يحاول قسم من بسطاء الناس او الناس او الفئات غير المسيّسة وغير المطلعة على ألاعيب السياسة العامة في الشرق الاوسط والعالم في فهم المتغيرات الحاصلة، وكأنها تجري وتتغير بشكل اوتوماتيكي من خلال تصريح او خطاب متلفز لرئيس حكومة هنا او رئيس دولة هناك. نعني بذلك الإشكال الواقع حاليا والذي يجري حوله الحوار والبحث والنقاش عالميا وتبنى المواقف سلبا وايجابا من الازمة الناشئة المصطنعة بين الادارة الامريكية واسرائيل. فالناس العاديون لا يأخذون بعين الاعتبار مسألة الربط بين المصالح المشتركة الاستراتيجية لكل من اسرائيل والولايات المتحدة. وقد يجد بعض الناس صعوبة في فهم ما هو المتحول في السياسة الاميريكية والثابت فيها ومنها وفق سياسة المصالح المشتركة لكلا الحليفين اسرائيل – الولايات المتحدة. والادارة الامريكية مثلا تمارس المتحول والثابت في السياسة ناهيك عن انها تمارس الزنا والعهر السياسي في تعاملها مع قضايا العرب عامة والفلسطينيين خاصة، عن طريق ايهام العالم وخصوصا الحكام العرب والسلطة الفلسطينية بان هناك تغييرًا في سياستها تجاه حليفتها اسرائيل وان الخلاف الآن جدي جدا مع حكومة نتنياهو – براك – ليبرمان. فالزنا والعهر السياسي للادارة الامريكية هو في الحقيقة عهر دبلوماسي متلون يجمع في جوهره كافة ألوان التهميش الجوهرية للصراع الا وهو الحق الفلسطيني، وايهام العالم والحكام العرب مثل مصر مبارك والسعودية ودول الخليج عن طريق الاتفاق على الحقوق والثوابت الفلسطينية واستحقاقات عملية السلام، في إخضاع سوريا للحل الامريكي الاسرائيلي عن طريق دق اسافين بينها وبين حليفتها ايران في التخلي عن حزب الله والمقاومة اللبنانية والفلسطينية، تمهيدا لضرب ايران اولا وسوريا ثانيا والقضاء على المقاومة العربية الممثلة بالمقاومة الفلسطينية واللبنانية.
ما هو الخلاف الناشئ حاليا بين اسرائيل والادارة الامريكية؟
ان عمر الادارة الامريكية بادارة براك حسين اوباما يزيد عن عام، والعالم بأسره وشعوب الشرق الاوسط بالذات رأت في هذا الانتخاب بوادر خير وانفراج، وانه لا بد من تحول جدي في السياسة الامريكية تجاه مشاكل وقضايا المنطقة المشحونة بالعنف والتوتر وسفك الدم على مدى اكثر من نصف قرن وبالذات في زمن الادارة العدوانية للرئيس جورج بوش. فما هو الفارق الزمني بين مجيء الادارة الامريكية الجديدة برئاسة اوباما، وبين مجيء حكومة اليمين المتطرف بزعامة نتنياهو؟ أليس تقريبا نفس الفترة بفارق اشهر قليلة. وعلى ماذا هذا الافتعال من الخلاف والتباعد في وجهات النظر بعد مرور هذه الفترة بالذات؟ أليس هذا نتيجة العهر والدجل السياسي اللذين يمارسهما كلا الحليفين معا وهما في الجوهر متفقان عليه. أليس هذا الافتعال يراد منه جلب المفاوض الفلسطيني الى طاولة المفاوضات دون شروط وغمغمة قضية الاستيطان وبالذات في قلب مدينة القدس، أليست هذه الازمة مفتعلة في هذه الظروف بالذات وفي خضم التحضير المباشر بتشديد العقوبات على ايران تمهيدا لضربها وهذا الامر يحتاج الى تجنيد الحكام العرب و"عرب امريكا بالذت"؟ ألا يهدف ذلك الى التهميش والتقليل من محاولة فك العزلة العالمية والاوروبية بالذات على حكام اسرائيل بعد اغتيال القيادي في حركة حماس محمود المبحوح، هذه العزلة التي تخنق حكام اسرائيل وتضعهم في قفص الارهاب الدولي وجعل قيادتهم داعمة للارهاب. ألم يأت هذا الافتعال من الازمة كرد وتحجيم وتقليل من الموقف والدور التركي المتحول والصريح تجاه القضايا العربية عامة والقضية الفلسطينية خاصة، الذي جاء في خطاب اردوغان في القمة العربية الاخيرة والذي يخدم اولا مصالح الشعب التركي وشعوب المنطقة بما فيها مصالح الشعب الاسرائيلي. إننا نؤمن ان موقف تركيا اليوم يجب ان يكون ويتحول رويدا رويدا في مناصرة الشعوب العربية والحق الفلسطيني والتحذير من تهويد القدس والاقصى، ومع الانسحاب الكامل من الاراضي العربية واقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية. ان الشعور العام هو ان تركيا بقيادة اردوغان تريد بهذا التحول ان تكفّر عن ذنوبها من الحقبة التاريخية في استعباد العرب وشعوب المنطقة ابان فترة العهد العثماني الذي استمر لأكثر من اربعمائة عام. هل تكون ادارة اوباما اكثر صراحة وجرأة من حكومة اردوغان وتريد ان تعترف بالحق العربي عامة والحق الفلسطيني خاصة وتعمل على إنصاف الشعب الفلسطيني، في اقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية من خلال ممارسة السيادة الفلسطينية على القسم الشرقي للمدينة التي فيها المسجد الاقصى المبارك وتفكيك المستوطنات الكولونيالية، ومد يد السلام العادل نحو الشعب الاسرائيلي وقيادته والاعتراف بالحق السوري باعادة مرتفعات الجولان السورية الى الوطن الام سوريا. وكذلك ما تبقى من اراض محتلة في جنوب لبنان الى اللبنانيين.
فمنذ اكثر من نصف قرن والادارات الامريكية تستقبل وفودًا من اسرائيل والعالم العربي والاسلامي والاوروبي والروسي والعالم عامة، وخلال هذه الفترة الطويلة من الحروب تارة والدبلوماسية تارة اخرى لم يتمخض شيء في إنصاف الحق الفلسطيني قامت اسرائيل خلالها، بشتى انواع الحروب واكثرها دموية بحق الشعب الفلسطيني والشعوب العربية عامة، ولم نسمع عن تحول في الموقف الامريكي، حتى اتفاقيات اوسلو وخارطة الطريق والعشرات من الاتفاقيات لم تضمن كلها ولو الحد الادنى مما اتفق عليه. وهل فعلا الطرف الامريكي هو طرف محايد؟ الممارسة العملية والترجمة الفعلية للسياسة الامريكية الشرق أوسطية تقول ان مصالح امريكا العليا الاستراتيجية الرأسمالية والامبريالية الجديدة هي بسط نفوذها في العالم. فهي متحالفة ضمن وحدة وصراع المصالح مع حكام اسرائيل فهم في الشكل يختلفون فيما بينهم على كيفية تقسيم المصالح ( الكعكة ) لمن تكون الحصة الاكبر. ألادارة الامريكية بحكم موقعها ونفوذها القوي عسكريا واقتصاديا وسياسيا لا يمكن ان تلعب دور المحايد النزيه في تقريب وجهات النظر للوصول الى حلول ترضي جميع الاطراف. ان ممارسة سياسة كهذه صريحة وعادلة ترضي الحق الفلسطيني اولا والعربي عامة، وبهذا تكون الادارة الامريكية تمارس سياسة مجردة تخلو من العهر والزنى السياسي وهذا مناقض لمصالحها الطبقية – الاقتصادية والسياسية. هل امريكا صديقة للشعوب ام عدوة. ان صراع الولايات المتحدة مع الكثير من شعوب العالم على مدى الحقبة التاريخية ما بعد الحرب العالمية الثانية، يدل على ان الولايات المتحدة لم تعط ولم تعترف في يوم من الايام بحق شعب من الشعوب بالحرية والاستقلال الا من خلال الحروب التحررية التي خاضتها هذه الشعوب في سبيل حريتها واستقلالها، وكان الفشل والتقهقر من نصيب الامريكان وحلفائهم، هكذا كان في فيتنام وهكذا في الجزائر والقائمة طويلة. هل تستطيع الادارة الامريكية الحالية الضغط على حكومة نتنياهو في عز ما يسمى بالازمة المفتعلة وتقول لحكومة نتنياهو ان الوقت حان للانسحاب الى حدود 67، وان القدس الشرقية عاصمة الدولة الفلسطينية وان عليكم يا حكام اسرائيل تنفيذ قرارات الشرعية الدولية المتعلقة بالحقوق الفلسطينية وحل قضيه اللاجئين حلا عادلا، وانه عليكم ان تقبلوا بالعيش مع شعوب ودول المنطقة باحترام ومساواة وتكونوا جزءًا مكونا وفعالا من الشرق الاوسط الخالي من العدوانية والحروب والحقد والقهر وسفك الدم.
أيها القراء والناس عموما انتم بحسكم الطبقي والسياسي تكتشفون مثل هذا العهر المزدوج واللعب على مصالح وكرامة شعوب المنطقة، فلا تبنوا الآمال على مثل هذه الخلافات التي تكون في جوهرها خلافات تكتيكية على الاسلوب والتنسيق على الزمان والمكان لا على الكعكة والاهداف الاستراتيجية المتفق عليها طبقيا وسياسيا، الا وهو ابقاء نار الحرب والعدوان مشتعلة وانهار الدم تسيل بغزارة في هذه المنطقة من اجل تدفق الاموال على الخزانة الامريكية وحليفتها اسرائيل والمجمّع الصناعي العسكري في كلا البلدين. اما القيادة الفلسطينية وشعبنا الفلسطيني عامة فقد جرّبا من الادارات الامريكية الكثير، واما افتعال الخلافات بين النمر والاسد فلم ينطل عليه، فكلاهما وحوش لا يوثق بهم.
شعبنا وقيادته يسيران في خطين متساويين، استمرار الجهود الدبلوماسية كأسلوب للوصول الى الهدف مرة تلو المرة، وكذلك الاستمرار في مقاومة المحتل بكل الطرق الشرعية حتى ينال شعبنا حقوقه الشرعية غير القابلة للمساومة.
(ابوسنان)
