جنودٌ أم قادة؟

single
منذ بدايات نشاط الحركة الصهيونية، وإلى ما أصبح فيما بعد يسمى بالصراع الإسرائيلي الفلسطيني، لم يعرف الموقف الفلسطيني إجماعاً. من يقرأ ما كُتب من تأريخ لهذه الحقبة يمتلئ بالدهشة لما تحتويه تفاصيلُ الماضي من شبه يرقى أحياناً إلى حالات من التطابق والتماثل التام مع ما يجري في هذا الزمن من أحداث وسيل المواقف المختلفة إزاءها.
من عرف بالوطني كان هناك، وكذلك كان من عرّف بالخائن والمتهادن والمتعاون وما إلى ذلك. تيارات وطنية وأخرى قومية وأخرى دينية كلها نشطت، بما حملته من تفرعات وانشقاقات، بعضها فلسطيني الانتماء الخالص وبعضها ارتبط ودان بفكر وعقيدة فاق وجودها الحيز الفلسطيني المحلي.
وضعت مئات من الكتب والدراسات حول تاريخ هذا الصراع، الذي ما زالت تداعياته تتفاعل، بينما يبقى مستقبلُه رهين الغيب المطلق وحكمة وإصرار الشعوب وقاداتها، عاملََيْن متغيرين ونسبيين.
الحاضر مقلق. وأكثر ما يوجع أننا نستنسخ، بقوالب عصرية وحديثة، أنماط الماضي وصراعاته الداخلية الدامية. كثيرة كانت العوامل التي أسعفت وساعدت الحركة الصهيونية في مشروعها التاريخي، لكنني أعتقد أن الاستهتار والقصور الفلسطيني كان العامل الأهم والأكثر نفاذاً على مر التاريخ. انعدام وحدة الصف وراء ما كان وما زال جلياً يعرف بالحق الفلسطيني، كان دائماً العتبة التي داس عليها من داس وأحرز ما أحرز، وكان الخاسر دائماً صاحب الحق الجلي.
كان العام 1948 عاماً فاصلاً في تاريخ هذا الصراع المرير الطويل. وكان بقاء من بقي من أهل البلاد الأصليين صموداً وانتصاراً، ولكنه لم يفلت مما ساد من فرقة وتشرذم وذهب كثيرون من الإخوة والأشقاء والحلفاء إلى اعتباره خيانة وهزيمة وتواطؤًا مع الأعداء!.
وكان العام 1967 عاماً فاصلاً آخر في تاريخ هذا الصراع المرير. وكذلك ما تلاه من أعوام، أصبحت هي بدورها علامات فارقة وفاصلة. دائماً كما في العام 48 وما سبقه، كان هنالك من يجيد التخوين ويزهو بوطنية مواقفه. عشرات من السنين مرت وما زلنا، كما قلت في مطلع هذه المقالة، نعيش بين خطابات عديدة ودائماً هنالك من يزهو وهناك من يخوِّن.
بالنسبة لنا، نحن الأقلية الفلسطينية في إسرائيل، استوعبنا، منذ البداية، أننا في واقع جديد وأن بقاءنا على أرضنا وإن بدا معجزة إلا أنه الهدف الأول والأهم. نجحت هذه الأقلية وبقيت وكبرت وأمست على ما أمست عليه اليوم. في طليعة ما اختطته قيادات الأقلية الفلسطينية، وحتى جماهيرها العريضة، كانت مواقفها المبنية على خصوصية تواجدها داخل إسرائيل. هذه الخصوصية حددت إلى مدى بعيد أساليب نضال هذه الجماهير وبرامجها السياسية والأخرى.
كذلك مما أفرزته هذه الخصوصية، وعلى مدار السنين، خاصة بعد العام 1967، أن قيادييها، على اختلاف انتماءاتها الحزبية والسياسية، لم يزجوا أنفسهم فيما ارتسم من فصائلية فلسطينية، وحيّدوا دائماً تماثلاتهم الفكرية وقربهم السياسي لهذا الفصيل أو ذاك أو لتلك الحركة وأخرى. لقد كانوا دعاة وحدة وطنية فلسطينية عنوانها حق تقرير المصير للشعب الفلسطيني وحقه في إقامة دولته المستقلة، وأن من يمثل هذا وذاك هي منظمة التحرير الفلسطينية الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني. قبل هذا وذاك كان الموقف بإنهاء الاحتلال الإسرائيلي للأراضي المحتلة عام 67 مطلباً واضحاً وموحداً وبوصلة لأي برنامج نضالي وطني.
كنا ذراعاً متينة، أصابعها مقبوضة دائماً متأهبة لأن ترد الضيم عنّا وعن أبناء شعبنا.
لم يعد الحال بيننا كما كان. تشرذمنا وتفرقنا أيدي عرب. لم يعد صوتُنا واحداً، وبدل أن نكون جسراً وسداً، تحولنا إلى أدوات في أحسن الأحوال تعمل لصالح فريق فلسطيني على حساب فريق آخر، وفي أسوأها أدوات ممسوكة بأيادي خارجية تضرب باسمها وعنها الآخرين.
كثيرة هي الآفات التي توطنت بين ظهرانينا. ولكنني أعتقد أن ما اعترى حركتنا السياسية والحالة السياسية الداخلية من عملية إلحاق ذاتية لمركبات الساحة الفلسطينية والعربية هي أخطر هذه الآفات. لا أتكلم عن وفاق وتماثل فكري وسياسي بين هذه الحركة/الحزب المحلي عندنا وبين توأمِه الفلسطيني أو العربي، فهذا واقع كان موجوداً طيلة العقود الماضية. الجديد هو استيرادنا لحالات الفرقة والتشظي الفلسطيني لينعكس هذا على ممارساتنا في ساحتنا المحلية.
تحوَّلنا إلى مفعولين بهم، بينما كنا فاعلين ومؤثرين، تحولنا إلى مرايا تعكس ما انكسر وتشظى هناك في فلسطين المحتلة، وكنا مرايا تعكس معجزة بقاء لأقلية صمدت وبنت كياناً وحَّدته التجربة وقلق المستقبل.
بقاؤنا مهدد، والمشروع الوطني الفلسطيني مهدد كذلك. دور الجماهير العربية وقادتها لعقود كان مفصليًا وحاسمًا وكان إيجابياً بناءً. اليوم ونحن نتجرع جرعات سم التفرقة ونتسربل ما يفصل لنا هناك في مصانع الاقتتال والتخندق والتخوين المتبادل، نخون ما أنيط بنا من دور تاريخي هام تقلدته معظم القيادات السابقة ونجحت به، سيان على ساحتنا المحلية، وكذلك على ما اضطلعت به وقدمته للحركة الوطنية الفلسطينية بشكل عام.
أكتب وأعرف أن الخيانة ليست وجهة نظر ولكنني أؤكد أن ليس كل من يجهر بموقف مغاير يعتبر خائناً.
فلتختلفوا كما شئتم ولكن اختلفوا على جسر الوحدة، خاصة إزاء ما يتربص بنا على أرضنا، ولتعودوا جسراً وسداً يمد لإخوانكم في فلسطين، وإلا سيقرأ أحفادنا عن حاضرنا، وهو تاريخ المستقبل، ما قرأنا عن ماضي أجدادنا وهو تاريخ حاضرنا.
قد يهمّكم أيضا..
featured

"النقاء" بمفهومه الفاشي وحتى النازي

featured

أهمية "المعرفة المادية" والعمل من خلال الهيئات الحزبية

featured

الأب د. رفيق خوري في كتابه " فلسطين في القلب" متسلح بالأمل الذي لا يموت

featured

المربِّي الفاضل نمر مرقس في الذاكرة

featured

ليبرمان وأصدقاؤه أنظمة المنطقة!

featured

أن تكون مضطهدا يعني أن تتكلم في عالم صامت!

featured

"خطأ زائِد خطأ لا يُساوي صحّا" (طرح رؤية مستقبلية لعمل الجبهة)

featured

الموت وقبعات السحرة