ألفساد السياسي، خاصة المتمثل بتعفن السمكة من رأسها، من المركبات الاساسية في هيكل السياسة العدوانية الاسرائيلية الممارسة. فأحداث وسط الاسبوع المنصرف قد كشفت مدى عفونة الفساد السياسي الذي لا يخدم لا من قريب ولا من بعيد المصالح الحقيقية للجماهير الشعبية، بل يخدم بالاساس تعزيز مكانة وقوة وكر الذئاب السلطوي. فقد جرى على المكشوف عرض مسرحية "الاغتصاب الطوعي" كما يعرض التجار السلع من الخيار والبندورة والفجل والغنم والحمير والبقر في سوق الدلالين. مسرحية يتحكم في اخراج ادوارها سماسرة من ذوي الخبرة الكبيرة في شؤون الصفقات التجارية المبنية على الغش والخداع. "فبطل" المسرحية رئيس الليكود والحكومة بنيامين نتنياهو والى جانبه على الميمنة الحاجب افيغدور ليبرمان وعلى الميسرة الحاجب ايهود براك. موهوا على شعبهم المضلل اصلا، انهم مشغولون في القضية الامنية – السياسية المتعلقة بتبادل الاسرى مع حماس واطلاق سراح شاليط، ولكنهم في الواقع كانوا يمارسون الزنا السياسي وينقضون على دار كاديما لهدم اركانها واخذ سبايا بالغصيبة الطوعية لخدمة نتنياهو وبراك وليبرمان وتقوية سلطتهم! والسؤال الذي يتبادر منطقيا الى الاذهان لماذا في هذا الوقت بالذات يلعب نتنياهو على المكشوف لتمزيق اوصال كاديما، تقزيمها، وانسلاخ قوى منها تقيم كتلا تؤيد ائتلاف نتنياهو وتنضم اليه، بينما يأمل كل من براك وليبرمان ضم اعضاء من كاديما الى حزب "العمل" و "اسرائيل بيتنا"؟ وماذا ستكون نهاية المطاف؟
إن الاجابة على هذه التساؤلات تستدعي الربط العضوي الجدلي بين دوافع نتنياهو لافتراس كاديما وبين حقيقة الوضع في كاديما الذي استدرج "الدب الى كرمه".
** بين الانتقام ومواجهة الازمة:
لقد انتظر بنيامين نتنياهو وقتا طويلا، اربع سنوات، ليرد الصفعة التي ابعدته عن كرسي القيادة والحكم وينتقم من ضاربيه. وله حساب طويل وعسير مع من كان يقاسمهم ليوان الدار في الليكود. فعشية انتخابات 2006 خرج ارئيل شارون من الليكود، الحزب الذي ترأسه، واقام "سوبر ماركت" كاديما، تجمّع تنظيمي سياسي دون الالتزام ببرنامج سياسي فكري محدد كتّل داخل صفوفه غالبية اعضاء وقادة الليكود الذين ايدوا خطته باعادة الانتشار في غزة وبعض قادة حزب "العمل" بعد ان فقد حزب العمل ما كان يميزه، خرج شمعون بيرس وحاييم رامون ودالية ايتسيك وانضموا الى كاديما، كما انضم البعض من مؤيدي يسرائيل بيتينو الى كاديما. وعلق البعض الآمال ان كاديما ستكون حزب المركز الذي سيتمترس على عرش السلطة لسنوات طويلة. في المقابل واجه الليكود في هذه الانتخابات ضربة قوية اذ تقزم عدد تمثيله الى 12 عضو كنيست والى اشغال صفوف المعارضة مع اكثر قوى التطرف اليميني والتي رأت في نتنياهو الزعيم المرتقب لقيادة قوى وتنظيمات ارض اسرائيل الكبرى، من احزاب المستوطنين هئيحود هليئومي والمفدال وعصابات كاهانا والفاشية العنصرية ويسرائيل بيتينو.
ولم يتخلَّ نتنياهو عن هدفه الانتقام من كاديما والقضاء عليها حتى بعد ان الّف حكومته الواسعة التي شملت اعتى قوى اليمين المتطرف واقترح على زعيمته ليفني التي فازت كتلتها "كاديما" باكبر عدد من النواب واكبر كتلة في الكنيست بالانضمام الى حكومته ولكنها رفضت ذلك.
ان الانتقام من كاديما وليفني ليس الدافع الوحيد لدى بنيامين نتنياهو بل الى جانب ذلك ولعل اهم من ذلك بالنسبة لنتنياهو هو صيانة كرسيه للحكم كرئيس حكومة. وفي هذا المجال ليس كل شيء على ما يرام في الائتلاف اليميني. فيكفي ان "تزعل شاس ولا تلبي حكومة نتنياهو بعض مطالبها الفئوية الانتهازية الابتزازية لكي تخرج من الائتلاف وتهدد مصير حكومة نتنياهو، وهكذا الامر بالنسبة للاحزاب الصغيرة الاخرى اليمينية والدينية اليمينية المتشددة والحريديم الذين قد يؤلفون خطرًا يهدد مصير الحكومة في حالة الخروج من ائتلافها. اضف الى ذلك انه ليس كل شيء على ما يرام داخل حزب الليكود نفسه، وقد يتمرد على نتنياهو ويخرج من ائتلافه في حالة بزوغ امل المناخ الملائم لتسوية سياسية مع الفلسطينيين او مع سوريا بعض الوزراء والنواب ومن اعتى قوى اليمين المتطرف. كما انه يجب الاخذ بالاعتبار ان من يؤيد حكومة نتنياهو اليمينية سبعة اعضاء من "العمل" ويعارض براك والحكومة المتمردون الاربعة من حزب العمل يوليا تمير وعمير بيرتس وايتان كابل واوفير بينس وكذلك النائبة يحيموفيتش والنائب بن سيمون الذي استقال من رئاسة كتلة العمل في الكنيست احتجاجا على سياسة الحكومة وبراك المعادية للتسوية السلمية.
ونرى من الاهمية بمكان تأكيد ان تمزيق وحدة كاديما وانضمام كتلة منها الى الائتلاف الحكومي برئاسة نتنياهو يعتبر مكسبا سياسيا يستغله نتنياهو للسمسرة والابتزاز السياسي مع الفلسطينيين وللترويج عالميا ان حكومته ليست في عزلة وازمة بل تزداد قوة وتتعزز مكانتها الداخلية بانضمام قوى جديدة اليها.
** تتأرجح على كف عفريت!!
إن فوز كاديما في الانتخابات البرلمانية الاخيرة كاكبر كتلة في الكنيست ولم يمكن رئيسة الحزب تسيبي ليفني من تأليف الحكومة الجديدة ورفضت الانضمام الى حكومة برئاسة نتنياهو الذي رفض تقاسم الرئاسة معها وارسل كاديما ونوابها الى كراسي المعارضة. ووجود كاديما في المعارضة عزز لدينا القناعة ان كاديما ليست "بنت معيشة" ولن تعمر طويلا على المسرح السياسي. وقناعتنا انطلقت من حقيقة ان قوة كاديما اصلا مصدرها الاساسي "الشخصنة"، الاعتماد على شخصية ارئيل شارون وتجنيده الثعلب السياسي شمعون بيرس الى جانبه، ودخول ارئيل شارون في غيبوبة طويلة الامد وغيابه عن الساحة السياسية قد افقد هذا التجمع السياسي بريقه اللامع كما ان عدم تقيد كاديما ببرنامج سياسي – اجتماعي يتميزها مشيا حتى مع الليكود جعل كاديما طيلة الاشهر الماضية تؤيد وتتخذ نفس المواقف من القضايا الجوهرية التي تتخذها الحكومة والليكود. ففي الموقف من "يهودية الدولة الصهيونية لا فرق بين نتنياهو وليفني، وفي الموقف من تهويد القدس الشرقية جغرافيا وديموغرافيا لا فرق بين ليفني ونتنياهو، وفي الموقف من دولة فلسطينية منقوصة السيادة والصلاحيات، من دولة مع حدود مؤقتة مستباحة اراضيها ومناطقها للاستيطان الكولونيالي اليهودي لا فرق بين ليفني ونتنياهو، وليفني صاحبة الموقف "ليجسد العرب في اسرائيل حقوقهم القومية والمدنية في مكان آخر خارج اسرائيل" ينسجم عمليا ويتطابق مع الموقف العنصري الترانسفيري لحكومة نتنياهو – ليبرمان – براك. والقانون العنصري الاخير المطروح في الكنيست يمنع العرب من السكن في البلدات الجماهيرية وكان احد المبادرين لطرحه من حزب كاديما. ولا يختلف الموقف الطبقي الرأسمالي النيولبرالي المنتج للفقر والبطالة بين نتنياهو وليفني.
بناءً على كل ما تقدم، خاصة وان اعضاء وقادة كاديما غير مشحونين فكريا وسياسيا لا بمنهج ونهج الليكود الفكري والسياسي والاجتماعي، ولهذا فانه منذ اليوم الاول لرفض تسيبي ليفني دخول الائتلاف الحكومي والتوجه الى مقاعد المعارضة بدأت تبرز ملامح عدم الرضا عن الموقف وتطور عدم الرضا الى احتجاج خاصة بعد ان تبين ان حسابات ليفني خاطئة وان وعدها بسقوط حكومة نتنياهو قبل نهاية العام الحالي غير صحيح. وبدأ شاؤول موفاز الذي كان من مؤيدي الانضمام لحكومة نتنياهو بمنصب وزير الامن يبلور معسكره لخلافة ليفني في اية ظروف مناسبة. وموفاز يدرك جيدا، كما يدرك نتنياهو وبراك وليبرمان ان نواب كاديما غير مؤهلين للقيام بدور المعارضة ولا يهمهم سوى العودة الى نِعم السلطة. وفاحت وفاعت رائحة "الخبيصة الشائطة من دست كاديما" وبضغط من بنيامين نتنياهو وحكومته اقر في الكنيست ما يسمى بقانون موفاز. حيث يسمح لسبعة اعضاء من الكتل الكبيرة بالانقسام والخروج من كتلتها واقامة كتلة مستقلة تحظى بالتمويل. وكان الهدف واضحا موجها ضد كاديما. ومنذ اقرار هذا القانون بدأ النشاط، بالسر ومن ثم علانية العمل على المقاعد الخلفية في كاديما لاغرائها بالانسحاب واقامة كتلة تنضم الى حكومة نتنياهو، العمل على تجنيد سبعة اعضاء على الاقل مقابل مقاعد وزارية ووظائف مغرية. وقد اقام نتنياهو لهذا الغرض طاقما استشاريا فاعلا مؤلفا من مستشاره السياسي شالوم شلومو والوزير يسرائيل كاتس ومدير مكتب نتنياهو المدعو نتان ايشل. وقد جرت فعلا اثناء انشغال الرأي العام بقضية تبادل الاسرى وجلعاد شاليط للالتقاء باعضاء كاديما من نواب الكنيست – شاي حرمش، عتنيئل شنيلر، رونيت تيروش، يوليا شمالوف- بركوفيتش، ايلي افلالو اريه بيبي، مارينا سالودكين ويسرائيل حسون، كما انه اضافة الى الطاقم الذي اقامه نتنياهو فانه كان على تنسيق متواصل مع ليبرمان وبراك حول تمزيق اوصال كاديما.
وتسربت اخبار ان سكرتير الحكومة طلب من رئاسة الكنيست ان تكون جاهزة لعرض اقتراح التصويت على اقامة كتلة منفصلة من كاديما، او عدة كتل، كتلة مستقلة، كتلة تنضم الى حزب العمل واعضاء ينضمون الى يسرائيل بيتينو، فالعضو ايلي افلالو لم يخف بل صرح انه سيخرج من كاديما ويقيم "كتلة وحيد" او ينضم الى الليكود، اما عضوة الكنيست من كاديما رونيت تيروش فقد أعلنت في مجلس كاديما الذي عقد مساء يوم الخميس الماضي انها خلال لقائها مع رئيس يسرائيل بيتينو افيغدور ليبرمان وافق على اقتراحها ان تكون بمنصب وزيرة في وزارة الخارجية.
وفي وقت اصبح فيه مصير كاديما على كف عفريت وان مجموعة من اعضاء الكتلة اصبحت ارجلهم على عتبة الخروج من التنظيم جرت احداث "دراماتيكية" فمنافس ليفني على رئاسة الحزب شاؤول موفاز استغل بشكل انتهازي حالة التفسخ المرتقب واقترح على ليفني تحديد موعد لانتخابات داخلية (برايمرز) على رئاسة الحزب لكي ينافسها، وذلك خلال ثلاثة اشهر. فاجراء الانتخابات هذه سيحافظ على وحدة الحزب وبقاء الاعضاء في كاديما. وكان جواب ليفني انها ستبحث الامر. اما الحدث الثاني فانه قبل انعقاد مجلس كاديما بثلاث ساعات دعا نتنياهو تسيبي ليفني الى اللقاء التقليدي لتزويدها بآخر الاخبار السياسية – الامنية، ولكنه اثناء اللقاء عرض عليها الانضمام الى ائتلافه مقابل اربعة وزراء بدون وزارات من كاديما يُضمون الى الطاقم السياسي – الامني، وانه لا مجال للتفاوض حول برنامج الحكومة والليكود ولن تكون طواقم محادثات حول هذا الموضوع بل تدخل كاديما الى الحكومة حسب البرنامج السياسي – الاجتماعي القائم. ولم ترفض ليفني الاقتراح بل طلبت التشاور والعودة للبحث حوله. وقد يكون هذا الاقتراح من جهة، حبل النجاة لليفني في الظرف الراهن ينقذ كاديما من الانهيار والتفسخ لان غالبية مجلس كاديما مع دخول الائتلاف برئاسة نتنياهو، كما ينقذها مؤقتا من مخاطر منافسها شاؤول موفاز. اما من الناحية الثانية فان اقتراح نتنياهو اذا ما وُوفق عليه لن يكون مستقبلا اكثر من مأتم جنائزي لحركة كاديما ولتطلعات ليفني الى رئاسة الحكومة.
لقد ناشد ابن شارون جلعاد اعضاء كاديما المحافظة على الحزب الذي اقامه والده، ولكن المصلحة الشخصية لمن يفتقر الى المبادئ هي فوق أي اعتبار. اما بالنسبة لنتنياهو فنؤكد انه حتى لو ضمت حكومته جميع النواب الصهيونيين والحريديم فانها ستبقى عاجزة عن تخطي الازمة السياسية والعزلة الدولية اذا لم تغير سياستها العدوانية وتجنح نحو السلام العادل والاقرار بالحق الفلسطيني المشروع.
