عنادها كاد يقضي عليها، فرأس "أم ريحانة" حنيفة الدحلول أيبس من حجر صُوان البعنة، لم تكتف بما انعم الله عليها وعلى زوجها راجح الدحلول بثلاث وردات تنافس الواحدة اختها بجمالها الفتان، ارادت صبيا ذكرا يحافظ على سلالة العائلة من الانقراض. وعبثا حاول راجح اقناعها بالتراجع عن عنادها، خاصة وان صحتها "مجعلكة". ومرض السكري ينهش بجسمها، وانه لا فرق بين الذكر والانثى اذا احسنّا التربية والرعاية، "وان طلع الذكر مشوم لا يجلب لنا سوى المسبة وسواد الوجه بين الناس" وبناتنا يرفعن الرأس، ريحانة طبيبة وفلة مهندسة عمار ونرجس مربية اجيال، وبعدين صار عمرك يا حنيفة فوق الخمسين سنة، اعملي "واسطة" حتى لا تحبلي، وبعنادها كانت تجيبه بكره بتشوف أي ولد سأخلّف، فالخلفة على شهوة تعطينا ولدا مميزا! وبعملية قيصرية عانت منها ام ريحانة وكادت تقتلها خلفت الوافد الجديد بنتا مثل القمر. "زلطمت وبكت ام ريحانة بعد ان افاقت من غيبوبتها، واساها زوجها وبناتها فاحتضنت وليدتها وقبلتها. واجمع الجميع على رأي فلة بتسمية زهرة البستان الجديدة "كفى".
ومعروف عن الدحلول في بلدنا انه انسان دمقراطي ابعد ما يكون عن التزمّت والعقد الاجتماعية والنفسية في التعامل مع بناته. رباهم على استقلالية الموقف وحرية الرأي والجرأة والشجاعة في التعبير عما يفكرون به ويقنعون به في ابداء الموقف دون وجل. رباهم على تحمل المسؤولية الواعية. ومنح بناته حرية ان تخيّل كل واحدة في الميدان الذي تراه مناسبا لها. منحهم حرية شبه مطلقة ولكنها محروسة بعيونه الراصدة وفي تقديم النصائح اذا برز اي اعوجاج في الموقف والتصرف.
ألطبيبة ريحانة مارست عملها في مستشفى نهاريا وتزوجت من صيدلي، الجميع يتحدث عن مهارتها المهنية وعن تحزبها الوطني الواعي وشجاعتها الجريئة، الكل يتحدث عن تصديها لمدير المستشفى فالمدير لغبائه اعتقد ان الدكتورة ريحانة مهاجرة روسية لشقارها وبياض بشرتها واللثغة في نطق حرف "الراء"، خرج عن الموضوع الطبي واخذ يجزل المدائح للمأفون ليبرمان ولموقفه العنصري من العرب ومطالبتهم بالولاء، تصدت له د. ريحانة قائلة "منذ متى هاجرت من روسيا الى وطننا، من عشر سنوات، عشرين سنة، إلك ولسيدك العنصري المستوطن ليبرمان حق في الوطن اكثر من عائلتي الدحلول، أهل هذا الوطن منذ ان وجدت الخليقة. انا عربية واعتز بعروبتي وسيأتي اليوم الموعود عندما نقلع شروش العنصرية من مساكب وطننا ونعيش باخوة على قاعدة المساواة والاحترام المتبادل"!.
أما فلة المهندسة فطلعت لخالها ناشطة سياسيا، غلّبت امها باولادها، "يما ديري بالك على الاولاد عندي اجتماع"، "يما خلي بالك من الاولاد عندي مظاهرة ضد الحرب على غزة في حيفا". اما نرجس المربية فهوايتها التفنن في الطبخ والمشاركة في "شمات الهواء" في مناطق وروابي بلادنا الخلابة.
إختارت كفى العلوم الاجتماعية وعملت موظفة ومن ثم مديرة في مكتب الشؤون الاجتماعية في القرية المجاورة. اكتسبت محبة واحترام الفقراء والمحتاجين لاهتمامها بقضاياهم وزيارتهم في بيوتهم. تعرفت على شاب انهى فترة التدرب في المحاماة، جذبها حلاوة لسانه واتساع دائرة وعيه ومعارفه في مختلف المجالات السياسية والاجتماعية والثقافية. وشبك الحب قلبيهما وتزوجا بعد الخطبة بثلاثة اشهر، وانقلب الملاك الى شيطان، كل يوم يطلع لها "بفنّه" يوم ينتقدها على مكيجة وجهها، ويوم يوبخها ان فستانها اقرب الى "الميني" يرفض طلباتها بالذهاب الى حضور فيلم للفنان محمد بكري او لامسية شعرية لشاعر العرب سميح القاسم او لندوة عن شاعر فلسطين محمود درويش. وبصبر ايوب كانت كفى تناقشه حول مسلكه. واحترمت اختياره عندما بدأ يصلي واعلن عن تدينه. في احدى الامسيات وبعد صلاة المغرب قال المحامي حسن لزوجته "من الغد اذهبي الى دكان ام عاصم واشتري الملابس الدينية" واريد ان اسألك متى تلبسين الحجاب؟ اجابته بصوت هادئ "عندما ينوّر الملح"! غضب وقال لها: "ألا تعلمين ان الرجال قوامون على النساء" قالت له: لا اكراه في الدين، هذه قضية خاصة بيني وبين الله، فهو من يحاسبني ولست انت. والرجال قوامون على النساء لا تعني ان المرأة حمارة يركبها الرجل عندما يشاء ويوجهها كيفما يريد ويصادر حقها في الحرية واستقلالية الرأي. ان كنت مصرا على هذا الموقف نلتقي غدا في المحكمة الشرعية في عكا، خلقنا وتطورنا احرارا ولسنا عبيدا، وطرقت باب الدار خلفها. اما من كان زوجها فقد لف جسمه بملابس الدعوة وتوجه الى افغانستان عله يجد ضالته او يهتدي الى حقيقة ان للمرأة حقا بالمساواة والحرية مثل الرجل وليس حسنة او منّة من احد!!
