في وصف ديموقراطيتنا

single

مررت أمس، بعيدا عنكم، على مقربة من السيدة ديمقراطية فرفعت يدي أحييها على طريقة الشّاب العكّاويّ: أيشكْ خَيْتا. فابتسمتْ وحدّقتْ بي فاعتذرتُ لها قائلا: لا تؤاخذينا ان نسينا أو أخطأنا ولا تحملي علينا اصرا ولا تحمّلينا ما لا طاقة لنا به فما أنا الا من غزيّة ان غوتْ غويتُ وان ترشدْ غزيّة أرشد. أنا من مجتمع قبليّ قبائله مفككة مبعثرة ومن مجتمع مدنيّ بلا مدنيّة ومن مجتمع زراعيّ بلا زراعة ومن مجتمع صناعيّ بلا صناعة ومن مجتمع مُتَغَرْب لباسا وأثاثا ومُتَعَثْمن عقلا وفكرا.
  علاقتي بك يا سيدتي علاقة ضيزى. ان لعبت في ساحتك وربحت اللعبة مدحتك أكثر مما مدح النواسيّ داءه وان خسرتها قلت فيك ما قاله مالك في الخمر وكلتاهما سلافة.
   نحن العرب القحطانيين والعدنانيين والعاربة والمستعربة والغاربة والمستغربة مولعون بك ومتيّمون بطولك وبعرضك وباسمك، ومن شدة الوجد فاننا نصوّت أحيانا عن الحاضر وعن الغائب كي نثقف الناس ونذيقهم حلاوة معناك، ونصوّت عن طلابنا الغائبين الدارسيين في بلدان العالم كي لا نحرمهم من الحق الديمقراطيّ، ونصوّت عن أهلنا الأموات شريطة ألا يكون الميّت قد قبض قبل أكثر من أربع سنوات، وذلك أحياء لذكراهم لأنه لا يبقى من الميت بعد دفنه الا ثلاثة: علم ينتفع به وصدقة جارية تفيد الناس وولد صالح يدعو له ولأننا تعصرنا أضفنا: وصوتٌ يصرخ في صندوق الاقتراع: ما زلت معكم معكم معكم، كما أننا نصوّت عن أقاربنا وجماعتنا الذين سافروا الى الديار الحجازية لتأدية فريضة الحج وهذا التصويت يكون بركة لنا ومباركة لهم... لبيك اللهم لبيك!!
   اكتشفنا عن طريق الفضائيات أن الأمريكان يمارسون الانتخابات التمهيدية ويسمونها برايمرز، ونحن نموت باللحم والرز، ولا أحد أفضل من أحد، فطوّرناها  وعرّبناها وريّفناها وعملنا برايمرز العائلة. وهذا اختراع عصري ديمقراطي يجب أن يسجل لنا. أكاديميون وجامعيون ومحامون وأطباء ومهندسون وحملة شهادات فوق فوق ينافسون في برايمرز العائلة وهذا دليل على شعبيته فله شعبية في مجتمعنا أكثر من معسل تفاحتين.
   من شدة تعلقنا بالديمقراطية فلا بأس إن تشاجرنا مع الجيران ومع أبناء العائلات الأخرى الذين لم يؤيدوا ديمقراطيتنا، لأننا نريد أن نجعلهم حضاريين وعصريين ولأننا نرغب بأن نغرس الديمقراطية في نفوسهم وبما أنهم لا يفهمون الا لغة القوة ويعلّمون أطفالهم منذ الصغر" أبّا..أمّا..حجر..عصا" فأننا نضربهم بالعصيّ والحجارة والرصاص وقد نحرق سياراتهم ونقطع أشجارهم كي نلقنهم درسا لن ينسوه أبد الدهر، والويل ثم الويل لأصدقائنا وأترابنا اذا لم يصوّتوا لنا أو لابن عمنا أو لابن خالنا أو لابن عمتنا أو لابن خالتنا فلا بد أن نقاطعهم ويضرب بطرس بسخوله. مش بطرس الناسك ولا بطرس البستاني ولا بطرس بطرس غالي.
   ويزعلنا هؤلاء الذين بيننا وبينهم عيش وملح فكم أكلنا المسخّن  والمجدرة معا ولم يتعلقوا بمرشحنا وفضلوا عنه مرشحا آخر. بلا عيش بلا ملح بلا بلوط.
   يزعم الاوروبيون أنهم دفعوا دما وعرقا طيلة قرون من أجل عيون الديمقراطية أما نحن فسوف نجعل منافسينا ومعارضينا يدفعون الدم والعرق ثمن عدم ولائهم وعدم تبعيتهم لنا.
   نحن أبناء الايميل والانترنت والايفون والهايتك. تك. تك. تك.تكتك يا ام سليمان. تك.تك. تكتك ديمقراطية وكوسا وباذنجان.

قد يهمّكم أيضا..
featured

من دروس أكتوبر في الذكرى العاشرة

featured

كلمة وفاء ورثاء لمربي الأجيال الأستاذ خليل يوسف أبو زينة

featured

سنصبح على وطن!

featured

من ضرورات التحالف والتأطّر المشترك

featured

الجامعة العربية تنتهي رهينة.. والسعودية تسقط الاخوة باحتجاز الحريري

featured

عن التكاثر، و"إسراطين"، ومقامرة الديموغرافيا والجغرافيا

featured

سفارة الكلمات

featured

العرب المسيحيون في الخلافة الاسلامية