نهض "مخلص" باكرًا، ذلك لأنه في مثل هذه الساعة عادة ما يكون الشارع خاليًا من المشاة ومن السيارات العابرة إلى سبيلها، وهو لا يريد ان يراه أحد اثناء قيامه بمهمته؟! انطلق بسيارته الفارهة حتى وصل بالقرب من أحد المتاجر في القرية، أوقف السيارة وأخذ يرصد المكان، فتح باب السيارة وهمَّ بالخروج، ولكنه شاهد سيارة تمر فعدل عن قراره حتى تمر السيارة، وكان كلما همَّ بالخروج تعترض ارادته سيارة أخرى مارة، وطال انتظاره على هذه الحالة، وكم كان سعيدًا عندما نظر إلى الامام وإلى الخلف ووجد أن الشارع يخلو من اي عابر بسيارته، فرك يديه فرحا وهمَّ بالخروج، ولكن سرعان ما شاهد شابين يركضان بلباسهما الرياضي.. أطلق مسبة على طالعهِ وهو يصك على اسنانه وانتظر مجددًا وهو يحدث نفسه:
- وبعدين.. أما هناك لحظة تخلو من العابرين، لقد استيقظت باكرًا حتى لا يراني أحد، واحصل عليها قبل أن تنفد من السوق؟!
كان "مخلص" من تلك الشخصيات التي تحاول أن تبرز في حياة المجتمع، لذلك لم يدع مناسبة تفوته، وكان مغرورًا، او كما يقولون "يضرب نفسه بحجر كبير" ينتقد كل الظواهر الاجتماعية ليوحي بأنه فوق مستوى الحضور. وكثيرا كان يقول إن مجتمعه رجعي لذلك فهو على غير استعداد أن يقرأ الصحيفة المحلية، علمًا أنه كان يحفظ عن ظهر قلب كل ما تكتبه الصحيفة، التي تعرض قضايا الناس، خاصة أن ما ينشر من على صفحاتها يكون محور نقاش المواطنين طوال الأسبوع. لم يشأ أن يشاهده احد وهو يأخذ الصحيفة، كي لا يقع أمام أهله في مطب التناقض. كان الموزع يضع نسخا من الصحيفة بالقرب من أبواب المتاجر والمؤسسات الشعبية قبل ان تفتح ابوابها. نظر "مخلص" إلى الأمام والقى نظرة في المرآة كي يرى المشهد من الخلف ثم فرك كفيه فرحًا:
- لا احد يمر الآن.. حسنا.
فتح الباب كي ينقض، ترجل مسرعا وما أن وصل حتى فتح صاحب المتجر الباب من الداخل وهو يضحك:
هههههههه.. صباح الخير.. شاهدت المسرحية الميلودرامية في كاميرا المراقبة.
