يمتلئ ويعج الشارع العربيفي هذه الأيام بالكثير من الصحف والمجلات الأسبوعية والاصدارات الشهرية، كم هائل من الأوراق المطبوعة تقذف الى سوق المتاجرة والكسب المادي تحت يافطة الدمقراطية وحرية الصحافة ونقل الحقيقة كاملة للجماهير.
هذا الشعار البراق والفضفاض وكأن الصحافة الحزبية والملتزمة والوطنية لا تنقل الحقيقة للناس والمواطنين!!
لقد أطلق على ذلك فوضى الصحافة او الصحافة الصفراء التجارية مقابل الصحافة الحزبية الملتزمة او الوطنية التي تحمل هموم الشعب والقضية والمواطن. اذ يصدر في المجتمع العربي في هذه الايام، اكثر من 35 مجلة وصحيفة ونشرة كلها اسبوعية او شهرية او فصلية، باستثناء الصحيفة الأولى الرائدة "صحيفة الاتحاد" الحيفاوية اليومية التي تصدر بانتظام منذ الرابع عشر من أيار سنة 1944 من القرن المنصرم وعلى مدار اكثر من ثلاثين عامًا، وهي تصدر بشكل يومي مع فجر كل صباح، وقد أطلق على الاتحاد بحق أنها صحيفة الشعب حاملة همومه اليومية في الحرية والسلام والعدالة وتقرير المصير، ومن اجل ذلك حملت الاتحاد واصبحت وردة للشعب وشوكة لعدائه، تقف في رأس الصحافة والثقافة الثورية والوطنية، ما قبل قيام السلطة الصهيونية في البلاد.
كان لقيام واصدار الاتحاد قبل حوالي 72 عاما وفي حيفا ومن قبل عصبة التحرر الوطني الشيوعي لتلك الأيام الذين أناروا الطريق وسلكوا المسلك الصعب، ضرورة سياسية وكفاحية وحاجة فكرية فرضتها الظروف السائدة والمصيرية التي واجهت الشعب الفلسطيني على ارض وطنه فلسطين من قبل الاستعمار البريطاني بالتنسيق مع الحركة الصهيونية وبمشاركة الرجعية العربية بالاجهازعلى حقوق ووطن الشعب الفلسطيني. وكان دور هام واساسي لصحيفة الاتحاد و للحزب الشيوعي ومجمل الصحافة الشيوعية والوطنية في كشف خيوط المؤامرة والتحذير وضرورة التصدي الشعبي لهذه المؤامرة الكبرى على نطاق العالم والشرق الاوسط خاصة.
إن التذكير بالراسخ والمُرسخ في هذه الايام جد ضرورة وعلامة استفهام لما يجري من تشعب وبلبلة حول اتجاهات الصحافة في الوسط العربي. لهذا نترك للقارئ المجتهد الذي لا يساوم على التاريخ ولا الموقف الصحيح والوطني حرية الحكم وضرورة التميز والتمييز بين صحافة او صحيفة لها بصمات واضحة المعالم وتاريخ ومسيرة كفاحية خالدة تمتد عميقًا في باطن هذه الأرض وفي وجدان هذا الشعب وهذه الجماهير المنزرعة في وطنها الذي ليس لها وطن سواه، وبين صحف تسمي نفسها صحف تترزق في دوائر الاعلام المحلي وعلى بلاط سلطة القهر والظلم والتمييز القومي واليومي لجماهيرنا. وتعيش في حظيرة وكنف الآخرين، وتدور في فلك الرسميات السياسية وفي مجمل العلاقات العامة لتلميع الوجه القبيح لسياسة الاحتلال والتمييز والقهر القومي. واجب مثل هذه الصحافة المكلّفة بمهمة احداث التغيرات والانقسامات في جسم الوحدة بين اطياف جماهيرنا العربية وعموم شعبنا الفلسطيني.
إن الاتحاد هي الجريدة اليومية الغنية بمضمونها القابض على جمرة النضال من اجل انتصار الحق وعودته لأصحابه، ما يزيد عن سبعين عاما، ولا تدعي الكمال المهني ولا تستطيع ان تغطي كل الأحداث وتلاحق كل التطورات بالرغم من التقدم العلمي والتكنولوجي المتوفر اليوم. الاتحاد تعاني من شح الموارد المالية والتقنية والادارية، وقلة المراسلين في تناول القضايا اليومية والسريعة الحاصلة مع تطور جماهيرنا العربية المتنامي في مجمل المجالات التي تهم حياة وتطور هذه الجماهير ورفع مكانتها العلمية والكفاحية لاسترداد حقوقها كاملة.
إن مدى مصداقية أية صحيفة يقاس ويكمن في مدى علاقاته اليومية مع الناس وتفاعله مع الأحداث الحاصلة والتطورات الميدانية الجارية في كل يوم وساعة، ولهذا ترى وتقرأ أخبارا تحدث اليوم، ولكن نقرأها مكتوبة في مجمل الصحف الأسبوعية، بعد مرور أسبوع كامل ودفعة واحدة للخبر والحدث في يوم واحد وفي كل الصحف الأسبوعية الصادرة في نهاية الأسبوع وخاصة يوم الجمعة. هذا بدوره يشكل امتعاضا لدى القراء مما يظهر هذه الصحف بمظهر ان تستقي الخبر من مصدر واحد، ناهيك عن ان معظم الصحف الأسبوعية يجري تسويقها من أكشاك بيع الصحف والتي اصبحت صحفا ببلاش. ولهذا صحيفة ببلاش معناه أخبار ومحتويات ببلاش، يعني دون قيمة سياسية او ثقافية وهذا يؤدي بنا الى خلق رؤية عديمة المسؤولية بعيدة عن الواقع وبعيدة عن روح ثقافتنا الوطنية المتمسكة بالثوابت الأساسية لكفاحنا في إنجاح مشروعنا الوطني.
يجب اجراء مراجعة نقدية واستخلاص عبر ودروس من فوضى الصحافة والكَمْ الكبير من اصدار مثل هذه الصحف. لقد اصبح الشخص او الفرد الواحد قادرا على اصدار نشرة أسبوعية يطلق عليها "صحيفة" تحت مسميات مختلفة وبراقة مستغلا مصدر تكنولوجيات العصر يجمع لها الاعلانات التجارية بين 70 الى 80% من محتوياتها والباقي اقل من 30% من أخبار هامشية لا تسمن ولا تشبع أحدا، ويطرحها في سوق بيع الصحف ومحطات الوقود وبين الناس كبضاعة ثقافية ببلاش ويتناولها الناس والقراء عامة بشكل تسلية لنهاية الأسبوع ومضيعة للوقت. ولهذا نقول ارحموا مجتمعنا العربي "وبلاش الاستخفاف" بعقل القارئ. وممنوع ان تحل الصحافة الصفراء والتجارية مكان الصحافة الحزبية والملتزمة والوطنية، ويجب تشجيع القراء على تناول الصحف السياسية بالمفهوم السياسي والوطني لأنها تعبر بحق عن مجمل كفاح الجماهير العربية وقضاياها وهمومها القومية واليومية.
(كوكيكات ابو سنان)
