*الدّولة تتعامل مع توزيع الأراضي من منظور "تدجينيّ" لتمتين السَّيطرة على الجماهير العربيَّة، وليس من منظور مهنيّ ومدنيّ نابع من احتياجات المواطنين*إنَّ "تدجين" البلدات العربيَّة والتَّعامل مع العرب كدَواجن يتم حصرهم في بلدات أشبه بالأقفاص والّتي تفتقر إلى أبسط الخدمات، يُحتِّم علينا أن نُبقي الأرض في سُلَّم الأولَويَّات والنِّضالات*
أربعون عامًا على يوم الأرض وما زالت السِّياسة العامة للحكومات الإسرائيلية المتعاقبة تعتمد سياسة تدجين المواطنين العرب في بلدات تفتقر إلى أبسط مُقَوِّمات الحياة؛ كما تُحاول مُجتهدةً قوننة العنصريَّة من خلال تشريعات إقصائيَّة، الأمر الّذي يُغذِي العنصريَّة المُتفشِّية في المجتمع الإسرائيلي تجاه الأقليَّة العربيَّة، ويُخَيِّط لها غطاءً سياسيًّا وثقافيًّا شرعيًّا.
وفي ظلِّ التَّطوّرات القانونيَّة، واستنادًا على نظريَّات السَّيطرة الّتي مِن شأنِها أن تَحرِم الأقليَّة من أبسطِ حقوقها والّتي تؤدي حتمًا إلى تآكل في الحيِّز الدّيمقراطي العام، لا بُد من الإشارة إلى أنَّ الدّولة تتعامل مع توزيع الأراضي من منظور "تدجيني" لتمتين السَّيطرة على الجماهير العربيَّة، وليس من منظور مهنيّ ومدنيّ نابع من احتياجات المواطنين، بالرَّغم من أنَّ هذا الحق يُعتبر حقًّا طبيعيًّا ومدنيًّا.
ومن نافل القول أنَّ القانون الدُّوليّ يُلزم بتعويض المواطن الّذي تمَّت مصادرة أرضه بمبدأ "الأرض مُقابل أرض بالجودة ذاتها" أو استرداد الأرض الّتي تمَّت مصادرتها، وهذا المبدأ لا تعمل بهِ إسرائيل. كما لا بُد من الإشارة أنَّ معظم الأراضي لا يُمكن أن يتملَّكَها مواطنون وعرب، وذلك من مُنطلق سيطرة العديد من المؤسسات والجمعيَّات الصّهيونيَّة على أراضي الدولة، والّتي تعمل بموجب سياسة إقصاء العرب من حق التملُّك.
وتجدُر الإشارة في هذا السِّياق، أنَّنا لا نُعوِّل على المحاكِم الإسرائيليَّة في قضايا الأرض. فعادةً قراراتها في هذا المضمار منبثقة عن السياسات التمييزيَّة العامة المُتجذِّرة في البلاد، والدَّليلُ على ذلك عدم تنفيذ قرار العودة لِقريتي إقرث وبرعم.
ونحنُ على أعتابِ ذكرى العام الأربعين على يوم الأرض، نلمسُ تصاعُدًا ملموسًا في تنفيذ سياسات هدم البيوت غير المُرخَّصة بالبلدات العربيَّة، والّذي هو أصلًا ناتِج عن السِّياسات التمييزيَّة التَّاريخيَّة في لجان التَّخطيط والبِناء، وليس خيار المواطنين العرب. أما الخطورة بهذا المضمار تكمُن في نقلِ صلاحيَّات لجنة التَّنظيم والبِناء من وزارة الماليَّة إلى وزارة الأمن الدَّاخلي، وهذا يعني مَنع القيادات والجماهير العربيَّة من الوُصول إلى تَسويات في القضايا التَّخطيطيَّة بخصوص الأبنية غير المُرخَّصة، ومن شأنِه تعجيل قرارات تنفيذ هدم البيوت غير المُرخَّصة.
ولا يُمكن تجاهل العلاقة الطَّرديَّة الوثيقة بين سياسات التَّخطيط التَّمييزيَّة ومُصادرة الأراضي وبين أزمة السَّكن في البلدات العربيَّة، والّتي من شأنِها أن تؤدّي إلى البناء غير المُرخَّص، خاصةً في ظلِّ انعدام ورفض توسيع مُسطَّحات ومناطق نفوذ البلدات العربيَّة. إنَّ تدجين البلدات العربيَّة والتَّعامل مع العرب كدَواجن يتم حصرهم في بلدات أشبه بالأقفاص والّتي تفتقر إلى أبسط الخدمات، يُحتِّم علينا أن نُبقي الأرض في سُلَّم الأولَويَّات والنِّضالات.
كما لا يُمكن التَّغاضي عن تَغييب المُختصّين والمُخطِّطين العرب عن الهيئات الرَّسميَّة المهنيَّة المُختصَّة في مجال التَّخطيط والبناء، مِمَّا يقود إلى تهميش مضاعف لاحتياجات المجتمع العربي في هذا المجال، بل يُساهم في تعميق الأزمة. هذا التَّغييب المُمنهَج وسياسة التَّدجين المُعتمدة للبلدات العربيَّة، يُعزِّز من مشاعر الإحباط عندَ المواطنين العرب، خاصةً الشَّباب منهم، الّذين يواجهون عقبات لا يُمكن التَّغلُّب عليها في ظلِّ سياسات التَّمييز والتَّدجين.
ما زالت معايير ومُسبِّبات يوم الأرض ملموسة بشكلٍ يوميّ، الأمر الَّذي يدفع العرب إلى حلولٍ لا تتقبَّلها السُّلطات المُختصَّة، كالبناء غير المُرخَّص، وكُلّ ذلك من أجلِ ضمان مأوى ومَسكن وعَيش كريم، وهو ما تنُص عليه وتكَفله الحقوق الطَّبيعيَّة والمَدنيَّة.
وقد نفتقد على مُستوى الأحزاب وباقي الأُطر الوحدويَّة والجامِعة مشروعًا ديمقراطيًّا يهدف إلى حماية وصيانة وَجه البقاء وتَطوّره للجماهير العربيَّة، بعد نجاحها في معارِك البقاء في وَطنِها. علمًا أنَّ الشَّرعيَّة الدوليَّة والقانونيَّة تضمن ذلك. ولكَي نواجه استمرار تدجين بلداتنا العربيَّة، علينا أن نُبادر، قيادةً وشعبًا، لصياغة مشروع ديمقراطيّ يحمي الأرض ويصونها.
(عضو جبهة النَّاصرة)
