قد يكون من سمات الحراك الجماهيري بين جماهيرنا في ذكرى النكبة في الأعوام الأخيرة، تغلغل الخطاب السياسي والحقوقي الذي يعالج، بشكل متصاعد، حالة الأقلية العربية الفلسطينية في البلاد ضمن رابط تاريخي واضح بنكبة الشعب الفلسطيني، وتحديدًا بتبعات ومدلولات هذه النكبة منذ عام 1948 على مكانة من بقي من أهل البلاد في وطنهم. ويتزامن هذا التأكيد المتزايد على المحور التاريخي في الرواية التاريخية لدينا، مع تطورات عالمية في مضامير المؤسسات الدولية، وخاصة الأمم المتحدة، التي تبدي اهتمامًا متزايدًا (ومباركًا) بالمجموعات الأصلية، تجلى قبل أقل من ثلاثة أعوام بإعلان عالمي خاص بحقوق الشعوب الأصلية.
للحقيقة، فإن الخطاب الحقوقي العالمي الآخذ بالتبلور نحو حماية أوسع للأقليات القومية والأصلية يؤكد على قناعاتنا التاريخية المجبولة بتجربتنا على أرض الواقع: إن أي خطاب حقوقي حول مكانة الجماهير العربية الفلسطينية في البلاد يجب أن يجمع، بشكل جدلي وفي آن واحد، الحقيقتين الحقوقيتين الكامنتين في واقع هذه المجموعة القومية: كوننا أقلية قومية مضطهَدة على نحو بنيوي، وكوننا البقية الباقية من أهل هذه البلاد الأصليين. إن حقيقة كون الجماهير العربية الفلسطينية في إسرائيل أهل البلاد الأصليين، مجموعة وطن، وعلاقتها العضوية بوطنها، وجدانيًا، وطنيًا، دينيًا وثقافيًا، هي من الأهمية بمكان أن تكون حجر الزاوية في أي خطاب حقوقي حول مكانة المواطنين العرب الفلسطينيين في إسرائيل، سواء في قضايا المساواة اليومية والقومية في البلاد أو في قضايا الخاصية الجماعية.
لسنا مجرد أقلية تعيش في هذه الدولة (أنظروا: الأقلية التركية في ألمانيا)، ولسنا مجرد مجموعة قومية في هذه البلاد (أنظروا: الأقلية الفرنسية في كندا). كما أننا لسنا، بالطبع، مجرد واحدة من المجموعات المستضعفة في البلاد (أنظروا: اليهود الشرقيين). نحن، قبل كل شيء، مجموعة وطن قومية أصلية، عاشت وازدهرت في وطنها، كجزء من الأغلبية سوية وأبناء الشعب الفلسطيني في البلاد قبل قيام الدولة. وقد تركت نكبة عام 1948 فينا، كجزء من نصيبنا من نكبة شعبنا، بصمات واضحة المعالم، بدءًا بسياق الأرض والمسكن (مثل الأراضي العربية المسلوبة، المهجرون في وطنهم، والقرى المهجّرة والأوقاف الإسلامية)، مرورًا بسياق هويتنا الجماعية (مثل مناهج التعليم وإقصاء روايتنا التاريخية والسطو المستمر على ذاكرتنا الجماعية) ووصولا لسياق الإقصاء البنيوي من المواطنة (مثل قوانين المواطنة على أشكالها ورموز الدولة وتحديد المشاركة السياسية ضمن تخوم "يهودية الدولة").
إن أصلية الأقلية الفلسطينية، وكونها الجزء الباقي من الأغلبية الأصلية، هي في صميم كفاحها الحقوقي في البلاد، ولهذه الأقلية الباقية في وطنها خاصيات أخلاقية وحقوقية، لاسيما في قضايا الهوية والأرض والمواطنة، مستمدة من علاقتها العضوية بوطنها ومن حقها التاريخي بالعيش بكرامة في هذا الوطن. وعلى أساس هذه النظرة الحقوقية الأشمل، فإن خطاب "المساواة" بمفهومه التقليدي قد لا يستوفي كافة الجوانب الحقوقية-التاريخية المتعلقة بوضعية الجماهير الفلسطينية، وخصوصية قضايا الهوية والأرض والمواطنة لديها. لا بل أن خطاب "العدالة التوزيعية" الذي يعتمد على التخصيص المتساوي للموارد العامة في الدولة بحيث يحصل المواطنون العرب على قرابة نسبتهم العامة من هذه الموارد، لن يوفر الإطار المطلوب هنا، ناهيك عن خطاب "سد الاحتياجات" الاجتماعية الذي يبقى مقصورا على الأبعاد اليومية الاجتماعية–الاقتصادية (المهمة بالطبع بحد ذاتها) دون التطرق للبعد التاريخي والجماعي، الأوسع والأحق، لحالة الأقلية الفلسطينية.
إن الخطاب الحقوقي حول مكانة جماهيرنا يجب أن يسترشد، أساسًا، بمبدأ العدل التصحيحي، ذي البعد التاريخي، بحيث يستلزم هذا المبدأ مواجهة الدولة في السياسات التي انتهجتها الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة ضد مواطنيها الفلسطينيين منذ قيام الدولة في سياقات الأرض والهوية والمواطنة، والتي ما زالت نتائجها تصبّ الملح على جراح هذه الجماهير حتى يومنا هذا. على الخطاب الحقوقي الأوسع للأقلية الفلسطينية أن يتضمن إلى جانب حقنا بالمساواة، وبالعدالة التوزيعية، المبدأ الحقوقي بالاعتراف بحقوقنا التاريخية-الجماعية من خلال المطالبة بالإقرار بالظلم التاريخي ضد الجماهير الفلسطينية، وبالعمل على إنهاء هذا الظلم ومعالجة عواقبه ضمن مفاهيم العدل التصحيحي – في الأرض والهوية والمواطنة.
