التناقض الرئيسي
بعد أكثر من أربعة عقود ونصف على صدوره بالطبعة الاولى عام 1968، يعود "معهد إميل توما للدراسات الفلسطينية والإسرائيلية " ليصدر كتاب الدكتور إميل توما "جذور القضية الفلسطينية" من جديد. فهذا الكتاب ما يزال يحتفظ بحيويّته، وما يزال يشكّل مصدرًا ثوريًّا متميزًا للمعرفة، ونموذجًا لتحليل علميّ متجدد للقضية الفلسطينية وللصراع بين حركة التحرر القومي العربية والحركة الصهيونية، بصفتها أداة المشروع الامبريالي في المنطقة، ويعكس مركزية القضية الفلسطينية في كل ما يجري في منطقتنا، ليس في تاريخها فقط بل في حاضرها وما تتعرض له من مؤامرات لتصفيتها اليوم ايضا.
وليس من قبيل الصدف أن يكون إميل توما رائدًا في قراءة التطور التاريخي وتدوينه من وجهة نظر الشعب الفلسطيني وحمل هموم الطبقات الشعبية المسحوقة والمكافحة، من فلاحين وعمال، كانوا الضحايا المباشرين للانتداب البريطاني وللمشروع الصهيوني ولسياسة احتلال الارض والعمل. ويعكس إميل توما في "جذور القضية الفلسطينية" مصالح هذه الطبقات ومفهومها للصراع، في مواجهة مع المفاهيم الاستعمارية للتاريخ، وبعيدا عما عرضه المثقفون المرتبطون بالقيادة التقليدية التابعة والمرتبطة بالاستعمار والتي كانت تخشى كفاح القواعد الشعبية والمد الثوري المعادي للاستعمار، أكثر من خوفها مؤامرات الامبريالية والصهيونية.
بمنهجه المادي الجدلي نجح إميل توما - المؤرخ والتاريخ، المفكر الماركسي والقائد السياسي، أن يحدد طابع الصراع والتناقض الاساسي فيه، مشدّدًا على أن التناقض الحاسم الذي نشأت في ثناياه القضية الفلسطينية، هو التناقض بين الطموحات القومية التحررية للشعب الفلسطيني أسوة بشعوب المنطقة، وبين الامبريالية ومشاريع هيمنتها، والنظام "الجديد" الذي أسست له معاهدة سايكس بيكو عام 1916، بهدف إحكام السيطرة الامبريالية على تركة الامبراطورية العثمانية المتفككة وتوطيد نظامها الاستعماري الذي لا تغيب عنه الشمس .. وبضمن ذلك "وعد بلفور" ومشروع الوطن القومي اليهودي في فلسطين الذي تبنته الامبريالية البريطانية.
لكن إميل توما أثبت في السياق نفسه وبما لا يقبل الشك، بأن الصهيونية ولدت في رحم الامبريالية، وأنها من إفرازات انتقال الرأسمالية، من مرحلة السوق الحرة الى مرحلة الاحتكار والامبريالية . واعتبر أنها كانت وما تزال أداة الامبريالية المركزية المُعْتَمَدَة في إجهاض حركة التحرر القومي العربية الصاعدة، وفي مشاريع الهيمنة الامبريالية وحماية مطامعها الاستراتيجية الحيوية في المنطقة. وأثبت إميل توما بالاعتماد على مصادر صهيونية كلاسيكية ومصادر الامبريالية المتنفّذة، أن الدولتين الاستعماريتين الاقوى في القرن التاسع عشر، بريطانيا وفرنسا، كانتا تبنيان على فكرة الوطن القومي اليهودي بمفهومه الصهيوني في فلسطين قبل نشوء صهيونية هرتسل بعقود . وأبرز أن الامبريالية البريطانية، وفي سباقها لقطع الطريق على قوًى امبريالية منافسة (المانيا مثلا) أصدرت وعد بلفور، وجعلت من نفسها صاحبة مشروع "الوطن القومي اليهودي في فلسطين"، امتدادًا لمشروع هيمنتها في المنطقة كما تبلور في النظام العالمي والشرق أوسطي الجديد الذي تلا الحرب العالمية الاولى. وهو ما جعل من الانتداب البريطاني الضامن الاساسي لخلق المقدمات المادية على الارض لتنفيذه، وصولا الى نكبة الشعب الفلسطيني.
وفي اطار التزامه بالمنهج المادي التاريخي لم يرَ إميل توما بتاريخ الصراع الدائر على الارض الفلسطينية مجرد مسلسل من الاحداث المتتالية والمنفصلة عن التطور العام، بل رأى بها عمليات تاريخية اجتماعية واقتصادية وسياسية متفاعلة تجمع بين التطورات السياسية والمتغيرات الاقتصادية وعمق تداخلها مع سياسة بريطانيا الدولة المنتدِبة وأهدافها الامبريالية الكبرى، ومتأثرة بتطور الصراعات العالمية والمنافسة بين القوى الامبريالية المختلفة.
واعتبر إميل توما من موقعه، قائدا سياسيا ومؤرخا أن تحديد التناقض الرئيسي الحاسم، كالتناقض بين حركة التحرر القومي العربية والشعب الفلسطيني من جهة، وبين الامبريالية ومشروع الوطن القومي اليهودي (الامبريالي) الذي تبنته من الجهة الاخرى، يشكل مفتاحا أساسيا لفهم طبيعة الصراع الدائر في فلسطين وعليها. وأبرز الدور المباشر الذي لعبته الكولونيالية البريطانية التي جعلت من الانتداب على فلسطين، أداة للتحضير للوطن القومي اليهودي، رعت من خلاله عمليات "بيوع الاراضي" الفلسطينية الواسعة، ونقلها من كبار الاقطاعيين المقيمين غالبا خارج فلسطين إلى أيدي المنظمات الصهيونية، ووفرت الحماية لعمليات طرد الفلاحين العرب منها وتدمير قراهم وتشريدهم منذ عشرينات القرن الماضي. وأبرز من جهة أخرى قيام الانتداب البريطاني بالتحكم بفتح أبواب الهجرة اليهودية الى فلسطين كلما سنحت الفرصة، ودعم الاقتصاد الصهيوني وتشجيع الاستثمار وتعميق الفجوة بين الاقتصاد الصهيوني، والاقتصاد العربي وتسهيل مهمة الهيمنة الصهيونية في فترة الييشوف . وبالمقابل تبني الانتداب البريطاني موقف القيادة الصهيونية الفاضح، الذي أصر على خنق أية إمكانية لانتخاب مؤسسات حكم تمثيلية بشكل ديمقراطي في البلاد ما لم تضمن التغيير في التوازن الديمغرافي أولا ونشوء أكثرية يهودية في فلسطين . وعندما احتدم الصراع مع الانتداب البريطاني في أواسط ثلاثينات القرن الماضي حول مطلب الحركة القومية العربية انتخاب مجلس تشريعي يساهم في إدارة فلسطين ووضع سياساتها، انبرى الزعيم الصهيوني حاييم وايزمن يقول : " إن مجرد الحديث عن منتخبين عرب يمثلون شعبهم يتناقض مع المبدأ الديمقراطي، الذي يفترض أن يكون تعبيرا عنه . إن مجلسا تشريعيًّا في فلسطين، سيكون مجرد معطف معاصر لنظام الاقطاعية القديم " .(جذور القضية الفلسطينية _ ص 222)
ويجب أن يكون واضحًا أن تحديد التناقض مع الامبريالية كتناقض رئيسي لا يأتي للتقليل من حدّة التناقض مع الصهيونية ومشروعها العنصري الاقتلاعي كما يطيب لبعض "المتحمسين" أن يروا، وانما يأتي ليضع الصهيونية ويضع مشروعها في سياقه التاريخي الصحيح . فإن الطابع الكولونيالي لمجتمع الهجرة الصهيوني شكّل نقيضًا نافيًا لوجود القاعدة الماديّة الأساسية للكيان السياسي لشعب فلسطين. وان جوهر السياسة البريطانية القائم على سياسة فرِّق تسد، وضع الوطن القومي اليهودي منذ بداية الانتداب، مقابل الحركة القومية العربية التحررية، ودفع بمشروع الوطن القومي اليهودي، بحيث يصبح موازيا في توازن القوى لحركة الشعب العربي التحررية في فلسطين، ليدحرها في العام 1948 مخلفا نكبة الشعب الفلسطيني.
ويثبت إميل توما أن الانجازات التي حققتها الصهيونية في فلسطين وفي المنطقة العربية، كانت ممكنة فقط في إطار المشاريع الامبريالية وفي خدمة أهدافها، وفي ظل تواطؤ النظام الرجعي العربي والقيادة التقليدية العربية التي امتنعت عن مقاومة الامبريالية البريطانية ولجأت الى منافسة الصهيونية على كسب ود الأولى، وتقديم الخدمات لمشاريعها .
كانت هذه هي المعادلة في الماضي وهي المعادلة اليوم، ليس نظرية مؤامرة، وإنما مؤامرة فاضحة، تصطدم في إطارها الحركة القومية التحررية الفلسطينية والعربية مع ثالوث الامبريالية والصهيونية والرجعية العربية، جميعها معا وكل واحدة منها على حدة .
وأثبت أيضا أن التناقضات الثانوية التي ظهرت بين الممارسات الصهيونية وسياسات الامبريالية البريطانية، لم تؤدِّ في يومٍ من الايام الى فك ارتباط الصهيونية بالامبريالية، بل جعلت القيادة الصهيونية تناور بين القوى الامبريالية المتنفذة، لتستقرّ أخيرا في أحضان الامبريالية الامريكية المنطلقة وبالاندماج في مشاريع هيمنتها في المنطقة وفي العالم على حساب القوى الامبريالية القديمة.
ويبين "جذور القضية الفلسطينية" أن الامبريالية والصهيونية لم يكن بمقدورها أن تمرر مشروعها التآمري على الشعب الفلسطيني، دون اضطلاع الرجعية العربية والقيادة التقليدية للحركة القومية بدورها في تحييد الشعب الفلسطيني وجماهيره الوطنية الواسعة وقاعدته الفلاحية والعمالية عن المشاركة السياسية، وتحجيم حريته في القاء وزنه في الصراع مع الامبريالية ومشاريعها لفلسطين وفيها.
نضال شعب فلسطين – بين روايتين:
إميل توما وسفاهة بن غوريون !!
ولفت إميل توما الى أنه في كل مرة جرى الاحتجاج والصدام الشعبي مع سياسة الانتداب البريطاني، كان هناك من تطوع في داخل القيادة التقليدية للحركة القومية الفلسطينية لحرفه عن مساره المناهض للامبريالية ليأخذ شكل صدام عنصري ديني أو قومي ضد اليهود، يساعد الحكم الاستعماري على طرح نفسه على أنه الحل الذي يجب توطيده في فلسطين وليس المشكلة التي يجب حلها ..
وقد توقف إميل توما مليًّا عند لحظات النهوض القومي التي جرى فيها نقل الصراع مع الامبريالية والصهيونية من ميدان السياسة إلى ميدان الدين ومن ميدان التاريخ الى خارج التاريخ، موضحا كيف كان ذلك دائما يصب في خدمة المشروع الاستعماري – الصهيوني، ويحرف النضال الشعبي المعادي للامبريالية عن مجراه تماما كما يحدث في أيامنا .. ويتوقف إميل توما عند التمايز الذي نشأ داخل القوى السياسية الفاعلة على المسرح السياسي العربي الفلسطيني في بداية ثلاثينات القرن العشرين في وقت انتعاش الحركة القومية العربية وتصاعد المد القومي والصدام مع الامبريالية البريطانية الذي أعقب انتفاضة الفلاحين عام 1929 وصدور الكتاب الابيض عام 1930، فيتحدث عن : "ظهور تيار يغلّب الطابع الاسلامي على الحركة القومية العربية ويضفي على الصراع لونًا دينيًّا بحيث يصبح الصراع القومي صراعًا دينيًّا" وبادر هذا التيار الى تنظيم "المؤتمر الاسلامي العام" في القدس في مطلع العام 1932، وفي قلب الصراع القومي الصدامي الدامي الدائر على الارض، ركز المؤتمر قراراته على "مقاومة الالحاد" و"تنمية التعاون بين المسلمين" و"صد الغارة على الدين" واكتفى بإعلان استنكاره لأي نوع من أنواع الإستعمار بما فيه الاستعمار الروسي في بلاد تركستان !! لكنه لم يرفع نداء الجماهير العربية في فلسطين ولم يتضامن مع نضالها التحرري".
ونحن نسوق هذه العيّنات لأن قضية التحرر القومي الفلسطينية والعربية ما زالت تتعرض الى يومنا هذا إلى محاولات حرفها عن مساراتها الوطنية والتقدمية المناهضة لمشاريع الهيمنة الامبريالية واستبدالها بمتاهات أصولية تجعل من انتظار الخلافة الاسلامية هَمَّ الشعوب الشاغل. وحتى لا نكون قد تجنينا على هذه الحركات فإننا نستند الى مصادرها هي ونسوق ما ذهب اليه الشيخ يوسف القرضاوي في كتابه :"الإخوان المسلمون" (1999) بقوله :"إن الوطنية هي بدعة من صنع الدول الاستعمارية، تروج لها بهدف تفتيت وحدة المسلمين " وايضا في كتابه :"معالم المجتمع الاسلامي الذي نطمح اليه" (2001) حيث جاء :" إن تفضيل الوطن على الدين ، وإعطائه الاولوية يجعل من الوطنية كفرا وعبادة أوثان " إ إن البديل الذي نطرحه لهذا الكلام هو التأكيد على أن من يبني تناقضا مفتعلا بين الدين وبين الدفاع عن الوطن وعن الانخراط في النضال الوطني ، فإنه ليس في أي حال من الأحوال أكثر انتماء الى الدين وقيمه ، ولكنه بالضرورة أقل انتماء الى الوطن ، وأكثر تورطا في خدمة المشاريع الامبريالية والصهيونية في المنطقة . وسوف يبقى موقف الحركات الدينية الاصولية من القضايا الوطنية ، ومناهضة الامبريالية والصهيونية والرجعية العربية هو هو المقياس الذي به تقاس مصداقيتها والاساس الذي يجري تصنيفها على أساسه .
إن أهمية رواية التاريخ الفلسطيني من وجهة النظر الوطنية التقدمية المعادية للامبريالية والصهيونية والرجعية العربية، والتي يشكل إميل توما أحد أهم أعمدتها، ورواية تاريخ الصراع الثوري الذي خاضته حركة التحرر القومي الفلسطينية والطبقات الشعبية، والتي يشكل كتابه "جذور القضية الفلسطينية" رأس الزاوية في التأريخ لها، ليست مسألة تتعلق بالدقة التاريخية والعلمية فقط، بل تتعلق في أن الرواية التاريخية تتحول في لحظة معينة إلى سلاح ماض ومدمر في يد المتآمرين، وأداة كفاحية تحررية في يد الشعب الفلسطيني الذي لا زال يخوض معركة استقلاله في ظروف بالغة التعقيد والخطر وفي مواجهة التزوير التاريخي والتضليل وخلط الاوراق .
ومن أبرز الحالات التي يفككها إميل توما في هذا السياق ، رفضه التعامل مع ثورة العام 1929 على أنها "أعمال شغب" ومذابح بحق اليهود في الرواية الصهيونية، أوعلى التعامل معها على أنها "صدام ديني" في عُرف القيادة التقليدية العربية تحت مسمى"ثورة البراق"، أوعلى أنها عمليات انتقام وشغب عربية يهودية في عرف الانتداب البريطاني تستدعي تثبيت وجود الانتداب، ليس على انه المشكلة، بل على أنه حلها .
فقد اعتبرها في جوهرها انفجارا ثوريًّا ووطنيًّا في وجه المستعمر على الرغم من بعض مظاهرها السلبية المؤلمة التي اتخذت شكل مذابح واصطدامات طائفية، وتعامل معها على أنها ثورة الفلاحين العرب ضحايا المشروع الصهيوني المباشرين، ضد الاستعمار البريطاني الذي يرعى بيوع الاراضي من الاقطاعيين العرب ونقلها الى الحركة الصهيونية، ويشجع الهجرة اليهودية الاستيطانية الى فلسطين، وما رافق ذلك من أعمال طرد اللفلاحين وسلخهم عن الأرض التي فلحوها وعاشوا فوقها جيلا بعد جيل، دون ان تُعَدَّ لهم أراض أخرى يزرعونها ويعتاشون منها (فلاحو العفولة مثلا)، فأخذت تنشأ في البلاد طبقة من الاهالي بلا أرض، وصفتها لجان التحقيق الملكية البريطانية بأنها "طبقة مستاءة تشكل خطرا على البلاد ." من الفلاحين المُعْوِزين المُقْتَلَعين، الذين كانوا اول المهجرين الفلسطينيين، والذين وصلت نسبتهم عام 1929 الى 29% من الفلاحين.
بهذه الادوات، وبهذه القراءة لتفاعلات القومي والطبقي، السياسي والاقتصادي، الكولونيالي والاستيطاني من جهة والنضال التحرري من الجهة الاخرى، ينبري اميل توما لتقديم تحليل بديل يكشف الطابع الثوري التحرري للصراع المعادي للاحتلال البريطاني الذي خاضه الشعب الفلسطيني والثورة التي أطلقها في العام 1936، والاضراب الكبير الذي دام ستة أشهر وما رافقه من عصيان مدني ومقاطعة لمؤسسات الحكم البريطاني، ومقاومة شرسة لجيش المستعمرين، في تجاوز للقيادة التقليدية في فلسطين وللرجعية العربية، وفي تَحَدٍّ لعلاقاتها الممالئة للامبريالية.
إن هذه القراءة والتأريخ البديل الذي يقدمه إميل توما هو جزء من المعركة، يتحدى في إطاره مع رواية بن غوريون عن ثورة 1936 التي امتدّت ثلاث سنوات حيث قال:
" لم تكن هناك انتفاضة قومية ... ولم يشارك الشعب العربي أو جله في الحوادث، فهو (الشعب الفلسطيني ع.م) يفتقر الى الارادة والطاقة والقوة لأن يثور. أقلية ضئيلة تحارب حتى الموت وتستخدم في قتالها أي وكل وسيلة وترتكب أبشع الجرائم " . (روبرت سنت جورج كتاب "بن غوريون" ). بهذا الكلام جسّد بن غوريون موقف القيادة الصهيونية من حركة التحرر القومي العربية ونضالها من أجل الاستقلال وتصفية نظام الانتداب الامبريالي. لقد رفضت القيادة الصهيونية تاريخيًّا، وما تزال ترفض، مجرد الاعتراف بحركة الشعب الفلسطيني القومية، وأصرّت وما زالت تصر على وصفها بالاجرام والوحشية، والإرهاب ، ولم يكن في مقدورها ان تتصور طاقتها على الثورة والبطولة . وتصور المحافل الصهيونية ثورة 1936 وكأنها "شغب " نظمته فئة من الافندية الاقطاعيين، وهي التي تستخدم الاقطاعيين كعملاء لها، تحاول ان تبيض صفحتها بهذا الكلام، وأن تزيل الصفة الثورية عن نضال الشعب الفلسطيني وحركته القومية .
لقد كانت الامبريالية والصهيونية منذ البداية، تراهنان على إخراج الشعب الفلسطيني من التاريخ السياسي للمنطقة ، وإخراج وزنه السياسي والاقتصادي من المعادلات المقررة ومحو نضاله الوطني من الرواية التاريخية .. باعتبار أن المشروع الامبريالي الصهيوني جاهز ونافذ ، وباعتبار وجود حركة وطنية معادية للاستعمار عائق طارئ يجب إزالته من الطريق . ومن هنا يصبح تشويه نضال الشعب الفلسطيني وتشويه روايته التاريخية والتعتيم على مؤرخيه الوطنيين والتقدميين جزءًا من التنكّر للشعب الفلسطيني وتسخيفًا لحقوقِهِ القوميّة.
قرار التقسيم والخيارات الصعبة
شكل التاسع والعشرون من نوفمبر 1947 لحظة حاسمة في قضية فلسطين ، وفي معركة الشعب الفلسطيني على مصيره وعلى مستقبله. وشكل نقطة تحول في تاريخ البلاد ، وفي صياغة الخارطة الجغرافية والسياسية في المنطقة. وشكلت تداعيات القرار الدولي وإعلان قيام إسرائيل خلال نصف عام في حدود أوسع من الحدود التي أقرها قرار الجمعية العمومية ، محور الصراع الإسرائيلي العربي ومعالم حله حتى يومنا هذا. وجعلت التطورات من المنطقة مسرحا مركزيا للصراع، بين المشاريع الامبريالية العالمية المتحالفة مع الصهيونية والرجعية العربية، وبين مناهضيها . فقبل سبعة وستين عاما تم إقرار قرار التقسيم في الجمعية العمومية للأمم المتحدة بشأن فلسطين. وحدد موقف المنظومة الدولية بشأن إنهاء الانتداب البريطاني ، وإقامة دولتين عربية ويهودية في فلسطين وفي الوقت الذي قبلت فيه القيادة الصهيونية قرار التقسيم رسميا، فإنها رأت به مقدمة، وليس بديلا ، عن تنفيذ مشروعها التوسعي المبيت المتواطئ مع الانتداب البريطاني، لاحتلال كل ما تطاله قواتها العسكرية ومن يدور في فلكها من عصابات إرهابية، من خلال عمليات التطهير والتشريد والتفريغ المبرمج للشعب الفلسطيني واقتلاعه من وطنه. وفي الوقت ذاته فإن الرجعية العربية ( ممثلة بالنظام العربي الرسمي وجامعة الدول العربية)، التي رفضت قرار التقسيم رسميا، قامت بإرسال جيوشها (غير الجاهزة وغير المجهزة ) إلى فلسطين، لتصادر قرار الشعب الفلسطيني وطموحاته الوطنية ولتجمع أسلحته ، لحرمانه من حقه الأولي حتى في الدفاع عن وطنه . ولم يعد خافيا أن الجيوش العربية لم تدخل إلى فلسطين لمنع قيام الدولة اليهودية وإنما دخلت وأخذت مواقعها لتمنع قيام الدولة العربية وتستبقه. وشكلت ذريعة بررت بها القيادة الصهيونية أمام العالم مشروعها التوسعي المبيت والمخطط مسبقا للاستيلاء على فلسطين .
ويسود الانطباع الخاطئ لدى الكثيرين، بعضهم عن سوء نية وبعضهم عن عدم اطلاع ، وكأن الحل القائم على تقسيم فلسطين والذي انعكس في قرار الجمعية العمومية في 29 نوفمبر 1947 ، هو خيار الشيوعيين الفكري والسياسي . وأن رفض التقسيم ، هو مشروع القوميين ومشروع النظام العربي القومي الرسمي. بينما العكس هو الصحيح . فالشيوعيون في فلسطين : الشيوعيون اليهود المنظمون في حينه في الحزب الشيوعي الفلسطيني ، والشيوعيون العرب وحلفاؤهم المنظمون منذ العام 1943 في عصبة التحرر الوطني ، كانوا القوة الأكثر مثابرة على الساحة الفلسطينية والعربية في رفض فكرة تقسيم فلسطين، وطرحوا مشروعا ديمقراطيا ووطنيا بديلا، وتمسكوا على طول الطريق، بحل العقدة الفلسطينية من خلال إنهاء الانتداب البريطاني و"اقامة دولة مستقلة ديمقراطية موحدة لجميع سكانها" ، وفق صيغة عصبة التحرر الوطني . أو "دولة ديمقراطية واحدة ثنائية القومية" ، وفق صيغة الحزب الشيوعي الفلسطيني.
ولم يتوقف الشيوعيون عن التحذير وحتى اللحظة الأخيرة من خطر التقسيم ، واعتبروا أن نهج القيادة التقليدية في استرضاء الاستعمار البريطاني ومنافسة الصهيونية على كسب وده بدلا من مقاومته ، ورفض هذه القيادة نقل قضية فلسطين إلى الأمم المتحدة، كقضية تحرر وطني وليس قضية اقتتال اثني ، كما جهدت بريطانيا والدول الامبريالية على تصويرها ، سيؤدي بالضرورة إلى تقسيم فلسطين. وحذر الشيوعيون بقوة وعلى الملأ، من أن استمرار القيادة العربية في رفض الحل الديمقراطي الذي يقترحونه، في دولة واحدة لجميع سكانها، أو في دولة مستقلة ثنائية القومية في فلسطين، يحمّل هذه القيادة المسؤولية عن خلق الظروف المواتية لتقسيم فلسطين وإجهاض حق الشعب الفلسطيني في التحرر والاستقلال.
الموقف المبدئي
للشيوعيين اليهود والعرب ضد التقسيم
قبل عام فقط من قرار التقسيم عقد الحزب الشيوعي الفلسطيني (الذي ضم الشيوعيين اليهود في هذه المرحلة) مؤتمره العاشر في أواخر شهر نوفمبر 1946 ، وقدم القائد الشيوعي البارز في تاريخ الحزب ماير فلنر التحليل السياسي ، وتطرق في إطاره الى مسألة التقسيم ، وقال: "يعيش شعبان في هذه البلاد ولهما مصالح مشتركة. مستقبلهما منوط بقيام دولة ديمقراطية غير منحازة"... وأضاف: "لا يمكن ان تقوم في البلاد دولة عربية صرف. ولا يمكن ان تقوم دولة عبرية. فاليهود والعرب يعيشون بشكل مشترك في كل أنحاء البلاد. ومن غير الممكن الفصل بينهم لا جغرافيا ولا اقتصاديا.". وقال:"إن أي مشروع لتقسيم البلاد، من شأنه فقط أن يؤجج العداء القومي، وأن يعمق المصاعب الاقتصادية، وأن يصعد من اضطهاد الحكم الأجنبي الذي سيعرض نفسه وسيطا وحكما يقضي بين شعبين متخاصمين." وأضاف فلنر في مداخلته:"إن الطريق الوحيد للحل يكمن في إقامة دولة عربية- يهودية، ديمقراطية ومستقلة، يتمتع فيها اليهود والعرب بالمساواة الكاملة في الحقوق.... إن الدولة الديمقراطية لن تتحقق ما لم تناضل الجماهير اليهودية والعربية ، كتفا الى كتف ضد الامبريالية وعملائها داخل الشعبين".
وفي الأول من أيلول 1947 قبل أقل من ثلاثة أشهر من صدور قرار التقسيم ، نشرت صحيفة الحزب الشيوعي الفلسطيني "كول هعام" ، موقف الحزب من توصيات الأكثرية في اللجنة الدولية لتقصي الحقائق في فلسطين –اليونسكوب - والتي زارت فلسطين في تموز من العام نفسه ، وأوصت الامم المتحدة بتقسيم فلسطين إلى دولتين فكتبت "كول هعام": " مع نشر توصيات اللجنة الدولية بشأن مستقبل البلاد يجب القول بشكل واضح: إن توصيات الأكثرية في اللجنة الدولية ليست منطقية وغير قابلة للتطبيق. صحيح أنها أوصت بتقسيم "جيد"، لكنه "جيد"إلى درجة لم يكن بن غوريون يحلم بها . فحتى الوكالة اليهودية نفسها لم تطالب بأن تكون يافا وبئر السبع في إطار الدولة اليهودية". وأضافت "كول هعام" :"إن اقتراح الأكثرية في اللجنة الدولية لا يحقق الاستقلال القومي لا لليهود ولا للعرب ، وإنما يضع الأسس للسيطرة الأجنبية على كلا الشعبين."
وفي السياق نفسه كتبت جريدة الاتحاد الصادرة عن عصبة التحرر الوطني في 19.10.1947 ردا على تصريح غروميكو ممثل الاتحاد السوفييتي في الامم المتحدة :" منذ تصريح غروميكو تبين أن موقف الاتحاد السوفيتي من مستقبل البلاد يقوم على إحدى إمكانيتين : إما الحل من خلال التفاهم اليهودي العربي على أساس إقامة دولة فلسطينية ديمقراطية مستقلة، وإما التقسيم ، ولا يوجد طريق ثالث .. إن الإتحاد السوفيتي أعلن موقفه هذا مع العلم بأن الخيار الأول غير وارد في ظل المؤامرات الامبريالية والصهيونية ، وهو ما يعني قبول التقسيم ، برغم أن التقسيم هو الحل الأسوأ."
وتضيف "الاتحاد" : "نحن لا نقبل موقف الاتحاد السوفييتي هذا بشأن القضية الفلسطينية. ونحن على قناعة بأن التقسيم هو حل غير عادل يحاولون فرضه على سكان البلاد من دون الاكتراث بمواقفهم. إن هذا الحل لا يحقق طموح السكان ولا يضمن الأمن والسلام في إنحاء البلاد ، وليس من شأنه وقف المؤامرات الامبريالية" . وتواصل "الاتحاد": "إن صداقتنا مع الاتحاد السوفييتي..لا تعني أننا نأتمر بسياسته الخارجية. فنحن الذين نقرر سياستنا على أساس وضع قضيتنا وأهداف شعبنا التحررية العادلة" . وأنهت "الإتحاد": " علينا ان نعمل على توحيد صفوف الحركة الوطنية من أجل النضال ضد التقسيم ومن أجل إلغاء الانتداب البريطاني وجلاء العساكر الأجنبية وتحقيق استقلال البلاد."
وإذا كان موقف الشيوعيين المبدئي والصحيح يرفض التقسيم بهذه الحدة، فكيف يمكن تفسير قبولهم لاحقا بقرار التقسيم واعتباره الخيار المناسب؟
بين رفض التقسيم مبدئيا
وقبول قرار الجمعية العمومية
جاء قرار الجمعية العمومية للأمم المتحدة في 29 نوفمبر1947 بالحل على أساس تقسيم فلسطين ، ليطرح معادلات معقدة أمام الشيوعيين اليهود والعرب ، وجاء ليطرح خيارات قاسية أمام الشعب العربي الفلسطيني. وأبرز قرار الأمم المتحدة أن توازن القوى على الصعيد المحلي الفلسطيني، وعلى الصعيدين الإقليمي والدولي كان مواتيا لقيام دولة إسرائيل أكثر مما كان مواتيا لطموحات الشعب الفلسطيني ، في ظل مؤامرة شاركت فيها القوى الامبريالية والصهيونية والرجعية العربية لمنع الشعب الفلسطيني من إقامة دولته ، والقضاء على حقوقه القومية. وأصبحت المهمة الوطنية والديمقراطية الأساسية في هذه المرحلة إنقاذ حق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير ولو جزئيا ، وتخليص هذا الحق من براثن المتآمرين. فالخيارات المطروحة لم تعد بين بديل الدولة الديمقراطية العلمانية لجميع سكان البلاد حسب برنامج عصبة التحرر الوطني ، وبين التقسيم ، كما أن الخيارات لم تعد بين بديل الدولة الديمقراطية ثنائية القومية ، كما طرح الحزب الشيوعي الفلسطيني، وبين التقسيم . فالبدائل التي لاحت في أفق فلسطين هي الخيار بين تقسيم فلسطين الى دولتين يهودية وعربية ، وبين نكبة الشعب الفلسطيني.
لقد تحمل الشيوعيون مسؤولية تاريخية عندما قبلوا قرار التقسيم (عصبة التحرر الوطني وافقت على القرار فقط في شباط 1948)، لأنه كان الفرصة الوحيدة لانقاذ حق تقرير المصير للشعب الفلسطيني وليس لانه خيار جيد. أما الأوهام التي علقها الآخرون على الفرج العربي فقد قادت الشعب الفلسطيني الى مهاوي الاقتلاع والتشريد والنكبة.
شارل مونتسكيو .... التاريخ والمؤرخ
في إحدى رسائل الفيلسوف الفرنسي شارل مونتسكيو في كنابه "رسائل فارسية" كتب عن التتار:
"ليس بين الشعوب من يفوق شعب التتار في مجده أو عِظَم فتوحاته. هذا الشعب بحق هو سيد العالم، وكأنّ سائر الشعوب خلقت لخدمته. إن هذا الشعب المظفر لا ينقصه إلا المؤرخون الذين ينوِّهون بما أتى من عجائب."
وإميل توما في هذا السياق هو المؤرخ والتاريخ الوطني التقدمي للشعب الفلسطيني، هو الراوي وهو الرواية .. هو مؤرخ الشعب الفلسطيني، ومؤرخ جذور القضية الفلسطينية " الذي رفض أن يتخلى ل"المنتصرين"، عن حقه في المساهمة في صنع تاريخ شعبه، وفي رصد هذا التاريخ بعين وطنية تحررية مناهضة للمشاريع الامبريالية، وأصر على كتابة التاريخ من وجهة نظر شعبه التقدمية . ورفض أن يتنازل عن تحديد الثلاثي المسؤول عن النكبة وتقاسم الادوار فيها : الامبريالية والصهيونية والرجعية العربية كلٌّ بحجمِ دوره وثقله النوعيّ في السياسة الدولية .
وتكتسب إعادة إصدار كتاب "جذور القضية الفلسطينية " في الذكرى الثلاثين لرحيل إميل توما ، وفي الظروف التي تمر بها منطقتنا، وما أطلق عليه "الربيع العربي" أهمية قصوى، لأن الثلاثي الذي حدد إميل توما مسؤوليته عن نكبة الشعب الفلسطيني ، وأنه يشكل التناقض الاساسي مع طموحاته الوطنية للتحرر والاستقلال ،، ما زال فاعلا بقوة لاحتجاز الحقوق القومية للشعب الفلسطيني وشعوب المنطقة ، والتآمر الحثيث لتصفية قضياها العادلة وتفكيك الدول وتفتيت شعوبها .
وبات واضحا أن إعادة إنتاج النكبة هو المشروع الامبريالي السائد اليوم، ليس على الساحة الفلسطينية وحدها، بل على الساحة السورية أيضا، وعلى مساحة "مشروع الشرق الاوسط الكبير " ومشاريع الهيمنة الامريكية . وبات واضحا أن النكبة هي مشروع تاريخي متواصل، منذ اتفاقية سايكس بيكو وحتى مشروع "الشرق الاوسط الكبير" على مقاس مشاريع الهيمنة الامريكية، لا يمكن مواجهته إلا بمشروع تاريخي كفاحي مقاوم يستند الى إلقاء وزن الشعوب في التصدي للمؤامرة . فلا يكفي أن نعزو النكبة الى ما يخططه المتآمرون لشعبنا ووطننا، وإنما يقرر فيها طابع مشروعنا لمقاومتها، وطبيعة نضالنا لاسقاطها، فالنضال الشعبي المقاوم، كان وسيبقى أقصر الطرق وأقلَّها كُلفةً لمواجهتها.
كان هناك من اعتقد، وخصوصا في المؤسسة الحاكمة في اسرائيل، أن بمقدوره استغلال مؤامرة إغراق سوريا بفوضى الارهاب ، لتمرير مخططاتهم المبيتة لتبديد الحقوق القومية المشروعة للشعب الفلسطيني نهائيا من بوابة دمشق، وعبر تفكيك الدولة السورية، ونحن نشير هنا بالمقابل الى أن أكثر ما يقض مضاجع حكام اسرائيل أنهم يعرفون عن كثب، أن صمود سوريا وانتصارها على المؤامرة الامبريالية الارهابية، هو الضمانة لإعادة الزخم التحرري الى القضية الفلسطينية نفسها وتجديد عافيتها الثورية .
إن تحرر الشعب الفلسطيني وانتصار قضيته العادلة، مثل انتصار الشعب السوري والدولة السورية وفكاكها من المؤامرة التفكيكية، يمكن ان يتحقق فقط من خلال مقاومة مشاريع الامبريالية والصهيونية والرجعية العربية وفي صدام معها، وليس بالتسليم بهذه المشاريع .
