لا أذكر اجتماعاً واحداً من اجتماعات المجلس الثوري لحركة فتح، استغرق وقته أكثر من أربعة أيام كما حصل في الدورة الثانية (بعد انتخابه من المؤتمر السادس في آب 2009)، دورة الانطلاقة التي التأمت يوم 15 كانون الثاني وأنهت أعمالها يوم 19 منه، بعد أن تمت معالجة جدول الأعمال بالكامل، ولذلك لم يكن الاجتماع أسيراً لضيق الوقت، بل إن الموضوعات ورغبات الأعضاء كانت أصحاب قرار التمديد، الأمر الذي أجبر الرئيس نفسه على إلغاء أو تأجيل مواعيده ليتسنى له البقاء والمشاركة في دورة الاجتماعات وفي إقرار النتائج والتكيف مع التوصيات، لأن حصيلة العمل لها استحقاقات وكلفة مالية وسياسية وتنظيمية يجب أن يقبل بها الرئيس ويقرها ويعمل على تنفيذها ويسير على وقع خطواتها.
المجلس الثوري لحركة فتح لم يسجل فقط سابقة طول وقت اجتماعاته، بل فرض نفسه كمرجعية سياسية وتنظيمية ومالية وحزبية للجنة المركزية ولمجمل مؤسسات الحركة ولجانها، وهو يضع سياسات ويتوقف أمام ممارسات وينتقد إجراءات، أي إنه صاحب قرار وشريك قوي، سواء مع رئيس الحركة أو مع أمانة السر واللجنة المركزية، وليس مجرد تكملة عدد أو تظهير صورة، وأن عضويته الشابة لها مطالب ورؤية وتطلعات تعكس مدى التصاق هذه النوعية الطموحة بقواعد حركتهم وأداء حزبهم الكفاحي، وبمدى حاجة شعبهم لمتطلبات وخدمات واحتياجات حيوية، كما توقف الاجتماع أمام أهمية الانتخابات كوسيلة حضارية عصرية تؤكد أن صناديق الاقتراع هي أداة السلطة وهي الرافعة للوصول إليها.
باختصار أدرك أعضاء المجلس الثوري أنهم إن لم يرتقوا إلى مستوى معايير مجتمع عدوهم الإسرائيلي الذي يعتمد الانتخابات كوسيلة وأداة للوصول إلى مؤسسات صنع القرار، وإلى تجديد دماء المؤسسات، وضخ دماء جديدة في شرايين عملها، إن لم يفعلوا ذلك ويفهموا هذه المعادلة، فهم يلعبون أو يلهون أو يغامرون بحياتهم بلا فائدة!
قيمة أغلبية أعضاء المجلس الثوري لحركة فتح، أنهم من داخل الوطن الفلسطيني، ويعيشون حياة شعبهم بعذاباته ومرارة يومياته، ومسكونين بحلمه وتطلعاته نحو الحرية والاستقلال، وهذا لا يعني أنهم غريبون عن طرفي مكونات شعبهم، أي عن الجزء الأول المتبقي في مناطق عام 1948، شعب الجليل والمثلث والنقب ومدن الساحل الفلسطيني المختلطة عكا وحيفا ويافا واللد والرملة الذي يناضل ضد التمييز وتحقيق المساواة، أو عن الجزء الثاني المنفي خارج وطنه في بلدان الشتات واللجوء والذي يعمل من أجل الحفاظ على حقهم في العودة واستعادة ممتلكاتهم المصادرة من قبل الدولة العبرية في المدن والقرى التي طردوا منها عام 1948، وفق القرار الدولي 194.
قيمة أعضاء المجلس الثوري أن غالبيتهم من الوطن، الأمر الذي يمنحهم القدرة على امتلاك البرنامج الواقعي لمعالجة القضايا الحيوية والساخنة بروح الصمود على الأرض ووفق الإمكانات المتاحة وبعقلية التصدي للمشروع الاستعماري التوسعي الإسرائيلي، وليس بعقلية عدم الإحساس بالمسؤولية، عقلية الغربة كما يفعل الثوريون المطمئنون على أوضاعهم في عواصم الممانعة والبترودولار.
قرار المجلس الثوري لحركة فتح بوضع برنامج عمل لاستعادة قطاع غزة من سلطة الانقلاب إلى حضن الشرعية، قرار صائب تأخر كثيراً، ويجب على مؤسسات حركة فتح معالجته ووضع السياسات الواقعية محلياً وعربياً للتصدي للانقلاب وتعريته وعزله بوسائل وأساليب ديمقراطية علنية واضحة.
لقد فشلت حركة فتح بإظهار "الحسم العسكري" الذي مارسته حركة حماس، باعتباره انقلاباً على الشرعية، ولم يكن ذلك بسبب قوة فصائل حركة الإخوان المسلمين الراعية للانقلاب، أو بسبب دعم ولاية الفقيه الإيرانية، إضافة إلى موقفي سورية وقطر وميوعة موقفي السودان واليمن، بل يعود إلى ميوعة الموقف الفتحاوي وانعكاسه السلبي على موقف فصائل اليسار الفلسطيني المتذبذب إزاء الانقلاب.
من هنا تبرز أهمية انعقاد مؤتمر فتح السادس، وانتخاب قيادة جديدة تسعى لاستعادة مكانة الحركة وموقعها سواء على مستوى اللجنة المركزية أو المجلس الثوري، وهذا لن يتم بدون سياسات وممارسات جبهوية تعزز مكانة الائتلاف السياسي الذي يقود منظمة التحرير وسلطتها الوطنية وحكومتها الائتلافية برئاسة سلام فياض، بدءاً من تنشيط الاتحادات والمنظمات الجماهيرية المهنية (كتاب صحافيون مهندسون عمال) وانتخاب قيادات جديدة، لها مروراً بإجراء الانتخابات البلدية على قاعدة قانون التمثيل النسبي، وانتهاءً بعقد المجلس الوطني الفلسطيني في دورة جديدة تؤدي إلى نقلة ذاتية نوعية تمهد الأرضية لإجراء انتخابات تشريعية ورئاسية تنزع الشرعية الكاملة عن مجلس أحمد بحر المنتهية ولايته.
اجتماعات المجلس الثوري، بجدية، ومراقبة أداء اللجنة المركزية، وتوظيفها لمصلحة الحركة وتعميق دورها المبادر، سينعكس على مجمل الأداء الفلسطيني وخاصة على الائتلاف الوطني العريض الذي يقود المنظمة والسلطة والحكومة، مما يوفر فرص الأمل لمواجهة جرائم الاحتلال وخطايا الانقلاب.
تشكيل اللجنة الاستشارية من أعضاء اللجنة المركزية السابقين، وأعضاء المجلس الثوري القدامى، خطوة ذكية لتمتين تماسك الحركة وتعميق خبراتها في أتون المواجهة ضد الاحتلال والانقلاب، بدلاً من القيل والقال والتسلي بأعراض الحركة وقياداتها وكوادرها، فالسابقون والقدامى لهم أفضال وإنجازات يجب أن تحترم وتقدر، وعلى القيادات الجديدة مواصلة الطريق على ما تم عمله وليس نقيضاً له أو بديلاً عنه. فتح تستعيد عافيتها وهذا مهم لبناء الرافعة المطلوبة لمجمل العمل الوطني الفلسطيني كله.
