"لقد أحببت شعبي حبًا ملك عليّ مشاعري وآمنت باخوّة الشعوب إيمانًا عميقًا لا تحفّظ فيه"
إميل توما
// يعتبر إميل توما بحق واحدًا من أهم مؤرخي تطور ونضال الشعب العربي الفلسطيني والجماهير العربية الفلسطينية في إسرائيل. إن من يستعرض مؤلفات إميل توما، يجد أن تسعة من مؤلفاته كرست كليا لتاريخ الشعب الفلسطيني وكفاحه المتواصل العنيد. وهي لم تستثنِ أي حدث أو تطور أو نضال للشعب الفلسطيني إلا وسجلته وحللته.. وكل من يريد دراسة القضية الفلسطينية ونشوئها وتطورها يجد في هذه المؤلفات كل ما يريد
كان إميل توما شخصية فذة متعددة النشاطات. بدأ نشاطه السياسي الوطني حتى قبل توقفه عن الدراسة. فقد مثل الطلاب الفلسطينيين في مؤتمر دولي للطلاب عقد في باريس العام 1939، أثناء دراسته في جامعة كمبريدج في بريطانيا، واضطر إلى إيقاف دراسته والعودة إلى الوطن عشية اندلاع الحرب العالمية الثانية.
انضم إميل توما إلى الحزب الشيوعي الفلسطيني عام 1939، وبادر مع توفيق طوبي وبولس فرح إلى تأسيس "نادي شعاع الأمل" في حيفا ليكون مركزًا لتوعية العمال وتوجيه نضالهم من اجل حقوقهم ولا سيما عمال المعسكرات وعمال شركات البترول. وأدى نشاط هذا النادي إلى تأسيس "اتحاد النقابات" في حيفا، الذي كان لاحقًا من المشتركين في تأسيس مؤتمر العمال العرب عام 1945.
في صيف 1943 بعد الانقسام الذي جرى في الحزب الشيوعي الفلسطيني على أساس قومي، قام إميل توما والعديد من الرفاق منهم توفيق طوبي وإميل حبيبي وبولس فرح وعصام العباسي وآخرون بتأسيس عصبة التحرر الوطني التي أعلن رسميًا عن تأسيسها في بداية 1944. وتلا ذلك إصدار جريدة "الاتحاد" في أيار 1944. وكان إميل توما المحرر المسؤول ورئيس التحرير، ومما يجب توضيحه أن "عصبة التحرر الوطني" كانت منظمة سياسية وطنية بقيادة معظمها من الشيوعيين.
ناضلت عصبة التحرر الوطني من اجل إنهاء الانتداب البريطاني على فلسطين واستقلال فلسطين دولة علمانية دمقراطية يعيش فيها العرب واليهود بسلام. وهذا مخالف كليًا لبرنامج القيادة الفلسطينية التقليدية برئاسة الحاج أمين الحسيني.
ورأى إميل توما ورفاقه في قيادة "العصبة " ضرورة إقامة قيادة وطنية بديلة للقيادة التقليدية. ولعب إميل توما دورًا بارزًا في الجهود التي بذلت لإقامة قيادة كهذه. وقامت اللجنة العربية العليا باشتراك شخصيات وطنية معروفة وأحزاب سياسية، حزب الدفاع وحزب الاستقلال وحزب الإصلاح ومؤتمر الشباب العرب والكتلة الوطنية وعصبة التحرر الوطني ومؤتمر العمال العرب ورابطة المثقفين العرب.
وتدخلت الجامعة العربية والغت الهيئة العربية العليا واللجنة العربية العليا وأعادت تأسيس الهيئة العربية العليا بتركيبها السابق وإضافة عدد من الشخصيات وأهملت القوى اليسارية.
كان إميل توما قائدًا شيوعيًا امميًا آمن بمبادئ الاشتراكية العلمية وصحفيًا بارزًا ومؤرخًا. وتابع هذا النشاط المتعدد الجوانب بعد 1948 وحتى آخر يوم في حياته، مكرسًا حياته في النضال ضد الامبريالية والصهيونية والرجعية العربية ومن اجل الاخوة اليهودية العربية والمساواة للجماهير العربية الفلسطينية في إسرائيل ومن اجل السلام العادل على أساس قيام الدولة الفلسطينية المستقلة بحدود 1967 وعاصمتها القدس الشرقية.
وكتب إميل توما: "لقد أحببت شعبي حبًا ملك عليّ مشاعري وآمنت باخوّة الشعوب إيمانًا عميقًا لا تحفّظ فيه".
// إميل توما المؤرخ
يعتبر إميل توما بحق واحدًا من أهم مؤرخي تطور ونضال الشعب العربي الفلسطيني والجماهير العربية الفلسطينية في إسرائيل.
في مقدمة مؤلفه الهام الشامل الذي نال بموجبه شهادة الدكتوراة من جامعة موسكو عام 1968 "مسيرة الشعوب العربية في العصر الحديث"، كتب "جذبني التاريخ إلى رحابه دائمًا. وجذبني التاريخ العربي بشكل خاص لسببين، سبب ذاتي وهو انتمائي القومي، وسبب موضوعي يكمن في تنوع التاريخ وتراثه.. في زخمه العنيف وعمقه الهادئ".
إن من يستعرض مؤلفات إميل توما، يجد أن تسعة من مؤلفاته كرست كليا لتاريخ الشعب الفلسطيني وكفاحه المتواصل العنيد الذي لم يتوقف منذ الإعلان عن وعد بلفور وحتى يومنا هذا، كفاحًا متنوعًا من اجتماعات ووفود ومظاهرات وانتفاضات دموية وإضراب عامّ سنة 1936 استمر ستة أشهر، وثورة مسلحة تبعت ذلك.
من أهم المؤلفات "ستون عامًا على الحركة القومية العربية الفلسطينية" ومؤلفه "جذور القضية الفلسطينية". أما مؤلفه "طريق الجماهير العربية الكفاحي في إسرائيل" فهو سجل تاريخي شامل لما قاسته الجماهير العربية في إسرائيل من حكم عسكري ونظام تصاريح سفر، ومصادرة الأراضي، وقانون الجنسية العنصري .
إن سياسة الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة تجاه الجماهير العربية هي سياسة عنصرية ما زالت مستمرة حتى يومنا هذا، سياسة تمييز في كل نواحي الحياة، هدفها الاقتلاع والتشريد وهدم البيوت... ولكن الجماهير العربية صمدت أمام هذه السياسة العنصرية وتمسكت بعيشها في وطنها، وناضلت ضد هذه السياسات العنصرية مقدمة الكثير من التضحيات. وكان لإميل توما دور هام في تنظيم هذا النضال السياسي اليهودي العربي، واذكر الجهود الكبيرة التي كان يبذلها أبو ميخائيل في تجنيد شخصيات يهودية لحضور المؤتمرات القطرية التي عقدت ضد هذه السياسة أو الحصول على رسائل تأييد لهذه المؤتمرات وأهدافها.
وآخر مؤلفات إميل توما هو "منظمة التحرير الفلسطينية" حيث رحل قبل إتمام هذا المؤلف بشكل يمكن تقديمه للطباعة. فكان من الضروري إتمامه وتقديمه للطبع بشكله النهائي. ويشمل هذا المؤلف ذكرًا لبداية النشاط الفلسطيني المستقل وقيام مختلف التنظيمات الفلسطينية وأهمها "فتح"، والدور الحاسم الذي قام به القائد الخالد للشعب الفلسطيني "ياسر عرفات" في توحيد هذه التنظيمات وقيادة نضال الشعب الفلسطيني.
هذه المؤلفات التسعة المخصصة لتاريخ الشعب الفلسطيني وكفاحه، تشمل كمًا هائلا من الحقائق التاريخية والتحليلات الموضوعية. ولم تستثنِ أي حدث أو تطور أو نضال للشعب الفلسطيني إلا وسجلته وحللته.. وكل من يريد دراسة القضية الفلسطينية ونشوئها وتطورها يجد في هذه المؤلفات كل ما يريد.
// "تاريخ مسيرة الشعوب العربية في العصر الحديث"
كما ذكرت نال إميل توما شهادة الدكتوراة من جامعة موسكو عام 1968، بعد أن دافع بنجاح عن أطروحته الهامة "تاريخ مسيرة الشعوب العربية في العصر الحديث". وتقع هذه الأطروحة في 612 صفحة. وهي سجل تاريخي لأحداث الأقطار العربية خلال ما يقارب الخمسمائة عام، أي خلال حكم الإمبراطورية العثمانية لكل الأقطار العربية عدا مراكش.
ويستعرض المؤلف ما جرى في الأقطار العربية خلال هذه الفترة الطويلة من أحداث، من جمود وكفاح شعوب هذه الأقطار لتحسين أوضاع معيشتها، أو للتحرر من حكم بني عثمان، كمحمد علي باشا في مصر الذي نجح في التحرر من سيطرة الإمبراطورية العثمانية، وأرسل ابنه إبراهيم باشا إلى الشمال إلى فلسطين ولبنان وسوريا لإقامة دولة عربية كبيرة. ونجح في هذا إلى حد كبير، لولا تدخل الإمبراطورية البريطانية التي رأت في ذلك تهديدًا لمصالحها المستقبلية فساعدت السلطات العثمانية للقضاء على هذا الحلم، أو ظاهر العمر الذي نجح وان كان على نطاق ضيق في الاستقلال في الجليل وفي تنفيذ مشاريع مختلفة لتقدم البلاد وازدهارها.
إن معرفة تاريخ شعبنا وكفاحه هي شرط للعمل المثابر في خدمة هذا الشعب وفي مواجهة السياسة العنصرية الإسرائيلية تجاه الجماهير العربية.
