعني بالضرورة السكوت على الممارسات القمعية للنظام هناك ولا يعني كذلك تحريم احتجاج أوساط واسعة هناك ضده أو ضد تقييد الحريات بما في ذلك حرية المرأة.
كذلك الأمر في استنكار وشجب الممارسات القمعية ومنع الشعب الفلسطيني من حقه في تقرير مصيره لا تعفي السلطة الوطنية أو حركتي فتح وحماس من الانتقاد حول فساد ما في المؤسسة أو عن ممارسات مرفوضة كاستهداف الأبرياء أو سجن وقتل المعارضين.
ورفض الاستهداف الانتقائي لعمر البشير من قبل الولايات المتحدة والمجموعة الأوروبية لتقديمه للمحكمة الدولية بتهمة أعمال الإبادة في دارفور لا يعفيه من الانتقاد للممارسات القمعية في دارفور وغيرها أو فيما يتعلق بالحريات الشخصية كجلد الصحفية لارتدائها السروال.

دائما كانت وستبقى مواقفنا في دعم المظلومين في كفاحهم ضد ظالميهم أو مع ضحايا العدوان ضد المعتدين،مع الشعوب ضد قاهريها ومع حركات التحرر ضد الاستعمار لكن بين هذا الدعم وبين السكوت عن الأخطاء والامتناع عن إعطاء النصيحة وطرح الموقف الإنساني ألأممي الرافض للعصبية أو الشوفينية أو الظلامية هنالك فرق شاسع.إذ لا تبنى المواقف الماركسية على مبدأ "عدو عدوي صديقي" ، وبرأيي المتواضع يحتاج الأمر إلى دراسة متأنية لتقييم الحركات السياسية والأنظمة.
لا ضير من التذكير بما كتبه لينين في "الموضوعات إلى المؤتمر الثاني للأممية الشيوعية"،   
سنة 1920 ( المختارات المجلد العاشر- ص 21 ):
" 11- وبالنسبة للدول والأمم الأقل تطوراَ،.....
أولا ،ضرورة مساعدة جميع الأحزاب الشيوعية للحركة التحررية البرجوازية الديمقراطية في هذه البلدان: وواجب تقديم انشط المساعدة يلقى بالدرجة الأولى على العمال في البلاد التي توجد الأمة المتأخرة  في وضع مستعمرة لها أو في حالة تبعية مالية.
ثانيا ، ضرورة النضال ضد رجال الدين وغيرهم من عناصر الرجعية والقرون الوسطى ذوي النفوذ في البلدان المتأخرة.
ثالثا،ضرورة النضال ضد الجامعة الإسلامية وما شاكلها من التيارات التي تحاول ربط الحركة التحررية المناهضة للإمبريالية الأوروبية والأمريكية بتوطيد مراكز الخانات والإقطاعيين والشيوخ الخ.".

انتقاد الصديق أو الحليف بصدق وبلطف يصب في مصلحته،ولا حاجة للانزلاق للتجريح والتخوين أو للهجوم الكاسح لإيصال الملاحظات،لكن السكوت على الخطأ يضر به أكثر بكثير ويؤدي إلى وقوعه في أخطاء اكبر واخطر، وليس صدفة ما قالت العرب :"صديقك من صدَقَك لا من صدّقَك."

 

(الناصرة)

قد يهمّكم أيضا..
featured

جدلية العلاقة بين العام والخاص وعلم الاجتماع الطبي

featured

ايها المتنفذون: اياكم ولعنة التاريخ

featured

"لماذا شادي شويري؟"

featured

وبشار الأسد لا يسقط..

featured

الذات المرهونة لدى الآخرين: مسلسل"خِرْبَة" كنموذج