تتابع الجماهير الفلسطينية بأمل شديد ردود كافة الفصائل والتنظيمات والشخصيات المستقلة على الورقة المصرية " الرؤية المصرية لإنهاء حالة الانقسام الفلسطيني " . هذه الورقة التي عكست الجهود الجبارة للإخوة المصريين ، والحنكة السياسية التي توافرت لديهم ، وطول البال على المتخاصمين لإنهاء حالة التشرذم والصراع الداخلي الفلسطيني . لقد وفرت القيادة المصرية كل طواقم أجهزتها المجربة والفاعلة على المستوى العربي والدولي ، وعملت على تهيئة الإقامة المريحة في أفخم الفنادق المصرية مأكلا ومشربا ومبيتا ، وسهلت سبل الراحة في السفر والتنقل ، وأفرزت مجموعات المرافقين لحمايتهم ، وعقدت اللقاءات الثنائية بين فتح وحماس ، والشاملة مع كافة الفعاليات الوطنية ، وعمدت لتسهيل كل عوامل النجاح اللوجستى والأمني ، لإخراج شعبنا الفلسطيني من حالة الضياع والحصار ، ولوقف حالة التدهور الخطيرة التي طالت الجماهير الفلسطينية في الاراضى الفلسطينية المحتلة ، وألحقت ضررا بالغا بالقضية الفلسطينية ، وأفقدها بعدها الوطني التحررى ،وحولها لقضية اغاثية .
لقد لعبت وسائل الإعلام الفلسطينية والفضائيات العربية المختلفة على وتر الانقسام ، وأظهرت بعض فضائياتنا المحلية مشاهد تدمغنا بالإرهاب ، في مرحلة تحول العالم بأسره بعد 11سبتمبر لإعلان الحرب على الإرهاب ، ومارست مجموعات منا أفعالا أساءت لقضيتنا ولشعبنا الفلسطيني ، مما أفقدتنا مناصرة العالم لحقنا في إقامة دولتنا الفلسطينية المستقلة كاملة السيادة وعاصمتها القدس في حدود الرابع من حزيران 1967 ، وحق اللاجئين في العودة لديارهم طبقا للقرار 194.
لقد انتهز الاحتلال الاسرائيلى التواطؤ الامريكى- الاوروبى ، والصمت العربي ، والعجز الفلسطيني ، والانقسام السياسي والجغرافي ، والانقلاب على الوطن ، ففرض المزيد من الوقائع الجديدة على الأرض دون الالتفات حتى لتلك الأصوات المبحوحة البكماء ، والصماء ، والخرساء التي تطالب بوقف الاستيطان ، ضاربة عرض الحائط بكافة قرارات الشرعية الدولية ،ولا زالت ماضية في مخططها الاستيطاني ، وإقامة الوحدات السكنية الجديدة للمستوطنين ، وتهويد القدس ، والاستمرار في بناء الجدار الفصل العنصري ، وتمارس كل أشكال القهر والإذلال بالمواطنين الفلسطينيين ، وإقامة أكثر من ستمائة حاجز عسكري وطيار في الضفة الغربية ،وتحويل المدن والقرى والبلدات إلى كنتونات معزولة عن بعضها ، بهدف إرهاق الشعب ، وإلهائه بقضاياه المعيشية اليومية بعيدا عن القضية الوطنية التحررية .
لقد صاحب هذه التطورات الكارثية تلكؤ القوى السياسية وفى مقدمتها حركتا فتح وحماس في الإسراع في اتخاذ خطوات جريئة وشجاعة لإنهاء حالة التفسخ والانقسام ، ولمواجهة النهج الاسرائيلى الذي لا يهدد القضية الفلسطينية فقط ، بل الوجود الفلسطيني على أرضه ، مشغولة بمصالحها الفئوية والبزنس ، وكأن الحصار والإغلاق الذي يتعرض له المليون والنصف مليون من البشر في قطاع غزة ،واشتداد حالات الفقر والبؤس والبطالة وانتهاك حقوقه الاجتماعية والدمقراطية لا يعنيهما.!!
لقد أجملت الورقة المصرية القضايا التي تم التوافق عليها في اللجان الخمس عبر الحوارات المختلفة ، كلجنة المنظمة ، الانتخابات ، الحكومة ، الأمن ، المصالحة الوطنية ، وكذلك وضعت القوى على القضايا الخلافية وموقف كل من حركتي فتح وحماس منها . إن المتتبع لحجم الخلافات والتباينات يظهر ضيق مساحتها ، ويمكن التفاهم عليها إذا ما وضعت المصلحة الوطنية فوق كل اعتبار، ولمواجهة الخطر الذي يهدد الوطن .
وعلى الرغم من الجهود المصرية الحثيثة، فان محاولة شرعنة الانقسام دون وضع ضوابط لعدم تكراره ،وغياب الضمانات المستقبلية لحماية الشعب الفلسطيني من السطو عليه ، وفرض أجندات احادية ،والتلاعب بمصيره وبتراثه الحضارى والكفاحي ، بطرحها إمكانية تأجيل الانتخابات الرئاسية والتشريعية والمجلس الوطني الفلسطيني في النصف الأول من عام 2010. تعتبر مخالفة للقانون الأساسي الذي يعتبر ولاية المجلس التشريعي ، والرئاسية تنتهي بحلول 26/1/2010.
فمن الناحية الدستورية فان تأجيل الانتخابات بعد 25/1/2010 ينتهك القانون الدستوري ، ويمنح الشرعية للانقسام والسطو على الوطن ، واذا كان لا بد من التأجيل لأسباب ذاتية وموضوعية ، ولإفساح المجال لمصالحة حقيقية، فان التأجيل يحتاج لغطاء وموافقة وطنية ، وتعهدات من الطرفين
المتصارعين باحترام النظام السياسي الفلسطيني ، وتوفير ضمانات من الأشقاء المصريين والعرب، وكشهود على المصالحة والاتفاق .
وانطلاقا من أهمية ذلك فانه من الضروري ، أن تتعهد كل الأطراف المشاركة في الحوار الشامل ، وخصوصا حركتي فتح وحماس أمام الشعب الفلسطيني وأمام الأخوة المصريين والعرب ، بالحفاظ على النظام السياسي الفلسطيني كنظام دمقراطي ، علماني يصون الحقوق الدمقراطية بكل تعبيراتها ، وفى مقدمتها التعددية السياسية ، والتداول السلمي للسلطة ، وإجراء الانتخابات الدورية الحرة ، وفصل السلطات ، واستقلالية القضاء ، وحق التعبير وإبداء الرأي وحرية الصحافة ،وحرية المرأة ،وحرية التنظيم السياسي والمهني ، وضمان الحريات الشخصية والعامة ، والحماية من التعسف والاعتقال الكيفي ، وتحريم وتجريم استخدام السلاح في حل التعارضات الثانوية ، وسن القوانين والتشريعات التي تكفل هذه الحقوق ،وتفضي إلى قيام دولة القانون والمؤسسات ، وأنه مهما كان الفائز في الانتخابات فلا بد من صون وحماية هذه الأسس، والحفاظ على النظام السياسي الفلسطيني ، عندها يمكن تأجيل الانتخابات إلى منتصف 2010 بشكل استثنائي ولمرة واحدة، دون أن يخضع الشعب الفلسطيني ، أو يشرعن الانقسام ، أو يسمح بالدوس على القانون الأساسي باعتباره الناظم للنظام السياسي الفلسطيني..
(غزة – فلسطين)
