نحتاج كعرب، ومن أجل تعزيز مصالحنا المشتركة، توطيد العلاقات مع البلدان والقوميات المحيطة بنا، وإزالة كافة الشوائب والمعيقات التي تحول دون تحقيق هذا الهدف الحيوي الإستراتيجي.
تقف تركيا وإيران وأثيوبيا في طليعة هذه القوميات، مع التأكيد على أن لكل بلد من هذه البلدان ميزة وثقلاً وتأثيراً علينا كعالم عربي، وعلى أمننا وحاضره كما على مستقبلنا، كأمة وإقليم، وإن لم يكن ذلك علينا جميعاً ككتلة بشرية، فعلى الأقل على قطاع منا، فسورية والعراق تشربان من المياه المتدفقة عبر نهري دجلة والفرات من تركيا، بينما السودان ومصر تشربان من مياه النيل القادمة من هضبة الحبشة الأثيوبية، وهذا يعني أننا أمام ضريبة الجغرافيا الملزمة التي لا نستطيع التهرب منها أو التخلص من تبعاتها، إلى الحد الذي يمكن التوصل معه إلى استخلاص حصيلته أن تاريخنا كعرب، هو تاريخ النزاعات أو الشراكات بيننا وبين جيراننا.
فهم يعيشون معنا مثلما نحن نعيش وإياهم، وهناك حقبات من التاريخ حكمناهم، وفترات أخرى حكمونا، ولا يمكن التسليم بوجود أهمية للأرض والجغرافيا، إلا أهمية وجود الدين والعقائد الواحدة، حيث نقل العرب لهذه القوميات عقائدهم، ويقع الإسلام في طليعة هذه العقائد، وتليه المسيحية ومصدرها بلادنا أيضاً، ولم يكن ذلك صدفة، بل هو نتيجة التأثير المتبادل بيننا كعرب وبين شعوب هذه البلدان التي باتت الشراكة معها واجبة وحتمية، لرجحانها أكثر بكثير وأقوى من التصادم والصراع والنزاع الذي غدا جزءاً من الماضي المشترك بيننا.
واعتماداً على ذلك يمكن الاستنتاج أن الشراكة الواجبة والجغرافيا الحتمية، غدت مصدراً من مصادر القوة والإخوة، ناهيك عن التحديات المماثلة التي تواجهنا معاً مما يفرض التعاون وتجنب النزاعات والبحث عن القواسم المشتركة، تعزيزاً للمنافع المتبادلة.
تركيا إحدى هذه الدول والقوميات المبادرة لتأكيد هذا الفهم والعمل على أساسه، حيث تعمل على تحسين العلاقات مع العرب وتطويرها، بما يتلاءم والمصالح المشتركة والفوائد المتبادلة، وأكثر من ذلك تتربع تركيا على قاعدة تتوسل إشاعة مناخ من الاحترام والتفاهم والإخوة والشراكة، وتبدي حرصها على معالجة القضايا التي تهمنا، وتتحاشى إثارة ما يغرقنا، وهي تتصرف بهذا المعنى وتصر على هذا التوجه، ليس تبرعاً مجانياً يفتقد للجدوى، بل هي سياسة جادة مبنية على المصالح، وتعتمد على رؤية إستراتيجية مقصودة ترى أن مصلحتها في إعطاء الأولوية للعيش في بيئة متصالحة مع جيرانها، وتجد أن هذا الخيار مصدر قوة لها ولجيرانها، ولذلك تعمل على التكيف مع جيرانها الأوروبيين، ومع الشعوب الإسلامية في غرب آسيا، ومع العرب جنوبها وعلى الساحل المتوسط.
تركيا تحكمها المصلحة المبنية على الفهم العصري للقيم، ويديرها حزب يحظى بثقل وثقة قطاع واسع من الأتراك، وتوجه بات من الاستحالة التخلص منه، إلا إذا أعاد العسكر سيطرتهم المطلقة مرة أخرى على مقدرات تركيا، ولكن المقدمات والوقائع وتسلسل الأحداث تشير إلى عكس ذلك تماماً، حيث تتعمق معايير الديمقراطية والتعددية وصناديق الاقتراع نقيضاً لحكم العسكر وتسلطهم.
ونحن كعرب، إذ نفتقد لقيم الديمقراطية وتداولها، ونعاني من هيمنة القوى المحافظة وتسلطها، ومن حكم العسكر وانقلاباتهم، نحتاج للتعلم والانتقال السلمي نحو الديمقراطية والتعددية وصناديق الاقتراع، وتشكل تركيا نموذجاً يحتذى في هذا المجال، كما أن حزب العدالة والتنمية نموذجاً يستحق الاهتمام والتعلم منه كحزب يجمع بين الخلفية الأصولية وبين القيم الديمقراطية العصرية، وكحزب ذات مرجعية إسلامية يتكيف مع نظام علماني ويبدع فيه ويحقق نجاحات ملموسة في إدارته.
وحينما ندقق في البدائل المتاحة للنظم غير الديمقراطية التي تتحكم في العالم العربي، سواء المحافظة المتسلطة منها أو الديكتاتورية العسكرية الثورجية، نجد أن الأحزاب الأصولية هي البديل المحتمل والمتاح، وهي حركة الإخوان المسلمين وولاية الفقيه وتنظيم القاعدة وحزب التحرير الإسلامي، وهم أكثر سوءاً وتسلطاً من القوى المتحكمة في النظام السياسي العربي حالياً، أي القوى المحافظة أو قيادات العسكر الانقلابية.
تجربة حزب العدالة والتنمية التركي، تجربة فريدة حين تجمع بين المرجعية الأصولية وبين العصرية الديمقراطية، وهي تجربة نحتاج لأن نتعلم منها ونتأثر بها ونتطور مثلها، ونعمل على أساسها، فهل نفلح؟
