"الاخوان المسلمون، اختطاف للثورة؟
كتبنا في مقال سابق بعد أن حرق الشاب التونسي بوعزيزي نفسه في سيدي أبو زيد في تونس، ردا على الظلم والغبن الذي لحق به وبأترابه من ملايين العرب المظلومين المُهمشين الفقراء في تونس وغيرها من البلاد العربية التي حكمتها كلها نظم ديكتاتورية بائدة عفا عليها الزمن وسبقها التاريخ، ثم عن تطور الأحداث الى ما آل عليه الأمر في تونس ومصر وليبيا بان هذا الحدث العظيم في هذا الوقت بالذات ما هو الا عبارة عن عصر تحول وتبدل وبعث جديد للأمة يشابه الحدث الذي تبلور في أوروبا في القرنين السابع عشر والثامن عشر وحتى حدوث الثورة بمفهومها الثوري الحقيقي في فرنسا عام 1789 التي قضت على النظام الديكتاتوري الارستقراطي في فرنسا وفصلت سلطة الكنيسة عن الدولة وعن رقاب الناس ومهدت الطريق الى الديمقراطية كما نعرفها اليوم. تلك الحقبة التاريخية في تاريخ اوروبا عرفت بفترة "الرينيسانس"، النهضة، أي البعث الجديد المتجدد الذي حَضَّر للثورة والذي بدأ أساسا بالفنون التشكيلية، بعد أن خرجت تلك الفنون ونعني خصوصا الرسم من أروقة الكنيسة الى الشارع العريض الشعبي العام وبدأت تصوره لأول مرة في تاريخ الفنون التشكيلية هناك. لم نتوقع حتى في أسمى تجليات أحلامنا أن تحدث ثورة اشتراكية أو يسارية في عالمنا العربي لأن الظروف الموضوعية لحصول وصيرورة ثورة تثبت صدقيتها ووجودها بمفهومها الشامل لم تتوفر بعد. للأسف لم تثبت الأحداث الجارية الآن في العالم العربي واقعية حدوثها بعد الذي حصل في تونس ومصر وليبيا حتى الآن وأهم هذه الظروف هي:
1- غياب الأحزاب اليسارية عن ساحة الأحداث "الثورية" الحاصلة في ساحات وميادين المدن العربية. كنا نتوق أن نرى هذه الأحزاب "الثورية" وبالتحديد الحزب الشيوعي التونسي والنقابات اليسارية المنظمة تنظيما جيدا هناك على خلاف البلاد العربية الأخرى. لم يكن لا للحزب الشيوعي ولا للنقابات العمالية دور فعال ومثر بشكل كافٍ على الجماهير التونسية التي أعطت حركة النهضة -الأخوان المسلمين - أكثر من 40 بالمئة في أول انتخابات برلمانية ديمقراطية في مرحلة ما بعد الديكتاتورية هناك. وفي هذا المقام هنا يجب أن نذكر أن العلمانية والمجتمع المدني ودور المرأة هناك كان متقدما منذ فترة الرئيس السابق بورقيبة بما لا يقاس في محيطها العربي العام وعلى عكس دول عربية أخرى تناضل من اجل تغيير النظام الديكتاتوري. نورد هنا كمثل اليمن الذي أجبرَ رئيسه على التنحّي، حيث يناضل الشعب اليمني الأبيّ منذ أكثر من ثمانية أشهر بصبر وثبات على خلع نظام علي صالح المتخلف القبلي العميل للرجعية والامبريالية الأمريكية بالذات والخروج على الأقل بالشعب اليمني العربي المجاهد من مرحلة الدولة القبلية المتخلفة إلى دولة عصرية تعايش العصر وتواكبه.
2- عفوية الأحداث الثورية العربية- خرجت الجماهير تثور على الحاكم الظالم الذي سلبها كل أسباب وجودها وحياتها وكرامتها الوطنية والشخصية.انطلقت الجماهير إلى الشوارع والساحات العربية تطالب بتكسير قيودها وتبحث عن لقمة عيشها بعد أن سرقتها تلك ألأنظمة الديكتاتورية كل شيء وأبقتها جماهير فقيرة معدَمة لا ترى أي أفق لتطورها ولبعثها. الأمر يذكرني للوهلة الأولى تلقائيا بعد أن عبر التاريخ السياسي العربي في مخيلتي بصورة خاطفة إلى العصور الغابرة من الزمن العربي أن مثل هذه الأحداث ليست جديدة على التاريخ العربي بل هناك أحداث مشابهة وقعت حتى في الدولة الأموية التي بنت مجدها في عاصمة الأمويين دمشق. من منا لا يذكر حادثة الحجاج بن يوسف الثقفي الذي أرسله الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان للقضاء على الفتن وخاصة في الحجاز والعراق. لم يتوان الحجاج عن قصف مكة بالمنجنيق. ومازلنا نذكر كيف قضى على فتنة أهل العراق ضد الخليفة – الحكم المركزي في دمشق عندما خاطبهم بخطبته النارية البليغة المشهورة التي خلدتها كتب الأدب العربي حديثه وقديمه قائلا "يا أهل العراق.. يا أهل الشقاق والنفاق ومساوئ الأخلاق... اني أرى رؤوسا قد أينعت وحان قطافها واني لصاحبها..". المراد من كل وما قصدناه بهذا المقام هو التذكير بغياب النضج الثوري عند الجماهير العربية ونقصد بهذا ثورة المفاهيم كلها وليس الهبة لخلع ملك جائر أو ظالم حاكم فشتان ما بين الأمرين. برأيي، قلة النضج الثوري هي نتيجة مباشرة لغياب الثقافة الصناعية والعلمية عند الجماهير العربية وخاصة أننا نعيش في عصر علمي تقني متقدم. هذه الجماهير لم تعش الثورة الصناعية التي عاشتها الشعوب الأوروبية والتي كانت نتيجتها تكوّن رأس المال المُستغِل للجماهير من ناحية ومن الأخرى ولادة قوة ثورية عمالية مُستغَلة نظمتها نقابات في البداية والتي تحولت مع الزمن الى أحزاب ثورية حقيقية علمية خاصة بعد ظهور الماركسية، الفلسفة الجديدة الوحيدة التي اعتمدت على العلم والفلسفة المادية والاقتصاد السياسي العلمي ومادية التاريخ البشري والتي حاولت تفسير واقع الحدث العالمي بكل مدلولاته. مازالت هذه الفلسفة قابلة للتحقيق على ارض الواقع، بل باتت ظروف اليوم أكثر جاهزية وواقعية لتفسير الماركسية وربما الاستعانة بها من جديد لتغيير العالم عاجلا أم أجلا والوصول الى العدل الاجتماعي وخلق مجتمعات انسانية واعية مسلحة بأفاق تطور عادلة ينعدم فيها الاستغلال في مقدورها العيش بسلام وأمان وخلق مجتمع بشري يسعى الى غاية وجود واحدة وعاقلة في استغلالها للطبيعة البكر ومواردها المتبقية التي كادت تقضي عليها الرأسمالية المُعولمة والمتوحشة. يجب ان نذكر ان البشرية اليوم اصبحت واعية لظروف وجودها متسلحة بثورة هائلة في التقنية والاتصالات وفي الفتوحات العلمية الحديثة في كل مجالات الحياة. هذا ما حاولنا تفسيره ببساطة وحاولنا أن نجيب به عن غياب النضج الثوري للجماهير العربية الثائرة الآن العامل الأساس في ايجاد ثورة خلاقة تقلب ظهر المجن للقديم وتخلق واقعا ثوريا يفتح بابا لحدث ثوري حقيقي وكبير فعلا ونتيجة.
3- غياب قادة أو قيادة لهذه الجماهير، فعبّأت الدور حركات الاخوان المسلمين، مثلما في تونس ومصر حتى الآن. فحزب الاخوان المسلمين او الحركات الاسلامية وهما كيانان متجانسان قلبا وقالبا منذ عشرات السنين. وما انفك هؤلاء يعملون على وأد المشروع القومي العربي منذ بدايته في بدايات القرن العشرين وبالتحديد بع ثورة يوليو 1952 في مصر ووصول حزب البعث العربي الاشتراكي للحكم في سوريا والعراق. يريد الاخوان المسلمون العودة الى حكم الخلافة الذي أكل الدهر عليه وشرب وليس في مقدوره معايشة ظروف العصر وروح العصر الذي نحياه في بداية القرن الواحد والعشرين.
*الحاجة لقيادة متمرّسة*
اثبت التاريخ أن تلك الحركات التي تدعي أن الاسلام هو الحل لكل مشاكل البشرية لا يردعها تعاونها حتى مع الشيطان الأكبر - الامبريالية الأمريكية لبلوغ غايتها وتاريخها يشير على خلفيتها الموالية للغرب والاستعمار عندما حاولت مرات متتالية اغتيال الزعيم القومي الثوري العربي في العصر الجديد القائد القومي عبد الناصر. يشهد تعاونها مع الامبريالية الأمريكية في أفغانستان على مدى تعاونها ذاك وخطره على مصير الأمة العربية التي تتعرض الآن الى هجمة مسعورة من الغرب الاستعماري يشابه الى حد كبيرفي بعض صوره الهجمة الصليبية في العصور الوسطى على هذا الشرق العربي. هذه الحركات تدور في الفلك الامبريالي الأمريكي وبصورة علنية واضحة ظهرت لا لبس فيها منذ أول جملة نطقها الغنوشي زعيم حزب النهضة - الاخوان المسلمون في تونس الذي حصل على أكثر من 40 بالمائة من البرلمان "الديمقراطي" في خطاب النصر عندما شكر الولايات المتحدة التي وصفها بفم ملآن على أنها الصديقة التاريخية لتونس وللشعوب العربية على حد قوله.هل يعقل وجود مثل هذا الغباء بعد الحاصل كله في عالمنا العربي حيث بات القاصي والداني يعرف بوضوح وبدون لبس أو مراوغة أننا مازلنا ومنذ نهاية الحرب العالمية الثانية نعاني من السياسات الأمريكية المعادية للعرب بصورة قذرة ومتطرفة وان كل ما تعانيه الآن الشعوب العربية سببه تلك السياسة الخرقاء المجرمة في حق كل فرد عربي من المحيط الى الخليج. أين هم قيادة الأحزاب اليسارية والشيوعية في تونس الخضراء وفي دمشق الفيحاء وفي مصر أم الدنيا؟. فحتى لو وجد الحس الثوري والنضج الثوري لا سبيل لنجاح الثورة من دون قادة متمرسين هم بوصلة هذه أو تلك الثورة للوصول الى غايتها والى هدف صريح ثوري ومعلن عنه لجماهير الثورة. هل كان بمقدور الثورة في فرنسا أن تنجح دون وجود قادة ومفكرين أمثال جان جاك روسو وروبسبير وفولتير ومنوتسكيو وفيكتور هيجو وغيرهم من قادة الثورة البرجوازية ومفكريها في فرنسا. هل كان من الممكن أن تنجح ثورة أكتوبر الاشتراكية عام 1917 لولا لينين وستالين وتروتسكي وبليخانوف وغورجي ومياكوفسكي وغيرهم من المفكرين والكتاب وقادة البلاشفة. هل كان من المقدور أن تنجح ثورة 23 يوليو الناصرية لولا وجود عبد الناصر والضباط الأحرار وعبد الرحمن الأبنودي وصلاح جاهين وعبد الحليم وام كلثوم وغيرهم.الشعوب العربية شعوب متدينة بغالبيتها العظمى وتسهل اقامة أحزاب ترتكز على الأيديولوجية الدينية.الحدث الثوري الفعلي الكبير والعظيم في حينه في حياة هذه الشعوب في تاريخها هو الاسلام الذي نقلها من قبائل بدائية متناحرة على التخوم الى امة عظيمة. لقد كان ذاك الحدث ثورة عظمى ألغت القديم وخلقت نظاما اجتماعيا سياسيا جديدا. وجدت الأمة العربية فيه ذاتها وخرجت من نطاق تخومها المنحصر في الجزيرة العربية الى نطاق عالمي آنذاك وصل غربا الى الأندلس وشرقا الى الصين وشمالا الى البلقان وجنوب القارة الأوروبية وجنوبا الى أعماق القارة الأفريقية. لم يحدث منذ تاريخ ذاك الحدث الى الآن حدث آخر هام في تاريخ الأمة موازٍ لذاك الحدث العظيم يمكن الاشارة اليه بأنه حدث غيّر تاريخ الأمة وتاريخ الشعوب العربية. لقد كتبنا بتواضع هنا أن ما يحدث ليس ثورة بل يمكننا تسميته هبة أو بداية عصر نهضة للأمة العربية ربما يمهد ويسبق الثورة. لقد جاء متأخرا اذا أخذنا بالحسبان أن البشرية من حولنا عاشت ثورات فعلية سياسية واجتماعية وعلمية قبل قرون وعقود كثيرة وأصبحت في دور متقدم من التاريخ البشري. ترك العالم العرب خلفهم أو أن العرب تركوا أنفسهم سبايا ثورتهم الحقيقية التي حدثت قبل الزمان بزمان؟. لم يعيشوا الثورة الصناعية التي عاشها الغرب التي سببت بدورها بثورة اجتماعية وسياسية وثقافية وبصورة عامة بثورة حداثة وتجديد في كل شيء تناسب هذه المرحلة من التاريخ البشري. حتى لحظتنا هذه تسود بعض المجتمعات العربية العلاقات الاجتماعية القديمة ما قبل المدنية اذا صح القول هنا ونقصد القبلية والطائفية اذا نظرنا الى تركيبة الشعوب العربية التي تثور اليوم على أصنامها في ليبيا وفي اليمن وحتى في سوريا التي حكمها ومازال حزب علماني مدني لم يفلح بعد في خلق مجتمع مدني راق بعيد عن تلك المرحلة المتأخرة. لو كانت الشعوب العربية على مرحلة متطورة سياسيا واجتماعيا واقتصاديا لما استطاع الاستعمار الماضي والحاضر من اختراقها ولما استطاعت الصهيونية اقامة مشروعها بنجاح لافت للنظر على حسابها وفي موقع القلب من وجودها الجيوسياسي الذي أوجده لها الاستعمار بذاته. لقد حكمت الرجعية الدينية مع الأنظمة الديكتاتورية وعملت يدا بيد على وأد الفكر الاصلاحي في الاسلام ومنذ بدايته، اي منذ رحلة الشيخ محمد عبده وجمال الدين الأفغاني وعبد الرحمن الكواكبي ورفعت الطهطاوي الذين حاولوا اصلاح المؤسسة الدينية وتنويرها فكرا وعملا لتلائم العصر ولم يفلحوا. وضعت تلك المؤسسة حدا حتى لمحاولة التفكير في تجديد الفكرة الدينية وتنوير النصوص الدوغماتية لتلائم روح العصر ولتصل الى هدف الاسلام الحقيقي والى غايته الانسانية السامية الكبرى وهي المساواة بين الناس والعدل الاجتماعي أمثال المفكرين المسلمين اليساريين المعاصرين مثل نصر حامد أبو زيد وفرج فودة في مصر وحسين مروة وهادي العلوي في لبنان وغيرهم الكثيرين الذين قتلوا أو شردوا وصودرت كتبهم وأفكارهم. ها هي الحركات الرجعية التي تتسلح بالاسلام السياسي التي في واقع الأمر تعادي مبادئ الاسلام الحقيقي تعود وتنقض على الأحداث الثورية التي خلقتها الشعوب العربية من بؤسها وحرمانها ومنذ ما يقارب العام لامتصاصها ومن ثم وأدها والقضاء عليها تماما. يحدث هذا بموافقة ومساعدة الامبريالية العالمية التي عملت جاهدة على القضاء على الدولة القومية ومنذ ثور يوليو الناصرية عام 1952.
نحن مع القول ان ما نراه يحدث الآن على الساحة العربية هو ربما انقضاء عصر الانظمة القومية القديمة التي فشلت تماما وبداية انظمة الاسلام السياسي الذي تلتقي مصالحه مع الغرب على حساب الشعوب العربية وعلى حساب حرية الفرد العربي وحرية المرأة العربية وعلى حساب الأقليات غير المسلمة ونقصد المسيحية في المشرق العربي الذي كان لها وما زال الباع الطويل في وجود الحضارة العربية –الاسلامية ومنذ بدايتها. فها هي الحكومة الليبية المؤقتة الثورية بعد نظام ديكتاتوري غاشم ومتخلف دام أكثر من أربعين عاما تعلن على الملأ الغاء القوانين المدنية وتقرُ (وتنفي!) من جديد بشرعية زواج المسلم بأربعة نساء ونحن في خضم ثورة عالمية علمانية وعلمية لها أثرها المباشر الاجتماعي والسياسي في حياة الشعوب. هل من الثوري ومن المعقول في هذا العصر السريع أن الرجل المسلم باستطاعته الزواج من أربع؟ وهل يبقى له في سباقه الرجعي بين مخادع زوجاته الأربع هذا وقت للثورة والبعث والتطور؟ هل النساء في اليمن مثلا جاهزات للثورة العصرية بمفهومها المدني الواسع عندما نراهن مطالبات بتغيير النظام الديكتاتوري من وراء الحجاب الأسود الذي هو كفن الأحياء ورداء على الأقل يغطي ويخفي أجساد النساء وهو ستار الأسرار والشقاء والازدواجية والانفصامية في أجلى مظاهرها؟ إن ما يحدث هو رحلة تحرر تاريخية للشعوب العربية غير مضمونة المصير والصيرورة في المسار الثوري، ربما تصل في يوم ما الى الثورة الحقيقية التي لن تصلها أبدا ما لم تفصل الدين عن الدولة الأساس المتين لخلق قاعدة ثورية حقيقية ومن ثمة رافعة جبارة للعرب ليعودوا أقوياء ومؤثرين على الحدث الانساني العالمي برمته.
(شفاعمرو)
