اللهجة المتذمرة تحولت إلى خطاب عمل يثق بقدرات الناس وبالأساس الشباب
* هذا الشارع الذي قاده شباب، في العقود الأولى من أعمارهم، رفضوا أن يُخدش مشوار سبعة آلاف سنة، بانشقاقات ودويلات خدمة لمطامع وجنون البعض. مصر سلطة واحدة لبلد واحد
* مصر أمينة لنفسها. لا تريد، ولن تقبل أن تكون بلدة يحكمها الخط الأكثر تطرفًا والأكثر انعزالاً، لا دينيًا ولا طائفيًا ولا نُخبويًا
قبل هذه الثورة، وفي بحثهم عن شيء يقدموه لمصر، خطط هؤلاء، حسب ما فهمته من خلال الحوار مع وائل غنيم، القيام بحملة تنظيف واسعة لمواقع مهملة في القاهرة، من أجل حث المسؤولين على القيام بدورهم.
مصر هي حضارة سبعة آلاف سنة، ومع أن "الزمن شاب"، وبقيت هي "شابة"، كما يقول احمد فؤاد نجم، ولكن للزمن أثرة، فحضارة بهذا العمر، تدرك أنها وإن كانت مُقدمة على التغيير، وحتى وإن هزها نبض شبابها الأصيل، فلن تنحى حتى في وسط البحر الهادر، كما يريد لها البعض، إلى موانئ غريبة تشعر فيها غريبة "الوجه واليد واللسان".
مصر أمينة لنفسها. وأمانة مصر لنفسها تظهر في أمرين مرتبطين ارتباطً وثيقًا. الأول، أنها لن تقبل أن تكون مجزّأة، كما يريد لها من أراد هذا المصير للعراق. بدأ هذا الرفض بالتلاحم القبطي الإسلامي، حتى قبل الوصول إلى ميدان التحرير، حينما نهضت مصر كلها، محتجة ورافضة لتفجير كنيسة القديسين، في الإسكندرية. وربما سنعرف لاحقًا، أثر هذا التفجير على انطلاقة الانتفاضة الشبابية، بعد 25 يومًا من الجريمة. هذا الشارع الذي قاده شباب، في العقود الأولى من أعمارهم، رفضوا أن يُخدش مشوار سبعة آلاف سنة، بانشقاقات ودويلات خدمة لمطامع وجنون البعض. مصر سلطة واحدة لبلد واحد.
والأمر الثاني أن مصر أمينة لنفسها، أنها لا تريد، ولن تقبل أن تكون بلدة، يحكمها الخط الأكثر تطرفًا والأكثر انعزالاً، لا دينيًا ولا طائفيًا ولا نُخبويًا.
*علاء وتامر*
رفض جمهور الشباب استقبال الفنان تامر حسني في ميدان التحرير، وكان من المفروض أن يفتح هذا الميدان ذراعيه مستقبلًا له. جاء تامر حسني، للميدان كما يقول، ليعتذر عن ظهوره المؤيد للنظام، في الأيام الأولى لثورة 25 يناير. رفض الشباب الاعتذار وأعاده خائبًا.
والحقيقة أن تامر حسني، هو نموذج للانقطاع بين الفن، على الأقل الذي نشاهده، في القنوات المصرية والفضائية عامة، وحياة الشعب ومنها قضايا الشباب المحرقة.
هذا الانقطاع مثير ولكنه ليس جديدًا. في حينه قبل أربع سنوات بالضبط (في كانون الثاني 2007)، كتبت في الإتحاد مقالاً بعنوان "فين أيامك يا طنطاوي؟"، وبرأيي أنه مقال يعكس الحالة اليوم، وربما بالذات اليوم، حيث ورد في المقال: "لا أعرف لماذا، عندما أشاهد فيلما مصريا من أفلام الصرعة الحديثة، ينتابني شعور بأنني أمام أفلام هاربة، عن سابق إصرار وترصد، من مجتمعها نحو واقع غير موجود، وفي أحسن الأحوال نحو واقع تم تجميله لدرجة أنه لا يمكن معرفته (...) لماذا ينتابني الشعور، عندما أشاهد الصرعة الحديثة، أن السينما المصرية استسلمت، ورفعت الأعلام البيضاء معلنة أنها ليست قادرة على معالجة التحديات الشائكة التي يضعها المجتمع المصري أمامها."
باعتقادي أن الوضع منذ ذلك الحين فقط تفاقم، عندما تشاهد نفس الممثل في أربع فضائيات، في أربعة أفلام مختلفة وفي نفس الوقت. و"بالعافية"، كما يقول المصريون، يريد إضحاكك. لست أنا فقط، على أساس أنني، ربما، دقة قديمة، بل ألاحظ أنه حتى الشباب ينفرون منها. وأتساءل لدى رؤيتي مدى تعاسة هذه الأفلام، من هم منتجوها وكاتبو نصوصها ومخرجوها، هل حقًا هم مقتنعون بما أبدعوا؟
على عكس ذلك وجدت مثلُا أن الكاتب علاء الأسواني قد غاص في بحر المجتمع المصري بنظرة عاشقة ونقدية، فخرجت هذه اللؤلؤة- رواية "عمارة يعقوبيان". هذه العمارة كشفت لنا ما يدور في "مصر العشة ومصر القصر"، كما يقول المصريون، وما نشهده اليوم من تقارير عن فساد من جهة وتأجج ثوري من جهة أخرى، وجدناه بشكله البديع في الرواية. علاء الأسواني هو كاتب الثورة، ناقوسها ونفيرها، على الأقل في مجال الأدب.
*الاشعاع المصري الجميل*
الحقيقة أن ثورة مصر كشفت وجهًا آخر لأسباب وضعنا المتخلف، وهو الشك في مقدرات الجيل الجديد. أما الأبنودي، شاعر مصر العظيم، فأطلق على هذا لنظام لقب "العواجيز".
وفي حديث مؤثر، تتخلله الدموع، يقول احد رموز هذه الثورة الشبابية، وائل غنيم، إن المحققين لم يصدقوا أنهم، هم هم، من قام بالثورة، وأنهم، هم هم، من خطط للمظاهرات، وهم هم من استخدم الفيسبوك وتويتر والايميلات وكل ما تتيح لهم الثورة العلمية. السؤال لماذا تصر الدولة، ممثلَة بحكومة العواجيز هذه، أن تلصق بهم تهمة تنفيذ مخططات عدو خارجي موهوم.
قبل هذه الثورة، وفي بحثهم عن شيء يقدموه لمصر، خطط هؤلاء، حسب ما فهمته من خلال الحوار مع وائل غنيم، القيام بحملة تنظيف واسعة لمواقع مهملة في القاهرة، من أجل حث المسؤولين على القيام بدورهم. ومن المعروف أن شرارة العمل التطوعي انطلقت من يافة الناصرة لدى تسلم الشيوعيين وحلفائهم، بقيادة اسعد يوسف، للمجلس المحلي، وفيما بعد أقيم مخيم العمل في الناصرة، بقيادة الجبهة وتوفيق زياد. وقد كنا في اللجنة القطرية للطلاب الثانويين العرب، ثانويون وليس جامعيين، بالمبادرة لعرض المشروع على البلدية، فتحول المخيم إلى مظهر من أجمل مظاهر العطاء لهذا الشعب.
وكما في مصر "أم الدنيا"، فبالضبط في فترات الخمول عندما يشعر الفرد والمجتمع أنهم يراوحون في نفس المكان، تنطلق الشرارة لتلهب الجميع، فتتحول اللهجة المتذمرة إلى خطاب عمل يثق بقدرات الناس وبالأساس الشبان، بهمتهم وعطائهم.
مصر أم الدينا، ونحن من هذه الدنيا، ومن روادها. فهذا لشعب هو الذي علم العالم كلمة انتفاضة، وعلم طلابه الدنيا معنى التطوع والعطاء، لا بأس من التمثل بغيرنا، وأسوة بمصر وعلى قد حالنا، لننطلق محدثين ثورة في هذه المجتمع، في محاربة سلبياته: العنف المدمر والفساد الذي رفع رأسه في مؤسسات رسمية وشبه رسمية. هذا الشعب الذي صمد في وجه المستحيل، مطلوب منه اليوم، وبالذات من شبابه، أن ينتزعوا المبادرة، لأن الحياة لا تؤخذ إلا غلابا.
