قبل أن نخوض في سياق هذا المقال والمراد منه، علينا وضع بعض النقاط على الحروف لتوضيح الحدث السوري الثوري الراهن، وربما كشف الملابسات والأحاجي التي تُغلفه وربما تريد تشويه صورته واجهاضه، قبل أن يُحدث التغيير الواجب حدوثه في ذاك البلد وفي هذا النظام كما في معظم البلاد والأنظمة العربية التي عفا عليها التاريخ وحانت حتميته المصيرية، التي لا بد لها أن تقلب ظهر المجن لتلك الأنظمة الفاسدة العاجزة وغير القادرة على وضع العرب في مكانهم الطبيعي وسط الشعوب الحية والخالدة .
كان لا بد لشعوب الأمة العربية من المحيط الى الخليج ان أرادت البقاء المُشرّف على خريطة التاريخ والجغرافيا المعاصرة، أن تغير ما بها وأن تثور وتضع نفسها في مسيرة الشعوب الديمقراطية التي أوجدت لها كرامة وطنية وقومية تاريخية يجب أن تصان وان تبقى صمام أمان. النقطة الاولى - موقف أمريكا والعالم الامبريالي الرأسمالي من هذا الحدث.لا شك أن الدور الأمريكي- الغربي الرسمي على الأقل لا يدور في فلك الشعوب العربية ولاتهمه مصالحها ، بقاؤها أو فناؤها. التجربة التاريخية مع هذا الاستعمار البائس أثبتت العكس تماما .
الاستعمار الحالي المُعولم والسابق لم ير بالبلاد العربية الا مناطق نفوذ ومصادر ثرواث وأسواقًا هائلة للبضائع الرأسمالية، حتى تستمر دورة رأس المال ولا تحصل انتكاسة ومن ثم أزمة اقتصادية اجتماعية سياسية شاملة تهدد أسس بقائه. لا بد أن نفهم بصورة واضحة تماما أن أمريكا ومن يدور بفلكها من الدول الغربية كانت وراء المصائب كلها التي حلت بالأمة العربية منذ نكبة فلسطين. وقد تجلى دورها القذر واضحا في مساهمتها المباشرة بالقضاء على نظام عبد الناصر وتجربته الثورية الحقيقية العربية التي هددت بصورة مباشرة مصالح ذاك الاستعمار وحاولت رفع شأن أمة العرب. حتى تم لها ما أرادت وكانت النكسة عام 67 التي مازالت الشعوب العربية وخاصة شعب فلسطين تدفع ثمنها الى الآن. لا بد لنا في هذه العجالة أن نؤكد أن الأزمة الرأسمالية قادمة ولا محالة وقد بدأنا نعيش بشائرها في عقر دارها وانعكاساتها السلبية على كل العالم الذي يدور بفلكها.
اليوم يتضح من خلال ما نراه ونعيشه في هذه اللحظات أن الامبريالية والرأسمالية المتوحشة والمُعولمة والمُتقننة لن تكون الحتمية التاريخية للبشرية ولا نهاية التاريخ، بل إن انتفاءها القادم ولا محالة سيكون بداية عهد جديد لبشرية تزول فيها عوامل التبعية للآخر ويزول استغلال الشعوب وتقرير مصائرها في دوائر المخابرات الغربية وبنوكها ومؤسساتها السياسية والعسكرية. لقد كتب ماركس قبل أكثر من 120 عاما أن حدوث الثورة الاجتماعية السياسية الاقتصادية لا بد له أن يحصل في أكثر الدول الرأسمالية تقدما وقصد حينها انجلترا وألمانيا.
حدث أن لينين فسر هذا الرأي بشكل مغاير وكتب انه بالامكان احداث الثورة الاشتراكية حتى في دولة متخلفة ووحيدة في آن واحد، وكانت تجربة أكتوبر والثورة الاشتراكية عام 1917 في أكثر الدول تخلفا في حينها روسيا القيصرية التي لم تكن مهيأة للثورة الاشتراكية، والتي آلت الأمور منذ ذاك الحين الى ما عهدناه وعرفناه.
في حالتنا هنا الآن وفي هذه اللحظات المصيرية ليس ضربا من الخيال أن نتوقع حدوث مثل تلك الثورة في أمريكا وحتى في اسرائيل، بعد أن انوجدت كل العوامل الاقتصادية والاجتماعية الرأسمالية المتوحشة التي تتناقض بصورة مباشرة مع العدالة الاجتماعية وحرية الفرد وحقه في العيش الكريم ، الضرورة الوجودية الأساسية لبقاء الانسانية وتطورها .النقطة الثانية – الحدث الثوري العربي الحاصل وموقف الأصولية منه .
لايمكن لحدث ثوري حقيقي أن يحصل في عالمنا العربي بدون فصل الدين عن الدولة .
الثورة الحقيقية طفرة تقضي على المسلّمات السائدة وعلى النظم القديمة الواهية وتخلق أخرى، جديدة مناقضة فيها بشائر التقدم الى الأمام . أصبح عالمنا المعاصر اليوم يعتمد بالأساس على الثورة العلمية التقنية الجبارة التي حدثت في العقود الأخيرة وغيرت حياة البشر. نكتفي بهذه العجالة بذكر حدثين علميين أوقعا ابلغ الأثر في مصير البشرية وحتى في تفكيرها المجرد في واقعها الحالي ومستقبلها القريب.
الأول - التقنية الرقمية التي غيرت وجه العالم في الاتصالات والتواصل الدولي والاجتماعي والثاني- كشف الجينوم البشري ووضع خارطة مفصلة للجينات البشرية التي باتت معدودة ومحسوبة وطوع التجارب العلمية التي سيكون فيها الكثير من الأثر البالغ على مسيرة البشرية، سيرتها وصيرورتها سلبا وايجابا.
هذه الطفرات العلمية الهائلة وغيرها الكثير سحبت البساط نهائيا من تحت أقدام الأصولية الرجعية التي تَحكمت قرونا طويلة ظلماء بمصير البشرية في الغرب والشرق على حد سواء.
جاء في مقال لنا نشرناه في "الاتحاد" صحيفة الشعب تحت عنوان "أزمة الفكر العربي في هذا العصر" في 2/5/2005 ما يأتي " لا نقصد بكلامنا هذا الأصولية الدينية المباشرة فقط وانما القصد هو الأصولية الشمولية كطريق حياة تجتاح الانسان العربي والفكر العربي في هذا الوطن الكبير.
الأصولية المراد بها هنا في مقالنا هذا هي المرض العُصابي الاكتئابي الذي أصاب الجماهير العربية وابقاها تُحلقُ في منازل الأمس وفي أفق القرون الماضية. كان لا بد لنا من هذه التقدمة لان ما يحدث في العالم العربي عامة وفي سوريا خاصة لم يأتِ من فراغ بل لا بد أن القوانين الموضوعية والأحداث التاريخية الاقتصادية والسياسية والاجتماعية أوجدته. نحن نؤمن بحركة العناصر والأشياء الدائمة في الطبيعة كذلك نؤمن بحركة المجتمعات البشرية ووجوب حدوث الثورات والطفرات التي تغير مصيرها ووجهتها الى الأحسن والأفضل والتي تصبو دائما الى العدل الاجتماعي الحقيقي الميزان الوحيد الذي يؤكد انسانية الانسان في كل زمان ومكان، الذي لم يصل بعد الى نقطة ارتكاز حقيقي على مدى التاريخ البشري كله. لا نرى أن النظام الذي يحكم سوريا منذ اكثر من 40 عاما يختلف عن الأنظمة العربية الأخرى بصورة جوهرية بل هو صورة متشابهة ومتطابقة الى حد بعيد في الفكر والفعل والممارسة، وقد خُلقت مُعظمها من رحم فاسد واحد. لا شك بأن النظام في سوريا "الأسد" ديكتاتوري يعتمد على عبادة الفرد الى الأبد وهو مع القائد المُلهم حتى لو قاد شعبه الى الجحيم والى التهلكة، تماما كما حصل مع نظام صدام حسين في العراق قبل سنوات قليلة. عَلق هذا النظام الفاسد من رأسه حتى أخمص قدميه موبقاته كلها وفشله المتكرر على شماعة المقاومة والممانعة. مقاومة من؟ وجولانه مُحتل وسليب منذ أكثر من أربعة عقود وممانعة من وقد بلع المهانة الواحدة تلو الأخرى عندما ضُرب جيشه ومنشأته في سوريا وفي لبنان، وعندما حلق الطيران المعادي فوق قصر الزعيم الأبدي الذي لم ينبس ببنت شفة الا بقول عاجز آت من قائد ونظام عاجز "بأنه يحتفظ بحقه في الرد في الوقت المناسب". لا بد انه قصد حينها الوقت الفلكي الذي يقاس بالسنوات الضوئية. حزب البعث العربي الاشتراكي العلماني الحاكم في سوريا لأكثر من خمسة عقود لم يستطع نقل المجتمع السوري نقلة نوعية حقيقية، ولم يحول سوريا والشعب العربي السوري الأبي الى مجتمع عربي مدني ولم يتمكن من الغاء القبلية والعائلية والطائفية، والأصولية التي ظهرت في المجتمع السوري عند أول هبة وهزة ثورية حقيقية. عادت هذه الآفات المريعة تعيث بالأرض فسادا في سوريا كما أصبحت تهدد بجد مكاسب الحدث الثوري العربي في مصر وتونس وليبيا واليمن. نظام حزب البعث الاشتراكي الذي أوجد دولة عسكرية بوليسية كان من المفروض به حسبما تفرضه وقائع الحرب والسلم والاحتلال وكما تقره المعلومات والوقائع انه يملك احد أقوى واحدث الجيوش في العالم ليس قادرا على القضاء على الجماعات المسلحة التي تهدد النظام والشعب حسب ما يدعيه هذا النظام وهذا بحد ذاته مأخذ كافٍ، اذا سلمنا بما يدعيه النظام، على هذا النظام ومطلب وحق شرعي وأساسي للشعب السوري يُوجب ويُبرر تغيير نظام غير قادر على حماية مكتسباته المادية والمعنوية ومن ثم حماية أمن المواطن السوري وممتلكاته وكرامته داخل تخوم دولته .حزب البعث العربي السوري الذي يتباهى بوجود جبهة ديمقراطية تقدمية حاكمة في سوريا خصوصا مع الحزب الشيوعي السوري الشقيق يسجن حتى هذه اللحظة مفكري هذا الحزب ويمنع صدور صحيفته علنيا منذ عقود وهذا نعرفه بصورة أكيدة منذ عشرات السنين وعن طريق الرفاق السوريين في معاهد العلم في الدول الاشتراكية السابقة. حزب البعث العربي الاشتراكي العلماني الحاكم في سوريا هو نسخة طبق الأصل عن حزب مبارك المعزول في مصر – الحزب الديمقراطي الوطني أو عن حزب جبهة التحرير الوطنية الجزائرية الذي بات يعرف اليوم هناك في بلد المليون شهيد بحزب الجنرالات، جنرال القمح وجنرال السكر وجنرال البنزين وغيرهم الذين سرقوا كل مقومات ونتائج الثورة الجزائرية العظيمة وحرب تحريرها وخانوا الجزائريين الشهداء منهم والأحياء باسم الثورة وباسم الشعب. دعونا نأخذ بنظرية هذا النظام وهذا القائد المفدى والباقي الى الأبد بأنه هو ونظامه الوطني وشعبه يتعرضون الى مؤامرة؟
هل يمكن لأحد منا يفكر منطقيا أن يتصور مثلا وزير دفاع في دولة عصرية مهما كانت كفاءته وقدرته لا يتغير مدة 30 عاما ومدى الفساد والتأخر الذي يُخلفه بعده أمامه ووراءه في زمن مُتغير تقني ذي وقائع سياسية علمية تقنية وحتى عسكرية تتغير كل يوم.
اذا كان هذا النظام صادقا في أقواله الثورية وأتمنى لو كان! لماذا لم يستغل منذ البداية الحدث الثوري العربي القومي الحاصل حتى يحصد تأييد الملايين ليس في سوريا فحسب بل على المد العربي كله. عندها كان من السهل له أن يكسب الرأي العام العربي ويضع حدا لكل الفضائيات المعادية التي تعمل ضده ويمنع التدخل الغربي واقتناص سوريا وشعبها الشقيق، ووضع حد لكل المؤامرات الغربية الصهيونية التي تعمل ليلا ونهارا سرا وجهارا على القضاء على المقاومة القومية العربية ولو على بعد ألف ميل من فلسطين بؤرة الصراع الدائر منذ مئة عام في المنطقة العربية، ومربط الفرس للصراع القومي العربي على قضية الوجود المجرد وصون الأرض العربية والكرامة العربية.
لماذا لزم هذا النظام مواقعه المحصنة في أقبيته وثكناته و لم يخرج الى الناس علنا وشرح صدق نظريته وفضح المؤامرة المدبرة مرة واحدة ووضع النقاط على الحروف. لماذا لم يخرج رئيس هذا النظام مثلا في بداية الصراع - المؤامرة التي تدور رحاها في سوريا الآن الى موسكو وبكين وفنزويلا والهند والبرازيل وغيرها من الدول التي تدعم الحق العربي وفضح من على هذه المنابر العالمية المناوئة للغرب والمهمة والمؤثرة اليوم في عالم مُتغير لصالحها اقتصاديا وسياسيا وربما عسكريا على المدى القريب، والتي طالما دعمت حق العرب وتقف الى الآن على الأقل ضد المؤامرة التي يحيكها الغرب ضد وجوده هو ونظامه المقاوم وشعبه الصابر.
اذا حدثت انتكاسة للشعب السوري البطل والمجاهد الذي يمثل بقيمه أجمل ما في كنوز هذه الأمة الحضارية والثقافية والقومية، سيكون النظام الحاكم هو السبب الرئيس الأول والأخير عن الحاصل ولن يرحمه التاريخ ولن يرحمه الشعب السوري.
حكم الفرد المطلق البعيد عن مطالب الشعب والأصولية المُتخلفة عن الركب الحضاري في بداية القرن الواحد والعشرين هما السبب في انتكاسات العرب في العقود الأخيرة، وهما السبب في جعلنا امة عاجزة عن تحقيق مطالبها وسبل بقائها المشرّف في هذا العصر الرهيب الذي تعيشه البشرية والذي اثبت الواقع الحاصل أن لا مكان على منصة هذا العالم للضعفاء.
(ملحوظة : اُهدي هذا المقال الى الصديق والرفيق المهندس صابر شبايطة لذكرى أيام جميلة خلت ولكنها باقية في الذاكرة الى الأبد متمنيا له الشفاء العاجل).
