هل تطرح خطة جدية لانقاذ الاقتصاد من الازمة العميقة الزاحفة هرولة؟!

single

تشهد الساحة الاسرائيلية سيولة من المقترحات بشكل خطط اقتصادية لانقاذ الاقتصاد الاسرائيلي من ازمته الخانقة، من انخفاض وتيرة نمو الانتاج القومي الداخلي وزيادة هائلة في عدد المعطلين عن العمل الذين قذفتهم مختلف المرافق الاقتصادية. فخلال الاسابيع الاربعة الماضية وقبل تأليف حكومة اليمين المتطرف برئاسة نتنياهو وقبل الاعلان رسميا عن احتمال تسلم نتنياهو حقيبة وزارة المالية، طرح على البساط ثلاث خطط اقتصادية يدعي صاحب كل واحد منها انها "خطة لانقاذ الوضع من التردي الاقتصادي". الخطة التي اعدها الطاقم المهني من الموظفين الكبار في وزارة المالية كأساس وقاعدة للموازنة الحكومية خلال سنتي الفين وتسعة والفين وعشرة، وخطة نتنياهو الاقتصادية، واخيرا خطة الانقاذ التي يقترحها عميد بنك اسرائيل ستانلي فيشر. والواقع انه لا توجد فوارق جوهرية كبيرة من المدلول الاقتصادي والاجتماعي للخطط الثلاث المطروحة والتي يأمل واضعوها ان تؤلف حجر الزاوية للسياسة الاقتصادية التي ستنتهجها حكومة نتنياهو – ليبرمان، وواضعو الخطط الثلاث يقرون ويعترفون بحقيقة ان خططهم محدودة الاهداف والمدة الزمنية، وان هدف كل منها هو قيادة الاقتصاد من وضعه المتدهور السيء الى وضع اقل سوءا خلال سنة – الى سنتين، أي محاولة كبح جماح تدهور ركود اقتصادي منفلت العقال وما يرافقه من بطالة واسعة ومتزايدة بوتيرة سريعة.
في معالجات سابقة نشرت في "الاتحاد" تطرقنا بالتحليل والتفصيل لجوهر ومدلولات خطتي قسم الميزانيات في وزارة المالية وخطة نتنياهو الاقتصادية اقتصاديا واجتماعيا. وما نود التركيز عليه في سياق معالجة اليوم هو تقييم ما يطرحه عميد بنك اسرائيل ستانلي فيشر في خطته الاقتصاية التي طرحها في مؤتمر صحفي يوم الثلاثاء الماضي من هذا الاسبوع، لهذا البنك المركزي، بنك اسرائيل، دور هام ساهم في بلورة السياسة الاقتصادية – المالية والاجتماعية للحكومة. كما ان عميد البنك ستانلي فيشر الامريكي الصهيوني موظف البنك الدولي سابقا ومستشار نتنياهو الاقتصادي سابقا كان نتنياهو وراء تعيينه عميدا لبنك اسرائيل عندما كان وزيرا للمالية في حكومة شارون. وفيشر كان الذراع اليمين لنتنياهو في انتهاج السياسة الاقتصادية الرأسمالية الخنزيرية النيوليبرالية الكارثية التي ادت الى تعميق وتوسيع فجوات التقاطب الاجتماعي بين الاغنياء والفقراء في المجتمع الاسرائيلي. ولهذا ليس من وليد الصدفة هذا التطابق في الموقف حيث ان الخطط الثلاث المطروحة ليست ابدا خططا ثورية تطرح بديلا جذريا للمنهج النيوليبرالي وهيمنة اقتصاد السوق الذي ادخل العالم الرأسمالي باعصار ازمة مالية اقتصادية مدمرة ومنها اسرائيل، فالخطط الثلاث تطرح علاجات مؤقتة للتخفيف من عدد ضحايا النيوليبرالية ولتسكيت اوجاع الازمة الاجتماعية وعلى امل العودة بعد بروز ظواهر انتعاش الى المنهج النيوليبرالي الكارثي، كما ان المشترك بين الخطط الثلاث ان جميع اربابها يتجاهل عمدا عاملا اساسيا من عوامل التدهور الاقتصادي والركود والبطالة والفقر وهو الانفاق العسكري الهائل لتمويل السياسة العدوانية وجرائم الاحتلال والاستيطان وعسكرة الانتاج الذي يبتلع حصة الاسد من الموازنة العامة ويقف مجرد عثرة في طريق التنمية الاقتصادية. اضافة الى ذلك فان المشترك بين الخطط الثلاث هو شحذ الانياب لتجميد وتخفيض اجور العاملين وتخفيض مستوى معيشة اصحاب الدخل المحدود والقليل.

 

* سلة مخدرات ستانلي فيشر:
في مؤتمره الصحفي الذي عقد ظهر يوم الثلاثاء من هذا الاسبوع خيب عميد بنك اسرائيل امل جميع من هللوا بانه سيطرح خطة ثورية حارقة لانقاذ الاقتصاد الاسرائيلي من درنه السرطاني المتكاثر في مستنقع ازمة الركود الاقتصادي، وتمخض الجبل فولد فأرا مشوها. ففي هذا المؤتمر الصحفي رسم عميد بنك اسرائيل صورة واقعية سوداء قاتمة عن حالة الاقتصاد الاسرائيلي المأزوم. وتتجسد الصورة القاتمة لحالة التدهور الاقتصادي الاسرائيلي في العام الفين وتسعة والتي شحنها فيشر بالمعطيات ان التنمية الاقتصادية ستنخفض من زائد 4% سنة الفين وثمانية الى ناقص1,5% في العام الفين وتسعة الحالي، وان وتيرة نمو القطاع التشغيلي ستنخفض من 6,7% سنة الفين وثمانية الماضية الى 2,5% في العام الحالي، وهذا المؤشر الاقتصادي، مؤشر التنمية، يعتبر مؤشرا شموليا يعكس نتيجة وضع الانتاج القومي الاجمالي المحلي وقطاع الفروع الاقتصادية التشغيلية، يعكس حالة انتعاش ونهوض اقتصادي ام حالة ركود وجمود وتردّ اقتصادي. وانخفاض وتيرة النمو تعني تقليص النشاط الاقتصادي وقذف آلاف العاملين الى سوق البطالة. وفيشر يتوقع ان تزداد البطالة بخمسين الف معطل عن العمل في سنة الفين وتسعة وترتفع من مئتي الف معطل عن العمل اليوم الى مئتين وخمسين الف معطل حتى نهاية هذا العام، والواقع ان عدد المعطلين عن العمل سيصل الى اكثر من 300 الف وقد تتعدى نسبة المعطلين عن العمل العشرة في المئة من قوة العمل، وزيادة عدد العاطلين عن العمل يعني من حيث المدلول الاجتماعي تخفيض الاستهلاك الفردي وتردي مستوى معيشة اوساط واسعة من الجماهير.
لمواجهة التدهور الاقتصادي الداشع هرولة يقترح ستانلي فيشر في خطته زيادة عجز الموازنة العامة لسنة واحدة بنسبة 5% بدلا من 2,1% وذلك للانفاق على مشاريع البنية التحتية وخاصة شق شوارع ومد خطوط سكك حديدية، وذلك بهذه توفير اماكن عمل للتخفيف من حدة البطالة. كما يقترح تخفيف المعايير القاسية لدفع التعويض عن البطالة للمعطلين عن العمل واطالة المدة الزمنية لدفع مخصصات البطالة لاكثر من الستة اشهر القادمة.
وفي هذا البند – زيادة عجز الموازنة، يختلف فيشر عن نتنياهو الذي يقترح تخفيض ضريبة الدخل عن الرأسمال الكبير والشركات الاحتكارية كوسيلة للتنمية. وفيشر لم يصبح ابدا بموقفه هذا نصير الفقراء وعدو الاغنياء، بل من منطلق خدمة مصالح الاغنياء لا يرى في تخفيض ضريبة الدخل عاملا لدفع عجلة التنمية بل عاملا مكربجا لعجلات التنمية يفاقم تراكم الدين الداخلي القومي، ويفضل فيشر زيادة الضرائب غير المباشرة مثل الضريبة المضافة، الضريبة الشرائية والمكوس الجمركية، ويتفق مع نتنياهو اذ يقترح تقليص الموازنة للعام الفين وتسعة بسبعة الى عشرة مليارات شاقل التي مدلولها تقليص ميزانيات الخدمات الشعبية من صحة وتعليم ورفاه اجتماعي.
ويقترح ستانلي فيشر في خطته ايضا تجميد الاجور في القطاع العام والغاء علاوة الاجور التي كان متفقا عليها في هذا القطاع. ومقابل تخفيض اجور العاملين يقترح فيشر تقديم مساعدة حكومية وتدخلا حكوميا لاسعاف وانقاذ مصانع تواجه مصاعب وتواجه الافلاس والانهيار ويوجد احتمال بانقاذها من براثن الازمة. وعمليا فان ستانلي فيشر الاب الروحي لنتنياهو وشريكه في اعتماد المنهج النيوليبرالي للرأسمالية الخنزيرية وهيمنة اقتصاد السوق والخصخصة وتقزيم دور الدولة في العملية الاقتصادية، ستانلي فيشر هذا يضطر على ضوء ازمة هذا المنهج المدمرة عالميا واسرائيليا ان يتراجع مؤقتا باتجاه التوجه الى الدولة طلبا للحماية والدعم والمشاركة، في انقاذ اعمق ازمة تواجهها الرأسمالية وتشكل ازمة اعمق واخطر من ازمة الاعتدال الاقتصادي في الستة والستين من القرن الماضي، ومن ازمة الكساد الاقتصادي العالمية في سنوات 1929 – 1932 التي اوصلت وحوش البشر النازيين الهتلريين الى السلطة في المانيا، وعلى نفس هذه الخلفية، تعمق الازمة السياسية والاقتصادية في ظل سياسة الاحتلال والتمييز والعنصرية الاسرائيلية، وصلت الى سدة الحكم حكومة كوارث من قوى اليمين المتطرف والاستيطان الفاشي والعنصرية الفاشية والترانسفيرية برئاسة نتنياهو – ليبرمان – يشاي.
برأينا ان ما يقترحه العميد فيشر ليس اكثر من "سلة مخدرات" تعاطي محتوياتها توهم بنشوة كذابة ومؤقتة، تخدر قليلا ولكنها تبقي الداء وليس ابدا دواء العافية. فحتى ان الاقتصاديين من الموظفين الكبار في هذا البنك المركزي، بنك اسرائيل، يؤكدون ان التوقعات للاقتصاد الاسرائيلي تكون اسوأ قليلا اذا تم ممارسة الخطة الاقتصادية التي يطرحها ستانلي فيشر عميد بنك البنوك. ويؤكد هؤلاء انظر "يديعوت احرونوت 11/3/09 ان وتيرة النمو الاقتصادي في سنة الفين وتسعة متوقع ان تكون ناقص واحد ونصف في المئة، ولكن اذا تم تجسيد خطة ستانلي فيشر فان وتيرة النمو الاقتصادي ستنخفض الى ناقص واحد وعشر في المئة، وانه بدون خطة بنك اسرائيل ستكون نسبة التنمية في القطاع التشغيلي ناقص 2,5% ومع الخطة تنخفض الى ناقص اثنين وعشر في المئة. والاستهلاك الفردي (يعكس مستوى المعيشة) فينخفض بدون الخطة الى -15% ومع الخطة الى ناقص 0,1%، والبطالة بدون الخطة ستصل الى 7,5%، الواقع الى اكثر من 10% ومع تجسيد الخطة تنخفض البطالة الى نسبة 7,3%، وان العجز الحكومي سيصل بدون الخطة الى خمسة وعشرين في المئة من النهج القومي ومع الخطة الى 4,4% من الموازنة العامة للدولة، وان عجز الموازنة سيرتفع الى 5% من الناتج!!
اننا لا نبالغ ابدا ولا نرفع مجرد شعارات للاستهلاك السياسي الانتهازي عندما نؤكد في وقت نحلل فيه ونقدم وجهة نظرنا حول مضمون ومدلول أي خطة اقتصادية، أي سياسة اقتصادية تطرح حول العلاقة الجدلية العضوية بين الاقتصاد والسياسة وحول الهوية الطبقية – الاجتماعية للخطة وتخدم بالاساس مصلحة من الطبقات والشرائح الاجتماعية. فالخطط الاقتصادية المطروحة جاءت ايضا لتنسجم مع متطلبات حكومة اليمين المتطرف برئاسة نتنياهو – ليبرمان. فبدون استقرار سياسي وبدون استقرار اقتصادي عالمي لن يكون في اسرائيل استقرار اقتصادي يجتاز ازمة الركود الاقتصادي العميقة، فحكومة هويتها السياسية والطبقية زيادة الانفاق العسكري على الاستيطان والاحتلال والعدوان وعلى خدمة مصالح الاغنياء ستزيد من عمق الازمة وغير مؤهلة للخروج من مستنقعها الآسن. واكثر ما سيبرز انتاجه في العام الفين وتسعة هو انتاج المزيد من الفقراء والمعطلين عن العمل وتردي مستوى معيشة الفئات الاجتماعية المسحوقة في ظل حكومة كوارث مأساوية. اوضاع مأساوية مرتقبة تتطلب انطلاقة جدية لضحايا هذه السياسة المجرمة من الفقراء والمعطلين عن العمل، انطلاقة الى المعترك الكفاحي باوسع وحدة صف كفاحية يهودية – عربية. فالى جانب شعارات الكفاح من اجل السلام العادل والمساواة التامة والعدالة الاجتماعية وصد الفاشية العنصرية، فانه اصبح من الضروري في ظل ازمة الكوارث الاقتصادية – المعيشية رفع وترديد شعارات "الخبز والعمل" لانقاذ الضحايا من سوق البطالة والفقر.

قد يهمّكم أيضا..
featured

في غزة مكانٌ للحب أيضاً.. مصوِّر يوثِّق الجمال وسط الحصار بكاميرته

featured

العدالة لغزّة، وليس الوصاية!

featured

في مواجهة نتنياهو

featured

فزاعة الامن تعود للصدارة

featured

ما بعد مجلس الأمن !

featured

هكذا يشكروننا!!

featured

صلواتٌ وأمنيات من وحي المفاوضات

featured

رسالة بمناسبة حفلات التخرّج من الثانويات والكليات والجامعات