لم يخطر ببال عمْرو بن كلثوم ان العرب أو تحديدًا التغالبة لم ولن يكونوا كما قال شعرًا:
لما الدنيا ومن أضحى عليها
ونبطش حين نبطش قادرينا
في محضر هذا الكلام أعود متابعًا فؤوس البطش وهي تبتر رؤوس أهل فلسطين.. أعود متذكرًا عنترياتنا وبطولاتنا الهشة الكاذبة المتدفقة في عروق العرب والمسلمين!
اعتمار البطش أينما كان فيه تحقير لحرية الإنسان.. بطش العرب التغلبي الذي فاخر ويفاخر به شعراء العرب وخطباؤهم قد يكون صائبًا لو ردده اليميني المتجبّر رئيس حكومة إسرائيل قاطف الرؤوس وخانق النفوس.
في هذا السياق سأتحدث عن نابغة فلسطيني معاصر.. لم أره.. لم أقابله لكنني قرأت له وعنه الكثير.
إن آخر ما قرأت له كان سيرته الذاتية في كتابه (رأيتُ رام الله).. سيرة ذاتية بنثر راق نتحسّر على غيابه في زحمة ثرثرات هذه الأيام! شاهدت رسمه لدى العم جوجل.. شاهدته شبيهًا بنلسُن مانديلا لولا اسمًا تحت صورته يشي انه شاعرنا الفلسطيني مريد البرغوثي.
في محياه وفي شعره تُطِّل ملامح وإطلالة البطل الإفريقي العظيم.. في البوم أصدقائه نلتقي ناجي العلي وغسان كنفاني ومعهما زوجته المرحومة الدكتورة رضوى عاشور ابنة مصر وأستاذة الأدب الانجليزي بجامعة عين شمس، وبين مريد ورضوى ينتصب سامقًا إنتاجهما البيولوجي الوحيد الدكتور الأديب تميم.
سُجِن مريد في مصر ورحِّل عنها مدة 17 عامًا إثر زيارة السادات لإسرائيل. في قصائده يبتعد شاعرنا عن البطوليات والتطبيل والتزمير لينشغل بإنسانية الإنسان الأمر الذي يُذوّته ويتقمَّصه القارئ النبيه من أي قوم كان. من يقرأ إبداعاته الشعرية ونثرياته التي أطلقها في إصداراته ومحاضراته في القاهرة وفاس وأكسفورد ومانشستر وأوسلو ومدريد يجد انه يخطو على خطى المفكر الفلسطيني العظيم الراحل ادوارد سعيد الذي نقل فلسطين إلى أحاسيس وأذهان العالم على اتساع أرجائه شرقًا وغربًا.
في زمن البطش هذا نرى لحوم أطفال العرب متاحة للحرق والشواء ونرى أدمغتهم متاحة لرصاص القناصين منتهكي العرض والأرض. في زمن الفتك هذا نرى يافعي فلسطين وصغارها يحاربون السالبين الناهبين باللعنات والحصوات فيحاورهم العتاة بالأسر والنحر.
تحاول الأمهات المرابطات في باحات الأقصى وخارجها انتشال الأطفال من مخالب الضواري مجاهرات ان الأطفال أبناؤهن فيستهزئ المتجبرون بكلامهن معلنين أنهن كاذبات لأنه يستحيل ان يكون للطفل أكثر من أم!!
دعوني ومن هذا المشهد المفعم بغريب الكلام انقل لكم ما ورد في (رأيت رام الله) ص 143:
يقول الجندي الإسرائيلي للام الفلسطينية:
- "روخي كذّابة، كم أم لولد واحد؟! امشي من هون.. يالله".
وتصرخ الأم في وجهه:
- "أيه إحنا هيك.. الولد عندنا له مئة أم، مش مثل أولادكم... كل ولد له مئة أب".
هكذا حوار جارح يزول مع زوال الاحتلال.. هكذا حوار يتطاير مع هبوب نسائم السلام.. متى يفهم هذا الكلام جلاوزة الاحتلال؟!