بين "مرمرة" التركية و "المرمرة" الإسرائيلية

single

"بكل ثمن" كانت العبارة التي أطلقتها قيادة الجيش الإسرائيلي كتعليمات أخيرة ومجملة لجنود "سييرت 13" الذين أغاروا على سفن "أسطول الحرية" التي كانت في طريقها إلى ميناء غزة المحاصرة.
لم يراهن أحد على ما سيكون رد الفعل الإسرائيلي في وجه السفن المبحرة في مياه المتوسط، فالتجربة وسجل إسرائيل الدامغ لا يتركان، لا لمتفائل ولا لمغامر ولا حتى لمتمنٍ، فسحةً للخطأ. مع هذا ولاعتبارات عديدة كانت هنالك مفاجأة ودهشة من دموية العمل وفداحة النتائج.
من الواضح أن بدائل كثيرة كانت في متناول يد الجيش الإسرائيلي تمكنها من السيطرة على السفن واستعمالها لم يكن ليسبب إزهاق أرواح من استشهد ولا من سقط جريحاً. كذلك حمل الأسطول مئات، تآلفوا من أكثر من أربعين دولة، بينهم الكهول والشيوخ والشباب من ذكر وأنثى ولا أحسن من الاستشهاد بأقوال نيافة المطران هيلاريون كابوتشي، مطران القدس المبعد، في تصريحه لجريدة "الحقيقة" واصفاً الأجواء السائدة على ظهر سفن الأسطول: "أنها أجواء أخوية وأسرية جمعت أخوة في الإنسانية ورفاقاً في النضال من كل مشارب الأرض لا يفرقهم عرق أو لون أو دين إنما جمعتهم إنسانيتهم ورفضهم للظلم ودعمهم للمظلوم". هذان السببان يكفيان برأيي تعليلاً لمن أصيب بالدهشة والمفاجأة من دموية الاعتداء وإجراميته. لكنها الغطرسة في قمتها. غطرسة القوة التي اعتادت إسرائيل عليها منذ عقود، معتقدة أنها تستطيع أن تخيف وتردع بها جميع الناس في كل الأوقات وفي كل الأماكن.
خسرت إسرائيل جراء غارتها الدموية، وتعرَّت، مرة أخرى، ليبدو قوامها مشوهاً عاجزاً عن التغلب على مناضلين أشداء عزل "جمعتهم إنسانيتهم ورفضهم للظلم ودعمهم للمظلوم". إنه صدام الحق والعزيمة وإنسانية المظلوم على الرذيلة والجريمة.
لم تصل السفن إلى ميناء غزة لكنها نجحت بإيصال الرسالة إلى العالم أجمع وسلطت، حتى ولو لحين، وعي الدول والشعوب مرةً أخرى على ما يحصل في القطاع والأراضي الفلسطينية المحتلة، وهي بهذا تجربة أضافت مكيالاً لصالح قضية فلسطين في كف الميزان المائل لصالح إسرائيل.
مع هذا من الواضح أن غزة لم تنتصر بعد، ولا الاحتلال الإسرائيلي سلم روحه ورحل، لهذا يتوجب علينا أن ندرس هذه التجربة ونستقي منها الإيجاب والعبر فطريق النضال ما زال طويلاً وشاقاً.
تجلت تجربة "أسطول الحرية" كخطوة نضالية اعتمدت النضال المدني الشعبي المسالم، وهي بهذا تماثل وتكمل ما يجري في بعض مناطق فلسطين من مقارعة ومواجهة مع جنود الاحتلال الإسرائيلي وأسلحته، ولذا ما يحدث في بلعين ونعلين ومناطق أخرى كثيرة له أن يستقوي ويتعزز بتجربة "أسطول الحرية"، التي لا ريب أثبتت جدارة، وأدت إلى إفشال ما خطط له الإسرائيلي وألحقت ضرراً جسيماً بإسرائيل ومكانتها بالعالم.
إلى هذا تضاف أممية المشاركين في "أسطول الحرية" وهوياتهم كعامل هام زاد التجربة زخماً ووزناً ملحوظين. المشاركون انحدروا من جنسيات مختلفة وضموا المسلم والمسيحي واليهودي وبينهم كان المتدين والعلماني أيضاً. وحّدتهم إنسانيتهم والهدف الذي جاؤوا من أجله. نصرة غزة، كل غزة وليس فصيل على فصيل أو مسلم على "ذمي" و"كافر". جاؤوا لينصروا فلسطين المظلومة على ظالمها. وحدتهم كانت عربوناً لصمودهم ونجاحهم، ولإفشال ما حاولت إسرائيل تسويقه في العالم من أكاذيب وذرائع لطالما انطلت في الماضي على كثيرين.
لا يختلف اثنان على أن دور تركيا الرسمية والشعبية كان الدور الأبرز، ولكننا نخطئ حين نحيّد أممية المشاركين وشمولية انتماءاتهم وهوياتهم السياسية والوطنية وحتى الدينية. هؤلاء جاؤوا ليكونوا معنا، مع فلسطين وشعبها المظلوم فكيف ولماذا ومن المعني بتحويل السؤال ليغدو نحن مع من؟ ويتحول هذا بالتخصيص المؤذي إلى: هل نحن مع تركيا؟ أم مع إيران؟ أم مع مصر؟ أو مع سوريا؟.
كيف نجح من نجح بدفع مئات مِمن كتبوا بالتحليل والتمحيص والتدليل عن قصد تركيا وأهدافها من وراء هذه التجربة؟ وطفق يتحزب هذا إلى تركيا المسلمة، وآخر ينتشي بعودة الخلافة العثمانية الزاحفة والمعيدة أمجاداً لا ناقة لنا فيها ولا جمل. كُتب الكثير عن تركيا ودورها وهذا شأن مشروع وضروري، لكني أعتقد أن تحميل هذا النقاش على "ظهر" هذه السفن يضر بالتجربة ولا يخدمها.
وأخيراً، أعتقد أن المسألة الأهم لنا، نحن الجماهير العربية في إسرائيل، تستوجب دراسة هذه التجربة بشكل عام وخاصة مشاركة أربعة من الشخصيات الاعتبارية القيادية في مجتمعنا فيها. كثر الكلام في هذه المسألة وهوجم قياديون لم يشاركوا ودافع منهم من دافع وبرر عدم مشاركته وصمت آخرون.
أعتقد أن ما دار من نقاش ومساجلات يقع في دائرة الترصيد الحزبي الفئوي الضيق، فللجماهير حق أن تسمع أجوبة أكثر مسؤولة وتعالج الجوهر والعام ولا تقتصر على تسجيل النقاط أو استلابها من "الخصوم".
كثيرة هي الأسئلة التي تستوجب ردا، فرذاذ مياه المتوسط ودماء الشهداء وأنين الجرحى حجبوا برأيي التعاطي مع هذه القضية، وغيبوا أسئلة كثيرة وأجوبة لم تعطَ أصلا. فمن قرر أن على ممثلي الجماهير العربية في إسرائيل أن تشارك في هذه التجربة؟ في أي إطار تم بحث هذا الموضوع؟ وهل وضعت جميع السيناريوهات الممكنة إزاءه؟ هل تمت مناقشة عوامل الربح والخسارة السياسية العامة؟
من الواضح أنني لا ألغي وجوب المشاركة في هذه التجربة النضالية، لكني أعتقد أن هنالك فرقًا شاسعًا بين مشاركة ممثلين عن أحزاب وحركات سياسية بصفاتهم الشخصية أو الفئوية وبين مشاركتهم كممثلين عن الجماهير العربية كلها، خاصة وأن رئيس لجنة المتابعة العليا كان واحداً من المشاركين.
هل قامت هذه القيادات بوضع تصور وتقييم حول إمكانيات توظيف هذه المشاركة ووقعها على الساحة الإسرائيلية الداخلية؟ وهل وضعت التصورات لكيفية مواجهة ما ستتركه من رواسب تخدم مصلحة هذه الجماهير أو مضرتها؟ وهل اتفق على موقف إعلامي موحد؟ هل وضعت من أجل تطبيقه البرامج والآليات وذلك لصد الهجمات الفاشية المتصاعدة داخل إسرائيل؟
حقنا أن نسمع أجوبة على هذه الأسئلة وعلى غيرها وحقنا أن نطمئن أن قياداتنا، مستعدة لركوب البحر والإسهام بفك حصار غزة، لكنها أيضاً متحيِّطة لدرء أهوال الحصار المضروب علينا نحن "عرب الداخل".
نريد لغزة أن تتحرر ولفلسطين أن تستقل وحصتنا في هذا وذاك كانت وستكون أساسية، و "مرمرة" كانت بلا شك عبرة وخطوة على هذا الطريق، أما إذا لم نعتبر منها، فحتماً ستؤدي إلى "مرمرة" حياتنا ووجودنا. فهل من درس وعبرة؟

قد يهمّكم أيضا..
featured

الايطاليون وجدل الاسلام والسياسة

featured

يصرون على سياسة تؤمن السير نحو الكوارث

featured

محمود درويش باق فينا ما حيينا

featured

مؤشرات إيجابية على المصالحة

featured

مُتْعةٌ أن تكون عربيًا

featured

ما هي الأعمال التي يمكن تنفيذها دون الحاجة الى رخصة بناء؟

featured

قراءات عمودية لمشاهد أفقية