لقد كتب الكثير عن الحركة الصهيونية وايديولجيتها وممارساتها العنصرية، وافلح المفكرون اليساريون وعلى رأسهم الشيوعيون بفضح هذه الحركة، محللين سياساتها وفاضحين فكرها العنصري وموثقين جرائمها وتعاملها مع الامبريالية والاستعمار على مدى وجود وتطور هذه الحركة.
اردت بهذه المقال العودة الى المؤتمر الاول لهذه الحركة، مع التركيز على بعض افكارها لنفهم ممارساتها تاريخيا، ولنفهم دور اسرائيل وسياساتها منذ وقبل اقامتها واسلوب تعاملها العنصري مع الفلسطينيين سكان البلاد الاصليين.
"تصر الصهيونية على اعتبار اليهود شعبا عالميا واحدا وظاهرة فريدة من نوعها لا يمكن تطبيق القوانين الاجتماعية عليها كما لا يمكن قياس الشعب اليهودي بالمقاييس السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تقاس بها الشعوب. لذلك فان الاصطلاحات "الامة" و "القومية" غريبة عن التقليد اليهودي. فالظاهرة اليهودية اكثر تعقيدا، وفريدة اكثر من ان تحدد بكلمات مثل الامة او القومية" (مردخاي بار اون – رئيس دائرة الشباب الطلائعي في الوكالة اليهودية- جيروزاليم بوست 30-1-70).
احتفالا بمرور 70 سنة على مؤتمر بازل، حدد ناحوم غولدمان، رئيس المنظمة الصهيونية العالمية حتى عام 1968، ورئيس المؤتمر اليهودي العالمي، اهداف الصهيونية:
1-صيانة وجود الشعب اليهودي.
2- لم يكن الهدف الجوهري اقامة دولة.
3-الرغبة والارادة في اقامة الدولة اليهودية في ارض اسرائيل.
يقول صموئيل روزين الامريكي: "يزرع الصهيونيون بذور عدم الثقة والكره ازاء غير اليهود وينمون الانعزالية ويشجعون جمهرة اليهود على رؤية غير اليهود جميعا، بما فيهم الطبقة العاملة بمنظار الريبة والعداء".
في 14-1-1979 صادقت الجمعية الامة في الامم المتحدة على قرار يدين الهيمنة ويعتبر الصهيونية شكلا من اشكال الهيمنة. والهيمنة كما فسروها هي سياسة دولة او مجموعة من الدول تقوم على التحكم بدول وشعوب او مناطق اخرى سياسيا واقتصاديا وايديولوجيا او تقوم بالسيطرة عليها واخضاعها.
بهذا القرار اكدت الامم المتحدة قرارا سابقا من العام 1974ونص على ان الصهيونية شكل من اشكال العنصرية مثل التفرقة العنصرية (الابرتهايد)
(من كتاب الصهيونية المعاصرة –اميل توما-الاسوار-1982).
اليوم ونحن في ذكرى المؤتمر الصهيوني الاول، اردت تسليط الضوء عليه من منطلق المعلومة التاريخية.
*مؤتمر بازل 1897*
عُقد المؤتمر بين 29-31 آب عام 1897 في مدينة بازل بإشراف وتنظيم المفكر والكاتب اليهودي المجري تيودور هرتسل الذي يُعد والد الصهيونية العالمية تحت شعار «العودة الى صهيون». وصهيون كما هو معروف واحد من أسماء مدينة القدس. وحضر المؤتمر 204 مندوبين يهود، 117 منهم مثلوا جمعيات صهيونية مختلفة، وسبعون منهم جاءوا من روسيا وحدها. كما وحضر المؤتمر مندوبون من الأميركيتين والدول الإسكندنافية وبعض الأقطار العربية وبالأخص الجزائر. وكان من المقرر أن يُعقد المؤتمر في مدينة ميونخ الألمانية، إلا أن الجالية اليهودية فيها عارضت ذلك لأسباب خاصة بها، مما استوجب نقله الى مدينة بازل السويسرية.
افتتح هرتسل المؤتمر الصهيوني الأول بخطاب أكد فيه أن الهدف من المؤتمر هو «وضع الحجر الأساسي للبيت الذي سيسكنه الشعب اليهودي في المستقبل»، وأعلن فيه «أن الصهيونية هي عودة الى اليهودية قبل العودة الى بلاد اليهود». وحدد هرتسل في خطابه مضمون المؤتمر على أنه «الجمعية القومية اليهودية». وأقر المؤتمر أهداف الصهيونية المعروفة منذ ذلك الوقت باسم «برنامج بازل» .
رغم اقتصار ابحاث المؤتمر، الى حدٍ ما، على المناقشات والمداولات دون أن يكون هناك إلتزام واضح من قِبل هرتسل بقيام هذه الدولة «الوطن» في فلسطين بالتحديد، إلا أن المؤتمر شكل بدايةً حقيقية لمشروع الدولة الصهيونية، في ظل توفر العديد من الخيارات والأوطان بينها الأرجنتين وأوغندا. ومع ذلك فقد شكل المؤتمر الإنطلاقة الأولى باتجاه فلسطين. وقد سبق هرتسل أن فكر في مثل هذا قبل عامٍ من انعقاد المؤتمر كما ظهر جليا في كتابه «الدولة اليهودية».
كان المؤتمر الصهيوني الأول قد شكل نقطة تحول مهمة في تاريخ الحركة الصهيونية، بعدما استطاع مؤسسوه جمع معظم صهاينة العالم تحت سقفٍ واحد ضمن إطار المنظمة الصهيونية العالمية التي تولت منذئذٍ الإشراف على الأجهزة الصهيونية. وكانت إقامة المنظمة الصهيونية العالمية فاتحة عهدٍ جديد من النشاط الصهيوني استهدف تحقيق مخططات الحركة، وقد تفرع عن المؤتمر لجنة تنفيذية تكونت من 15 عضوا كانت بمثابة مجلس شوري وأخرى صغرى تكونت من خمسة أعضاء كانت بمثابة حكومة. وتم تأسيس مكتبة مالية لجمع الاشتراكات الصهيونية السنوية من جميع اليهود في العالم، الى جانب فتح المصرف اليهودي الاستعماري برأسمال بلغ مليون جنيه إسترليني. ووضع المؤتمر برنامجا سارت عليه جميع المؤتمرات التي عُقدت بعد ذلك، كما وناقش تقارير مفصلة عن فلسطين والنشاط الإستيطاني فيها. ونصب المؤتمر تيودور هرتسل رئيسا له ورئيسا للمنظمة الصهيونية العالمية.
بعد ثمانية أعوام من ذلك المؤتمر، ونتيجة تزايد الضغوطات اليهودية عليها، عرضت الحكومة البريطانية على المنظمة الصهيونية العالمية ستة آلاف ميل مربع من أراضي أوغندا لإقامة الوطن القومي اليهودي المنشود! لكن «منظمة الأرض اليهودية»، التي تشكل أحد أذرعة تلك المنظمة، رفضت ذلك العرض، وأصرت على أن يكون في فلسطين، وفق الرؤية التوراتية!! ونتيجة الضغوطات المتزايدة على الولايات المتحدة الأميركية والمعسكر الغربي الذي تشكل منه «الحلفاء» إبان الحرب العالمية الأولى، أصدر وزير الخارجية البريطاني جيمس بلفور في عام 1917 وعده المشؤوم الذي قضى بإقامة الوطن اليهودي على أجزاء من فلسطين، ليكون نقطة حماية استراتيجية للدفاع عن قناة السويس وطريق الهند وقاعدة متقدمة للإمبريالية في الوطن العربي بالطبع. وتبنى الرئيس الأميركي هاري ترومان ذلك الوعد. وتطور الحال في ظل خنوع عربي وتآمر دولي الى أن جاء المؤتمر الصهيوني الثاني والعشرون الذي انعقد في بازل السويسرية أيضا عام 1946 وتبنى بدوره مشروع «بلتمور 1942» الذي قضى هو الآخر بإنشاء دولة يهودية في فلسطين كبرنامج للحركة الصهيونية.
*تلخيص*
كان مؤتمر بازل انعطافا اساسيا في تاريخ الحركة الصهيونية، ولكنه- على الرغم من ذلك- مجرد خطوة على طريق طويل، وهكذا توجهت الحركة الصهيونية، بعد ذلك المؤتمر، للعمل على جبهتين بوقت واحد: الجبهة الداخلية بهدف استكمال تنظيماتها وكسب ولاء اليهودية العالمية، والجبهة الخارجية بهدف كسب تأييد حركة الاستعمار الأوروبي العالمي.
عُقد المؤتمر أخيرا في بازل (29-31 آب 1897)، وحضره 204 أعضاء من اليهود، يمثلون 15 دولة، وترأس هرتسل المؤتمر.
وضع المؤتمر ما عرف فيما بعد باسم «برنامج بازل» الصهيوني، والقرار الأساسي الذي اتخذه المؤتمر هو: «إن غاية الصهيونية هي خلق وطن للشعب اليهودي في فلسطين يضمنه القانون العام».
وحدد المؤتمر الوسائل الكفيلة لتحقيق هذه الغاية بما يلي:
1- تعزيز الاستيطان في فلسطين باليهود المزارعين، والحرفيين، والمهنيين، على قواعد صالحة.
2- تنظيم اليهود كافة، وتوحيدهم بواسطة إنشاء المؤسسات المحلية والعامة الملائمة، وفقا للقوانين السارية في كل بلد.
3- تقوية الشعور اليهودي القومي والضمير القومي.
4- إتخاذ الخطوات التحضيرية للحصول على موافقة الحكومات، التي يجب الحصول عليها، لتحقيق هدف الصهيونية.
ومن الناحية التنفيذية، أسس المؤتمر «المنظمة الصهيونية العالمية»، وانتخب هرتسل رئيسا للمنظمة الصهيونية، وتم إقرار النظام الداخلي للمنظمة وهيكلها التنظيمي وشروط العضوية، فمنح حق العضوية لكل يهودي في العالم يلتزم ببرنامج بازل، ويدفع اشتراكا سنويا يسمى «شيقل»- وهو وحدة العملة التي كان يتداولها العبرانيون القدامى-. وللمنظمة رئيس ولجنة تنفيذية ومجلس عام يتمتع بصلاحيات المؤتمر ما بين دورات انعقاده. كما أقر المؤتمر شكل العلم الصهيوني بنجمة داود ونشيدا قوميا.
وجدير بالذكر أن مؤتمر بازل قد تعمد أن يستعمل في قراره الرئيس تعبير «وطن» Home لأسباب دبلوماسية، بينما كان القصد الحقيقي للمؤتمر منذ البداية هو «دولة يهودية». وقد أكد هرتسل نفسه هذه الحقيقة في مذكراته بقوله: «لو أردت أن أُلخص مؤتمر بازل بكلمة واحدة- وهي كلمة سأحرص على ألا أتلفظ بها علنا- لقلت: «في مؤتمر بازل أرسيت أسس الدولة اليهودية».
(معليا)
