ارتوت هذه البقعة الغالية من الأرض إلى درجة الإشباع، من دماء الشعبين الفلسطيني والإسرائيلي، وهما يتصارعان نحوها منذ عقود طويلة. وأصبح البحث عن مياه أو كنوز من بقايا أسلاف آدم وحواء لا طائل له. ينفجر كلما أمعنت النظر والبحث في الحلول المطروحة، يزداد غضب الدنيا والمتآمرين في تفجير المزيد من ينابيع الدم الحمراء المسفوك يوميًا، لتروي الأرض العطشى، وكأنها لا تكتفي بما سال حتى الآن منذ بداية القرن العشرين حتى هذه اللحظة الحاسمة من تاريخ هذه المنطقة.
من الصعب إيجاد زاوية أو مدينة وقرية، شارع أو وعرة وخربة، مسجد أو كنيسة أو كنيس، مشفى وحضانة، جامعة وكلية مدرسة بيت وخيمة أو مخيم على هذه الأرض وما حولها في هذا الوطن النازف والمقدس في الديانات السماوية الثلاث، إلا وينزف دمًا احمر في كل يوم وساعة وبين لحظة وأخرى. أصبحنا نتلعثم في وضع النقاط على الحروف، لأننا لم نعد نعرف متى وكيف ومن سيكون الضحية أو مجموع الضحايا القادمة لهذا الشعب أو ذاك.
أليس بعد كل هذا الصراع الدموي الطويل، وجريان هذا النهر الهادر المتدفق من الدماء الطاهرة الذكية على هذه الأرض المبللة الجريحة والحزينة، ان يجنح الشعبان والقيادات السياسية نحو السلم الشعبي في الحفاظ وتعميق روح التعايش والتفاهم في إيجاد المساحة اللازمة للبدء بالحوار الإنساني الهادف لإخراج الشعبين من دائرة الحرب وسفك الدم وإنهاء الاحتلال وتنكر طرف لحقوق وحياة الطرف الآخر.
ما معنى استمرار حالة الحرب هذه، وإهدار الطاقات البشرية والاقتصادية والعلمية وغيرها في الوقت الذي نؤكد دائمًا ان في الحرب لا يوجد منتصر، إذ يخرج طرف منتصر، فما هو إلا انتصار الموجودين الفاقدين للقدرة على ان لا يجنحوا للسلم كي يجنح لهم الآخرون، ويعم التفاهم والمحبة، وهذا هو الانتصار الحقيقي، ينتصر الجميع، وللجميع الفرحة ومحبة العيش والانتصار.
لقد ابتلت شعوب كثيرة على مر التاريخ القديم والجديد، واكتوت بنار الحرب والحقد والكراهية لفترات وحقب طويلة، وهدمت من خلالها واضمحلت دول وتأسست على أنقاضها شعوب وأنظمة، وتمت تشكيلات اقتصادية وسياسية جديدة، والنتيجة الواضحة في الخلاصة الراشدة، ان جاء وحل زمن تحكيم مبدأ العقل والمنطق، بان الحرب والقتل وسفك الدم قد هُزم وأصبح تغليب بناء المستقبل والتعايش والتفاهم وترسيخ قواعد الأمن للجميع من أهم المراحل والفترات التي تشهدها مناطق الصراع في عالم اليوم. فالحكمة والحنكة في ميزان الصراع الحالي هو كيفية تحويل خصوم الأمس واليوم إلى قاعدة انطلاق وورشة عمل لبناء صروح وقواعد المحبة والصداقة والعيش المشترك، وحق الجميع في وطن يحوي الجميع من فلسطينيين وعرب وإسرائيليين ويهود وغيرهم.
اليوم أكثر من السابق يحتاج الشعب الإسرائيلي وقيادته الحالية إلى الصحوة والإدراك بضرورة إعادة التفكير وترسيخ المرسخ بضرورة الجنوح قبل فوات الأوان بأهمية إنهاء حالة الحرب مع الشعب الفلسطيني ومد يد السلام ومخاطبته بشكل متساوٍ، والعمل سوية للتوصل إلى إنهاء الاحتلال والسيطرة والتخلي عن الاستيطان غير الشرعي، وتنزيل بروفيل الحقد والكراهية تجاه الشعب الشقيق والجار الشعب الفلسطيني، ووقف موجة التحريض العنصري تجاه البقية المنزرعة من الجماهير العربية الفلسطينية الباقية في وطنها، لكن القيادة السياسية في دولة الاحتلال والحرب والاستيطان، تفكر بطريقة تختلف كليًا إذ لا ترى في المرآة سوى صورتها وجبروتها توزع الإرشادات والقيم والديمقراطية كي يمجدها الآخرون، ولكن الحقيقة انها تتمادى في كل يوم على حقوق الشعب الفلسطيني في القتل والبطش والاضطهاد والتمييز والتنكر لكافة أشكال الحقوق الإنسانية. فإخراج قطاعات وشريحة واسعة تمثله في الحركة الإسلامية الشمالية، خارج نطاق قانون الشرعية والديمقراطية المنشودة في إسرائيل، ما هو إلا محاولة للاستفراد في تعميق روح الكراهية والإرهاب الرسمي للمؤسسة الحاكمة، كمقدمة للاستمرار في البطش ليس بالحركة الإسلامية، وإنما بالنشاط السياسي الحزبي والسلمي للجماهير العربية، بهدف تقويض الحياة الحزبية وفعالياتها السياسية والجماهيرية، ثم محاولة تجريم قيادة وشخصيات هذه الأحزاب وممثليها المنتخبين، بدءًا من النائب السابق سعيد نفاع القابع ظلمًا وكذبًا وقمعًا وإرهابا في سجون النظام الإسرائيلي القمعي، وصولا إلى محاكمة القائد محمد بركة رئيس لجنة المتابعة اليوم وملاحقته على مدار سنوات عديدة، وقد باءت بالفشل الذريع للمؤسسة الحاكمة، إلى جرجرة الشيخ رائد صلاح للملاحقة السياسية والقانونية، والتي انتهت بإقصاء الإسلامية الشمالية، بإخراجها من النشاط السياسي والشرعية القانونية، وفي هذا يكمن الدليل المادي على حالة البطش والقمع وتضييق الخناق في فرض حالة حرب وإرهاب استباقية لإخراج الجماهير العربية وقياداتها الشرعية والمنتخبة، خارج "الديمقراطية الإسرائيلية" وقوانينها الانتدابية والعسكرية تمهيدًا لمحاولة جديدة من عمليات الطرد الواسعة والجماعية لعرب هذه البلاد أصحاب الوطن إلى خارج الوطن، وهذا يعني "تنظيف" البلاد والوطن من أهله وأصحابه الشرعيين.
لا ينتهي الصراع وسياسة سفك الدم التي تمارسها إسرائيل تجاه الشعب الفلسطيني أرضًا ووطنًا وشعبًا ومواطنين لهم كامل الحقوق الشرعية والقانونية والإنسانية، إلا بالمواقف عبر ممارسة سياسة الاحتكام إلى الضمير والاقتناع بان من الصعب ان يعيش المواطن الإسرائيلي ويشعر بالأمن والأمان، ما لم يحصل عليه الطرف الفلسطيني بالمقابل.
عندما يقتنع الشعب الإسرائيلي وقيادته الهوجاء، انهم بحاجة إلى السلام والأمن أكثر من حاجتهم إلى القوة والمدفع والتنكر لحقوق الآخرين، عندها نقول ان شيئًا جديدًا بدأ يتكون في أفق المنطقة وفي حياة الشعبين الإسرائيلي والفلسطيني.
(كويكات/ أبو سنان)
