وجهًا لوجه مع بكري البعناوي (2-2)

single

لا اعاتبكم، أيها البكري الجليلي؛ لكني في لحظة عشت هاجس ان اعود الى منفاي دون ان التقيكم والعودة ليست دائما في متناول امثالنا وامثالكم حيث الاثرياء وزبانيتهم على عنق انتاج الادب والفن والفكر والسياسة وعلم الاجتماع قابضون خانقون. يستجدون كرمنا وعطفنا وايديهم بكثير مالهم الى اعناقهم يغلون. اتصدق يا صديقي ان صاحب "القدس العربي" لم يدفع لنا قرشا ابيض ولا اسود لقاء عشرات المقالات التي شهد لمهنيتها القراء والنقاد. ولما هاتفناه رفض الحديث الينا الا انه امر موظفته "وزعيه".. جريدة "النهار" البيروتية والقائم على صفحة "قضايا النهار" من اتخذ من الزين اسما وعلما  توقف عن دفع المكافآت، ونداءاتنا له رماها في القمامة ولسانه لا يكف عن التكرار "اكتب وابعث يا حسين". الكل يقول اكتب؛ وحين يأتي الحساب يطأطئون الرأس؛ كأن ابناءهم من تبر وابناءنا من طين. أحمده واصلي له ان الهمني فحملت فلذات كبدي لأنقذهم وبطيب الانسانية والمساواة معطرين في ربوع رأسمالية لعين. سامحني ايها البكري الجليلي كنت قرأت همكم في كفي فجئتكم لأرتوي بطيب كلمات ابي الهادر الحوت يواسيني لأنقلب فهدا اسود يكسر جماجم الفساق الفاسدين ورأسماليين جعلوا الطائفية والعنصرية سلاحهم لحكم البشر اجمعين... استفيقوا ايها البشر وكفاكم زحفا على غرائزكم والبؤس والفقر لن يترككم ان الى طريق الذكر لم تهتدوا.
سأروي حكاية البكري بلسان ابي اليسار متجاهلا مكر الضابط الاردني مكتفيا بضابط الامن المصري وصاحب الحكاية المرقسي حي وشرفني ان منحني  حق روايتها، فنامت في ادراج عقلي مديد العقود قبل ان ينبشها البعناوي البكري بمأساة مماثلة كيف لا والبعناوي والكفرساوي جيران واشقاء يساوي بينهم في توزيع الظلم فجار من صهيون وشركاؤهم عرب ضباط حدود واسيادهم في قصورهم للبيت الابيض مرتهنين. في 1981 قال ابو اليسار، دخلت مطار القاهرة عبر قاعة الترانزيت وجهة رحلتي الاخيرة صوفيا واحباء لي منتظرون... معذرة ايها البعناوي... هاتفي الجوال يستغيث فهلا عذرتني... معذرة سيدي جاء من يسألني مساعدة وها انا من فورى الى البعيد مسافر وقبل المساء لن اعود لأكمل لكم حكايتي. بعد ساعتين من السفر ها انا ادلف باب المكان... مرحبا يا سيدتي... انا فلان وانتم من بعثتم في طلبي. ابتسمت السيدة وقادتني الى كرسي مريح وسط ردهة جلستها صممت راحة للمشتهين. ماذا اقدم لكم يا سيدي؟. الشاي، القهوة اوالكاكاو ان شئتم. ولما طلبت القهوة لأني لم اشرب قهوة الصباح قالت بحنين الكلام اتساعد نفسك ام احضر لك ما تريد. ساعدت نفسي واسترحت على الكرسي ساخرا من بالمهنية، الوطنية، الكرم من سارقي عرق امثالي يتشدقون. ثلاث ساعات من عمل يسعد القلب وبلا عرق من الجبين وبأكثر من مثلها بقليل وبعد ان شهدت بفرحة من جاء الحياة باكيا ووجع امه ينقلب سعادة وفرحة على محيا  الوالد والجدة. فرحة وراحة ذهبت بانقباضات ألم الولادة وابنها فوق صدرها طفلها مرتاح أمين. عدت ادراجي وقد جنيت ما لا يعطيه تاجر اوشبه رأسمالي بخيل لشقيق لي في لبنان او سوريا في شهر من العمل الشاق المهين. يا مقسم الارزاق احمدك وقناعة ازداد بعطائك غير آبه بالمشعوذين.
أرجوكم ان تسامحني ايها البعناوي اعلم انكم الى حكايتي مصغ لأكمل سرد عذاب شقيق يواسيك في حضرة لصوص القانون. قال ابو اليسار: دخلت صيف 1981 قاعة العبور (الترانزيت) في مطار القاهرة وضباط  الحدود بي مرحبين وبعبارات اهلا يا خواجا متزلفين. حتى حقائبي أمروا من يحملها لي من ضباطهم بلا كرامة أمام اسيادهم بخشوع منحنين. في غفلة حار الضابط في امر عربيتي فسألني؛ انتم تتكلمون العربية باتقان يا خواجا، أين تعلمتموها؟ قلت؛ انا عربي من اهل فلسطين. صعق الضابط بكلماتي وسألني هل يعرف الضابط فلان بالامر؛ وتزلفا هرول الى سيده ليعود الاثنان وبعد التأكد من هويتي، امتقعت وجهوهم باللؤم وهم بي متربصون. من فورهم الى جميع مراكز مخبري القاهرة جرجروني للتحقيق وعن سري باحثين... ابناء الزنى الم تكونوا قبل قليل لصورة الخواجا متذللين ، ماذا دهاكم اين انت يا ناصر الامة؟ لترى بعينيك ماذا فعل الامَّعة السادات والرعديد اللا مبارك بأهل مصر الطيبين. لا عليكم ايها البعناوي فلستم اول ولن تكونوا آخر ضحايا الانفتاح على الاستسلام وللكرامة بائعين.
صباح الثلاثا، ركبنا الطريق رقم 70 من عكا باتجاه الخالصة وبعد ان تجاوزنا مجد الكروم العربية فاذا بالبعنة تلاصق دير الاسد وبجوارها تتحدى صلف مستعمرين اقاموا على الجهة المقابلة مستعمرة للمستوطنين. التف ابو اليسار بسيارته يسارا وبعد عدة مئات من الامتار توقف ليسأل شابين؛ اين بيت محمد البكري الفنان والممثل؟ من فوره احدهما ودون تردد اشار علينا بالعودة الى الخلف والالتفاف عند اول مفترق الى اليسار. كأننا الى المسجد او الكنيسة للصلاة قاصدون. عرفنا البيت من الوصف، فركبنا السيارة واذا البعناوي يلاقينا عند الباب مرحبا وكأني بين اهلي في مخيم لجوء ومهانة في لبنان مستقر أمين. البعناوي مشغول وقد ربط نفسه بموعد ينتظره في الناصرة فآثرت ان تكون الزيارة في حدود المعقول وفاتحة للقاء نمني النفس بقدومه رغم المسافات ومشاغل الحياة التي لا تقيم اعتبارا لحاجات النفس تاركة المرء يلاقي ربه وهو مشغول.
ليس "البقاء في الوطن انتحارًا"؛ ولا "مغادرته قسرا جريمة"، كما قال ضيفكم الشفاعمري الياس جبور؛ قلت للبعناوي بعد ان شربنا القهوة من يديه.  تابعت مسترسلا في شرح صعاب الظروف من امية وجهل وتناحر الاشقاء وسذاجة  ونفاق سياسيين من اهل البلاد الاصليين، وكيف جعل الاشقاء حياتهم جحيما في مخيمات اللجوء بعد ان سلموهم لوكالة دولية مشتغلة بالتوطين. تحدثت عن دور حكام اسماؤهم عربية وجلودهم دبغها الانجليزي وجعلوا منها لملوكهم احذية براقة وللأميرات حقائب وجزادين. حكام عرب بعثوا جيوشا سموها "الانقاذ" وفي الحقيقة امروا بجعل الجليل والضفة من اهلهما  خاليَين؛ وبردا وسلاما سلموها لعصابات المستعمرين. اما البقاء في الوطن فجعل اهل البلاد سنديانة شامخة فوق ارض فلسطين تنحر مزوري التاريخ ولأملاك وتراث احبتهم  الغائبين حافظين حامين. اعتقد ان البعناوي وافقني الرأي حين اكد انه لا يوافق ضيفه الشفاعمري في ما قاله...
رأيت محمد بكري البعناوي أكثر شبابا مما في الصورة،  يبدوان وجهه لا تروق له عدسات التصوير؛ عذوبة حديثه سقاها بُعد المخرجين الآمرين فسحة من حنين.  شرفنا البعناوي بتقديم عائلته والحفيد محمد البكري الصغير كأننا في كرم زيتون تحتض اعمدته شجيرات يافعات ترويها صبرا وعطاء وتشحذها بالقوة؛  كما رحل الرومان تاركين زيتونا احضروه معهم لأهل البلاد الاصليين، سيرحل يوما لا محالة وغير مأسوف على رحيلهم دخلاء جاؤوا بامجاد اجدادهم غزاة الرومان والصليبيين.



(باحث يعيش في كوفنتري، المملكة المتحدة)

قد يهمّكم أيضا..
featured

" احتلالهم مصيبتهم"

featured

رسالة إلى وليد بن طلال!

featured

لا لشرعنة الانقسام.. والسطو على الوطن..!!

featured

خمس ملاحظات سريعة أو متسرّعة

featured

هل نزعة الحرب للحكومات الاسرائيلية شلّت المجتمع اليهودي وأدّت به الى الانتحار العقلي!؟

featured

مبادرة مباركة مسؤولة ومهمة !

featured

القبض على زمام المبادرة