خارطة فلسطين وفقًا لقرار التقسيم
*في جميع مراحل الصراع الاسرائيلي الفلسطيني المعقد، كان برنامج الحل الذي طرحه الشيوعيون للقضية القومية دائما حلا جدليا مركبا، فالاوضاع المركبة تتطلب اجوبة مركبة*
يصادف اليوم الـ29 من تشرين الثاني/ نوفمبر يوم التضامن مع الشعب الفلسطيني. وقد قررت القيادة الفلسطينية،التوجه للجمعية العامة الامم المتحدة بطلب الاعتراف بفلسطين،كدولة لها صفة المراقب وليست عضوا في اللامم المتحدة.ومن المتوقع حصول ذلك،الا اذا تطورت الامور باتجاهات اخرى بعد العدوان الاخير على غزة.
يصادف هذا اليوم ايضا ذكرى تقسيم فلسطين الذي تبنته الجمعية العامة للامم المتحدة،بقرارها اقامة دولتين عربية ويهودية على اراضي فلسطين بحدودها الانتدابية.هذا القرار الذي اصبح يعرف بقرار التقسيم رقم 181 من تاريخ 29-11- 1947.
*القرار 181 قرار التقسيم 1947*
كانت الحركة القومية العربية في سنوات الحرب في حالة من عدم النشاط. وبقيت في الواقع بدون قيادتها التقليدية، خاصة بعد أن فر المفتي الحاج أمين الحسيني الى برلين، ونفى البريطانيون عددًا من قادة الحركة.
في الربع الأول من عام 1943 وفي ظروف الحرب التي خلقت امكانيات نشاط الشيوعيين العلني، تنظم الشيوعيون العرب في فلسطين في "عصبة التحرر الوطني"، فكانت طليعة القوى الوطنية التي كافحت الامبريالية البريطانية ودعت الى التعاون العربي- اليهودي في سبيل حل القضية الفلسطينية. ومنذ قيامها وضعت العصبة أمام اعينها مهمات عينية توافقت مع المرحلة التاريخية التي كانت تمر بها الانسانية.
وهكذا كان عليها أن تفسر أبعاد انتصار الحلف المعادي للنازية ودور الاتحاد السوفييتي الحاسم في هذا الانتصار وأثره على حركة التحرر القومي في فلسطين وفي العالم.
وفي الوقت نفسه انطلاقا من ايديولوجيتها الماركسية طرحت أمام الرأي العام الحل الواقعي والمبدئي لقضية فلسطين.
بمبادرة من عصبة التحرر الوطني اقيمت الجبهة العربية العليا سنة 1946 واشترك فيها حزب الدفاع وحزب الاستقلال وحزب الاصلاح ومؤتمر الشباب العرب والكتلة الوطنية وعصبة التحرر الوطني ومؤتمر العمال العرب، بينما كانت قائمة الهيئة العربية العليا بقيادة المفتي.
تدخلت الجامعة العربية وألغت الهيئتين الجبهة والهيئة العربية العليا دون أن تشرك القوى السياسية الفتية التي ظهرت. وأدى تدخل الجامعة العربية الى فقدان الحركة القومية العربية الفلسطينية استقلالها، وأصبحت ذيلا للجامعة العربية وفقدت المبادرة ولم يعد بوسعها تعبئة الجماهير. وهذا حرم الشعب الفلسطيني من قيادة قادرة على تنظيمه سياسيا وعسكريا.
وقد أدى ذلك في سنوات 47-48 الى إبعاد الجماهير العربية الفلسطينية عن القيام بدورها الطبيعي في تقرير مصيرها، والدفاع عن وطنها وكيانها.
وبازدياد الضغط لايجاد حل للقضية، طرحت مشاريع كثيرة مختلفة ومتعددة، وفي هذه الفترة عارضت القيادة الصهيونية انهاء الانتداب البريطاني وعارضت نقل القضية الى الأمم المتحدة وقال بن غوريون لجروسمان عضو البرلمان البريطاني "اذا وافق البريطانيون على اقامة دولة يهودية في قسم من فلسطين سنكون مستعدين على منحهم قواعد ضد روسيا".
اضطرت بريطانيا الى نقل القضية الى الأمم المتحدة، وفي 17/5/1947 قررت الأمم المتحدة ارسال لجنة تحقيق الى البلاد، وقاطعتها الهيئة العربية العليا والجبهة واستمرت في الحديث عن دولة عربية فلسطينية، دون الأخذ بالاعتبار التغيير السكاني الذي طرأ. واستمر الحديث على الاعتراف باليهود فقط الذين كانوا يعيشون في البلاد قبل وعد بلفور وشهد وفد من الحزب الشيوعي الفلسطيني (اليهودي) أمام اللجنة وكان مقررا ان تشهد أيضا عصبة التحرر الوطني، ولكنها تراجعت أمام تهديدات الهيئة العربية العليا وقدمت مذكرة ضافية صدرت لاحقا في كراس "طريق فلسطين الى الحرية"، وارسلت كذلك الى البلاد لجنة تحقيق امريكية - بريطانية وشهدت أمامها الهيئة العربية العليا، مع أن موقف امريكا وبريطانيا كان معروفا بالانحياز للصهيونية بينما قاطعت كما أشرنا اعلاه لجنة الأمم المتحدة.
بعد قرار سلطات الانتداب البريطاني الانسحاب من فلسطين، وإثر استعراض تقرير اللجنة الخاصة التابعة للأمم المتحدة، اقرت الجمعية العمومية بتاريخ 29/11/1947 اقامة دولتين عربية ويهودية على أراضي فلسطين بحدودها الانتدابية قرار التقسيم رقم 181
وقد تضمن هذا القرار عدة بنود هي:
1- حدود الدولتين.
2- الوحدة الاقتصادية للدولتين.
3- تدويل القدس.
* اهم ملامح هذا القرار*
1- حدود الدولتين:
قسمت فلسطين والتي تصل مساحتها 27027كم2 الى دولتين كما يلي:
1- الدولة العربية وتبلغ مساحتها 13369كم2 (45.76%) اما حجم مواطنيها العرب فبلغ 725 الفا مقابل عشرة آلاف مواطن يهودي. وقد شغلت هذه الدولة كما يتضح من الخارطة المرفقة مناطق الجليل والضفة الغربية مع أجزاء من الساحل الفلسطيني بالاضافة الى قطاع غزة والأجزاء الشمالية الشرقية من النقب.
2- الدولة اليهودية وتبلغ مساحتها 14400كم2 (53.28%) ويقطنها 498 الف يهودي و407 آلاف عربي (45% من عدد سكان الدولة اليهودية، وقد احتوت هذه الدولة على اصبع الجليل وسهل الحولة ومنابع نهر الأردن) والأجزاء الشرقية من الجليل الأسفل والساحل الفلسطيني الأوسط ومعظم أجزاء النقب.
3- القدس الدولية وتبلغ مساحتها 258كم2 وتشغل أقل من 1% من مساحة فلسطين وتشمل القدس الشرقية والغربية بالاضافة الى مدن بيت لحم وبيت جالا وبيت ساحور. وقد كان يقطن هذه المنطقة 105 آلاف عربي و100 الف يهودي.
وقد نص القرار على اجراءات محددة وجدول زمني وخطوات تمهيدية لتحقيق الاستقلال للدولتين، وعلى اقامة اتحاد اقتصادي ونظام جمارك وعبور بينهما. وفصل طبيعة العلاقات التي ستربط الدولتين.
وقد نص القرار على استحداث نظام خاص للقدس بحيث تخضع لاشراف مجلس وصاية تابع للأمم المتحدة لمدة عشر سنوات تتجدد بعدها الوصاية الدولية ما لم يعبر أحد الطرفين عن رغبته في انهاء هذا الوضع.
2- التصويت على القرار:
شاركت في التصويت على القرار 57 دولة. وافقت عليه 33 دولة (معظمها من اوروبا وأمريكا الشمالية والجنوبية) وعارضتها الدول العربية والإسلامية. وامتنعت 11 دولة عن التصويت منها بريطانيا والصين.
*نتائج عدم تطبيق قرار التقسيم*
استغلت الحركة الصهيونية رفض الحركة الوطنية الفلسطينية والدول العربية لقرار التقسيم فقامت مستفيدة من خلل موازين القوى، الذي كان مائلا بشكل كبير جدا لصالحها، بشن حرب على مختلف الجبهات والمناطق في فلسطين أدت الى:
1- وضع اليد على 78% من مساحة فلسطين بواقع يزيد 25% عما كان مخصصا لها وفق قرار التقسيم، بحيث بسطت سلطتها أيضا على الجليل والجزء الشمالي الشرقي من النقب والاجزاء الغربية من الجبال الفلسطينية الوسطى.
2- قامت بتدمير 472 قرية فلسطينية، واسهمت في تهجير 750 الف فلسطيني من ديارهم، بينما كان قرار التقسيم ينص على بقاء غالبية هؤلاء الفلسطينيين في ديارهم وضمن الدولة اليهودية ايضا. وكانت الحصيلة ان هجر ايضا غالبية سكان يافا وحيفا واللد والرملة وصفد وطبريا وبيسان وبئر السبع والقدس الغربية، والذين تجاوز عددهم 250 الف فلسطيني.
3- بقي في حدود الدولة اليهودية الجديدة 160 الف فلسطيني فقط توزعوا على 100 قرية وبعض المدن.
4- اعطى التدمير للقرى واغلاق الحدود بين الدولة اليهودية والدول المجاورة الفرصة لاسرائيل للقيام بعملية بناء ضخمة واستقطاب هائل للمهاجرين اليهود، بحيث اقيم ما بين 1948-1955 قرابة 383 مستوطنة جديدة على انقاض المواقع الفلسطينية وتم استيعاب 740 الف يهودي جديد، مما ضاعف من عدد السكان اليهود في اسرائيل وفتح المجال لبناء قوة عسكرية جبارة تثبت اسرائيل كدولة عدوانية في المنطقة تتنكر ومنذ نصف قرن لحقوق الشعب الفلسطيني.
*الموقف من قرار التقسيم*
هناك ضرورة ملحة واهمية خاصة لمعرفة موقف الشيوعيين من ذلك القرار، فقد كان الشيوعيون عربا ويهودا، في لب الصراع منذ سنوات العشرين من القرن الماضي وساهموا في النضال ضد الصهيونية وضد الانتداب البريطاني ولا يزال الشيوعيون حتى اليوم في خضمّ هذا الصراع. فالحزب الشيوعي هو الوحيد الذي كان في حينها ولا يزال حتى اليوم يحمل برنامجا عقلانيا وواقعيا.
ففي عام 1947 كان الحزب، الذي حمل اسم "عصبة التحرر الوطني في فلسطين"، هو الحزب العربي الفلسطيني الوحيد الذي قبل بقرار التقسيم رقم 181 والصادر عن الجمعية العمومية للأمم المتحدة، ومعلوم أن هذا القرار نص على قيام دولتين واحدة للشعب العربي الفلسطيني والأخرى لليهود في فلسطين. ومع أن الحزب اعتبر- في حينه- هذا القرار مجحفا بالحق التاريخي للشعب الفلسطيني في ارض فلسطين الانتدابية، إلا أنه- أي الحزب- رأى في قرار التقسيم الحل الواقعي والامكانية الوحيدة المتاحة آنذاك، لتجنيب الشعب العربي الفلسطيني مؤامرة تشريده من ارض وطنه وحرمانه من حق تقرير المصير، هذه المؤامرة التي حيكت خيوطها بعناية من قبل الدوائر الامبريالية الصهيونية وبتواطؤ مع بعض دوائر الرجعية العربية المحيطة بفلسطين آنذاك.
كانت عصبة التحرر الوطني قد حاولت، ومنذ وقت مبكر، قطع الطريق على مشروع تقسيم فلسطين، الذي كان البريطانيون قد طرحوه لأول مرة عام 1938، وعادت الدوائر الصهيونية تعمل له بشكل محموم مع نهاية الحرب العالمية الثانية. وفي هذا المضمار كانت العصبة هي التي طرحت، ولأول مرة، شعار الدولة الديمقراطية لجميع سكان فلسطين من عرب ويهود. وقد جاء ذلك في المذكرة التي رفعتها قيادة العصبة الى الحكومة العمالية في بريطانيا عقب انتصارها في الانتخابات التي اعقبت الحرب العالمية الثانية مباشرة. وقد حملت المذكرة اسم "العقدة الفلسطينية وطريق حلها". وقد بقيت العصبة تشير لهذا الحل حتى صدور قرار التقسيم في 29/11/1947.
في ظروف التوتر الذي ساد البلاد، عقب صدور هذا القرار، وبخاصة بين العرب واليهود، واستثمار سلطات الانتداب البريطاني ذلك لاشعال الاحتراب الطائفي بين هذين الطرفين، والتضييق- في الوقت ذاته - على الشيوعيين العرب وحدهم لأنهم نشطوا في فضح خيوط المؤامرة المبيَّتة على الشعب الفلسطيني، وفي عداد ذلك منع صدور صحيفة "الاتحاد" الناطقة بلسان العصبة آنذاك، في هذه الظروف انعقد في شباط 1948 كونفرنس العصبة في الناصرة. وقد تدارس الكونفرنس الوضع الناشئ، الخطير والمعقد، وقرر قبول قرار التقسيم، باعتباره الخيار الوحيد المتبقي بديلا عن النكبة.
يذكر أن الأحزاب الشيوعية في العالم العربي كانت قد اصدرت بيانا اوائل تشرين الأول 1948 حددت فيه موقفها من الصراع الدائر في المنطقة ومنددة بالاستعمار البريطاني والرجعية العربية وحددت ايضا مطالبها العينية في المنطقة العربية، ووقّع عليه كل من الحزب الشيوعي العراقي والحزب الشيوعي السوري والحزب الشيوعي اللبناني وعصبة التحرر الوطني في فلسطين.
وبمناسبة صدور قرار التقسيم في 29/11/1948، كتب الأمين العام السابق للحزب الشيوعي الاسرائيلي- عصام مخول- مقالا تحت عنوان "حين يصبح الَّلا حل هو الحل" ونشرته صحيفة "الاتحاد" في 25/10/2009 ركز فيه على دور الشيوعيين والبرنامج الذي طرحوه لحل القضية الفلسطينية منذ أن نشأت، وخاصة اليوم حيث لا يزال برنامج واقتراحات وقرارات المنظمات الدولية هو "تقسيم فلسطين"، واقامة الدولة الفلسطينية المستقلة في حدود 4/6/1967 بعد أن قامت دولة اسرائيل.
فيما يلي مقتضبات منه:
*دولتان- الحل والمعترضون عليه!*
في جميع مراحل الصراع الاسرائيلي الفلسطيني المعقد، كان برنامج الحل الذي طرحه الشيوعيون للقضية القومية دائما حلا جدليا مركبا، فالاوضاع المركبة تتطلب اجوبة مركبة. ويقوم الحل الذي ارتبط تاريخيا باسم الحزب الشيوعي الاسرائيلي على ثلاثة عناصر أساسية:
1- الحل السياسي القائم على اتفاق سلام في مركزه تطبيق حق تقرير المصير لكلا الشعبين من خلال اقامة الدولة الفلسطينية المستقلة بجانب اسرائيل. ان تفاصيل هذا الحل محددة بدقة وواضحة وغير قابلة للتأويل: انهاء الاحتلال والانسحاب الاسرائيلي الى حدود الرابع من حزيران 1967 لتصبح حدود السلام المعترف بها، وتجسيد حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره في دولته المستقلة وذات السيادة في الضفة الغربية وقطاع غزة، وعاصمتها القدس الشرقية، وإزالة جميع المستوطنات التي اقيمت في المناطق الفلسطينية المحتلة عام 1967.
2- الاعتراف بحق العودة للاجئين الفلسطينيين، وحل قضية اللاجئين حلا عادلا وفق قرارات الأمم المتحدة، باعتبار أن الحل العادل لقضية اللاجئين، لا يشكل تهديدا على المجتمع الاسرائيلي، ولا "خطرا وجوديا وديموغرافيا" على الشعب في اسرائيل، كما تصوره المؤسسة الاسرائيلية وإنما يشكل على العكس، تبديدا للمخاطر وضمانا لحل سياسي عادل وثابت وسلام شامل مستقر، يضمن الأمن المتبادل للشعبين.
3- الاعتراف بالجماهير العربية في اسرائيل كأقلية قومية لها الحق بالمساواة الكاملة في الحقوق المدنية والقومية، تشكل في الوقت ذاته، جزءا لا يتجزأ من الشعب الفلسطيني وجزءًا من المجتمع الاسرائيلي، ليس لأحد أن يطعن في شرعية مواطنتها، أو أن ينتقص من شرعية دورها في النضال جنبا الى جنب، مع قوى التغيير الديمقراطي العميق في داخل المجتمع الاسرائيلي.
إن حدود الرابع من حزيران 1967، ليست جوهر الصراع، ولكنها تشكل فرصة الحل، وتتطلب مصلحة الشعبين عدم هدرها. فبعد مرور اكثر من اربعين عاما على احتلال المناطق الفلسطينية عام 1967 بات انهاء الاحتلال وإقامة دولة فلسطينية مستقلة، غير منقوصة السيادة، في حدود الرابع من حزيران 1967 وعلى أسس البرنامج التاريخي للحزب الشيوعي في تكاملها، رأس الزاوية في أي حل حقيقي، إذا أريد له أن يكون حلا عادلا ودائما وشاملا.
