*لذكرى سنديانة المثلث الشمالي الحزبية الرفيق إبراهيم حصري (أبو البديع)*
رحل عنا الرفيق إبراهيم حسين الحصري /إغبارية (ابو بديع)، وكانت كنيته اشتهرت بيننا، فنقول جاء أبو بديع وذهب أبو بديع... الخ.
رحل عنا وهو في جيل يقارب الـ93 عاما فقد ولد عام 1920م، وذلك بعد عودة والده المرحوم حسين الشيخ محمود الحصري (اغبارية) ووالدته المرحومة عائشة اغبارية، من العسكرية في الحرب العالمية الأولى والتي مكث فيها خمس سنوات وصل خلالها إلى تركيا وحدود روسيا والقوقاز، تعلم الرفيق إبراهيم الحصري حتى الصف الرابع في مدرسة أم الفحم الأميرية والوحيدة في ذلك الوقت، ورغم تفوقه ولكن لكونه ابن عائلة فقيرة وكادحة لم تسمح له الظروف بمواصلة تعليمه خارج أم الفحم، فانخرط في عمل الفلاحة مساعدا لوالده وأسرته على شظف العيش، في سنوات الأربعين بدأ العمل في محطة تكرير البترول في حيفا وأذكر من هذا الجيل من بلدنا المرحوم حسين حبايب (أبو محمود)، ومن حيفا طيب الذكر المرحوم شفيق طوبي وعددًا من أبناء حيفا والقرى المجاورة الذين استوعبتهم الأعمال والتجديدات البريطانية كدولة منتدبة بحاجة للأيدي العاملة، وسكن كغيره من العمال الشباب منطقة "حواسة" وبلد الشيخ، كانت هذه الفترة فترة بدايات تكون طبقة عاملة فلسطينية منظمة وكانت عصبة التحرر الوطني الفلسطيني فريقا نشيطا بين العمال وليس غريبا أن يلتقي معهم وتجتذبه أفكارهم وينتمي في وقت مبكر لعصبة التحرر الوطني في فلسطين، ولكن النكبة الفلسطينية عام 1948م قضت على أحلام الكثير من الشباب الفلسطيني ذوي الأفكار الليبرالية والدينية والعمالية الماركسية، وكان سقوط حيفا بيد القوات الصهيونية وتشريد العديد من أهالي المدينة وعودة أبناء القرى إلى قراهم عاملا هاما في إعادة النظر بالأحداث وبما جرى وتثبيت ما هو صحيح، ولذلك عاد إبراهيم الحصري إلى أم الفحم حاملا معه السلاح الفكري الجديد فكر الطبقة العاملة ليكون من أوائل مؤسسي الخلية الحزبية الأولى في أم الفحم يسنده رفيقه "ابو موسى" من يعبد وطيب الذكر الرفيق محمد يوسف الشريدي (أبو سامي) والذين تابعوا في أم الفحم دعوة الأهالي للبقاء في الوطن مع كل الوطنيين في أم الفحم، ولكن بعد اتفاقية رودوس وتسليم المثلث بشكل رسمي ووضع المنطقة تحت الحكم العسكري اتخذ نضاله ونضال رفاقه منحى جديدا هو النضال ضد الحكم العسكري ومن أجل إلغائه ومن أجل توفر العمل للعمال ومن أجل السلام وعودة اللاجئين الفلسطينيين إلى وطنهم وضد قوانين مصادرة الأرض العربية بشتى القوانين العنصرية.
وهنا بدأت معركة توسيع صفوف الحزب الشيوعي بعد توحيد عصبة التحررالوطني الفلسطيني والحزب الشيوعي الفلسطيني مما يعني توحيد النضال اليهودي العربي في الظروف الجديدة في الحزب الشيوعي الاسرائيلي، وبدأ يطوف مع رفاقه أبو العفو، ومحمد يوسف الشريدي (ابو سامي)، أحمد نصر الله، أبو أكرم مصطفى عسلية أبو ماجد محمود محاميد وغيرهم من الرفاق في قرى وادي عارة، عرعرة، كفرقرع، وبرطعة وأم القطف وميسر وباقة الغربية وجت وقرى بير السكة ويمة والمرجة وابثان، في أحلك أيام الحكم العسكري البغيض، لتوزيع المنشورات المناهضة للحكم العسكري والمطالبة بإلغائه، وكذلك مطالبة سكان المثلث البقاء والثبات في أرض الآباء والأجداد أثناء محاولات ترحيلهم بأساليب مختلفة.
*من مؤسسي "قوت الكادحين"*
أبو البديع كان واحدا ممن أسسوا جمعية " قوت الكادحين" التي اخذت على عاتقها مسؤولية توفير المؤن الأساسية من زيت وملح وبيض لسكان أم الفحم والمهجرين من الكفرين وخبيزة واجزم وعين غزال الذين أموا أم الفحم بعد النكبة وأثناءها وقد وصل عدد أعضاء هذه الجمعية في أم الفحم حوالي 400 منتسب ولذلك قض هذا الأمر مضاجع السلطات العسكرية فعمل الحكم العسكري بشكل مباشر وعن طريق أذنابه بشكل غير مباشر لافشالها وإغلاقها.
وجمعية قوت الكادحين هذه كانت قد أُسست لها فروع في حيفا وأم الفحم وغيرهما "أنشأها مؤتمر العمال العرب ليضمن لقمة عيش العمال بشرف دون منة من أحد"(1) وكان على سبيل المثال من العاملين فيها في حيفا الرفيق عباس زين الدين أطال الله في عمره، وهو من مواليد العام 1935م، في بلدة " صفد البطيخ" التي تبعد 5 كيلومترات شمالي "عين إبل" في لبنان اليوم.
في عام 1958م وبالذات في الأول من أيار قاد مع رفاقه المؤسسين وجماهير أم الفحم العمالية البطلة أول مواجهة جماهيرية صلبة ضد الحكم العسكري غيرت مفاهيم أهالي المنطقة وليس فقط في أم الفحم بقدرة الجماهير الموحدة على مقارعة السلطان الظالم وكسرت حواجز الخوف لدى الجمهور، وكانت ومازالت مثار اعتزاز للحزب الشيوعي ولفرع أم الفحم ولجماهير شعبنا، وهي بمثابة مقدمات شعبية لكسر حواجز الخوف وتوحيد الجمهور نحو أهدافه ومصالحه، ومقدمات هامة ليوم الأرض 1976م الأول، وتشرين الثاني 2000م وغيرها، فمدرسة أبو البديع وأبو سامي وأبو أكرم وأبو ماجد وأبو العفو وأبو نشأت هي المدرسة التي أثمرت هذه الأيام الكفاحية وسارت على هديها.
بقي أبو البديع يقرأ ويقرأ ويقرأ جريدة الاتحاد حتى بدون نظارة كما شهد مرافقوه على ذلك حتى في أيامه الأخيرة، يحلل ويناقش، ويقدم ما يقرأه في الجريدة لمجايليه في بيت المسنين وغيرهم في جلساته فالقراءة واجب وضرورة وثقافة فبدون القراءة لا يمكن للفكر أن يتقدم أو يتطور أو تقديم الأفضل للجماهير صاحبة المصلحة في كل تغيير إيجابي.
أبو البديع عرفته من خلال نشاطي المنطقي والقطري كرفيق امتاز بالتواضع، والعمل الهادئ لمصلحة الطبقة العاملة والحزب، بدون ضوضاء وبدون الزحف للمناصب الحزبية، بل رأى في الاندماج بحياة الجماهير أفضل طريق لخدمة الحزب والجماهير أنفسها.
كرفيقه طيب الذكر أبو سامي لم يرَ تناقضا بين إيمانه العميق وقيامه بأركان دينه الحنيف الخمسة وبين الانتماء للحزب الشيوعي حزب العمال والفلاحين من جميع الشعوب والأعراق، ولذلك قام بتأدية آخر الأركان الخمسة، فريضة الحج إلى الديار المقدسة، وهناك ترحم على رفيقه محمد يوسف الشريدي الذي دفن في البلاد الحجازية أثناء تأدية مناسك الحج.
كان نموذجا للمكافح والمناضل من أجل الكادحين، والأممي الإنساني الذي لم يفرق بين بني البشر إلا حسب أعمالهم.
ونحن اذ نفتقده، يفتقد حزبنا رفيقا عنيدا في النضال حريصا في التعامل مع الرفاق والأصدقاء، ونأمل أن تقوم بلدية أم الفحم ومؤسساتها بتخليد ذكراه وذكرى غيره من مناضلي أم الفحم بما يليق بهم ويليق بها، ولتكن ذكراه خالدة.(3).
//إشارات:
1- حبيب فارس- حيفاويان أحمران من عين إبل وصفد البطيخ،جريدة الاتحاد، الثلاثاء 30-04-2013م، ص10، حيفا.
2- استعنت ببعض التواريخ الخاصة بطيب الذكر بابن أخ أبو البديع النائب د. عفو اغبارية مشكورا.
3- هذه المقالة على أساس الكلمة التي ألقيتها في يوم تأبينه في نادي أبو العفو يوم السبت الموافق الفاتح من حزيران 2013، نشر قسم منها في كراس التأبين الصادر للمناسبة.
