لو كنتُ بقربِكِ، لحظةَ تسلُّمكِ علامات تفوُّقكِ في امتحانات التَّمريض لشهادة قابلة معتمدة، لقبَّلتُك بين عينيكِ وحضنتُكِ بذراعيَّ وحبسْتُكِ في قفصِ صدري ورفعتُكِ عاليًا ما استطعتُ، أو يزيد، على رؤوس أصابعي الى العلياء، حتَّى لو كان فوقَ الشُّهُبِ، فخرًا واعتزازًا ومحبَّةً، وصنعتُ لك ارجوحةً طالما تأرجحتِ بها، في أعوامك الأولَى حين كنتُ أُشبك أصابع يديَّ العشرة مع بعضها البعض، لتكون لكِ مطيَّةً أو كرسيَّ المَلِكةِ، تلهين عليها، متأرجحةً أمامًا وخلفًا أو ذات اليمين وذات اليسار محافظةً على المحور والمركز في آنٍ واحدٍ، كبندول السَّاعة أو رقَّاصها، متناغمةً بحسب حركات الجسم والأرجُل، عندما كنتِ صغيرة أيتها الكبيرة، لكنَّكِ ستبقَين في عينيَّ ابنتي مايوشينكا الصَّغيرة، ايتها القابلة المعتمدة مي خالد داود، كتخصُّصٍ ثانٍ بعد تخصُّص غرفة الإنعاش المُكثَّف الجراحيَّة..
وعندما حضرتِ وأحضرتِ شهادتك إليَّ، مرفوعة الهامة، شعرتُ كم هي الدُّنيا ضيِّقة وصغيرة لدرجةٍ أنَّها لم تعد تسع فرحتي وأحسسْتُ كم هي حدود السَّماء قريبة حتَّى أنِّي بدأتُ أشعر أنَّ يديَّ تطال البدرَ أو أعلى، يا بدري..
فمهما كبُرتِ واشتدَّ ساعدُك وبلغتِ النُّجوم التي تحلُمين بها دائمًا، ولَم تقبلي دونها منذ طفولتكِ، ولم تقنعي باليسير، إذ كنتِ تحبِّين، المغامرات والمجازفات والمخاطرة، التي كنتِ تفوزين بها، "شقاوة وحلاوة غير شكل" منذ أن كنتِ وما زلتِ، تلك "الشقيَّة" التي لا تتنازل عن شجاعتها وحقِّها وهدفِها ودورِها وأمنيتها، كقول المتنبِّي:
وَكُلُّ شَجَاعَةٍ فِي الحَكِيمِ تُغْنِي وَلا مِثلَ الشَّجَاعَةِ فِي الحَكِيمِ
لقد كانت ثِنائي، تشكو في طفولتها من قِصَرِ اسمها، مي، "إذ كيف يصحُّ أنَّ جميع أترابها، زميلاتها وزملائها على مقعد الدِّراسة أو من أقربائها، يحملون أسماءً من حروف عديدة بينما هي تحملُ اسمًا يتكوَّن من حرفيْن فقط، "ليش يعني" فما كان منَّا إلا أن زدنا عليه حروفًا لجعله اسمًا طويلا دلِعًا ليُصبِحَ مايوشينكا، كما هو متَّبع في تشيكيا وسلوفاكيا مسقط رأس والدتها، زوجتي الحبيبة، وغيرها من البلدان، فكانت فرحتها عظيمةً، "وحُلَّ هذا الإشكال"، لكنَّها في سنِّ بلوغها احبَّت اسمها ذا الحرفيْن، واعتمدَته دائمًا.
كم هو جميلٌ أن ترى زينتَك، في الحياة الدُّنيا، قد وصلت هدفها وحقَّقت مأربها، ونالت مطلبها الذي صبَت إليه، سائلةً المزيد من العلم والثَّقافة والتَّقدُّم، فالعلم خيرٌ من المال كما الحكمة أفضل من الجهل، لأنَّ المال مفسدة والجهل غباء والعلم كنز لا يفنى، وحين تطلبونه تجدونه في خدمتكم..
لذلك علينا أن نرفع راية العلم عاليًا، لأنَّ عِلْمَنا عَلَمُنا، ولنثبِّته سلاحًا متينًا نواجه فيه الجهل والغباء والجهلة، والمتآمرين الذين أرادونا حطَّابين وسقاة ماء.
فصباحُك خيرٌ وفوزٌ ونجاحٌ يا ابنتي ويا حبَّة عيني، مَي..
