تنتقل المعارك السياسية والوطنية، التي تصل حد المواجهة، للمواطنين العرب في هذه البلاد من موقع إلى آخر. فهي تزداد مع اشتداد وتعسف سياسة الاضطهاد والتمييز القومي التي يتبعها حكام إسرائيل تجاه السكان العرب الأصليين أصحاب هذه البلاد، ولهذا تتواصل المعركة على الارض والمسكن وكيفية المواجهة والصمود والبقاء. بالأمس كانت وما زالت المواجهة مستمرة وستأخذ أبعادًا وأشكالا عديدة وخططا وقوانين عنصرية على شاكلة برافر وسيكون برافر رقم 2 لسرقة ونهب ما مجموعه أكثر من 80000 دونم وترحيل وتشريد ما يزيد عن 80 ألف مواطن فلسطيني من ارض النقب الطاهر. وان هدم قرية العراقيب للمرة الثالثة بعد الستين وإعادة بنائها بنفس عدد مرات الهدم هو مؤشر خطير على مدى وحشية وعنصرية المؤسسة الحاكمة في تعاملها مع المواطنين العرب.
لم يُلغَ مخطط برافر الجهنمي الاقتلاعي، وإنما تم تجميده فهناك تفسيرات واختلافات حول الطريقة الأنجع والأسلوب الأكثر حضاري وديمقراطي بنظر القائمين على المخطط وكل السياسة العنصرية لحكومة اليمين العنصرية. ان الصمود والمواجهة من خلال الهبة الشعبية والجماهيرية لأهالي النقب خاصة ومجموع الجماهير العربي عامة، لها الدور الهام والبارز في تعطيل وافشال المشروع العنصري ولو مؤقتًا، لننقل المعركة على امتداد الوطن الذي لا وطن لنا سواه، من الجنوب إلى الشمال وبالذات على الاستمرار في تهويد ما تبقى من الجليل وأراضي المواطنين العرب، بعدما نهبوا وأقاموا عشرات المستعمرات والمدن والمناطق الصناعية والتجارية على أكثر ما يمكن من الأرض العربية، بأقل ما يمكن من السكان والمواطنين العرب عليها.
لم تُقم حكومات الاضطهاد والتمييز القومي الإسرائيلية منذ قيامها ولغاية اليوم، أي منطقة صناعية وتجارية أو قرية عربية بهدف حل أزمة السكن التي تضرب معظم قرانا ووسطنا العربي. سوى في يركا بعدما صادرت المزيد من الأراضي لأهلنا في يركا ويانوح وغيرهما. ان معركة اليوم على الأرض والمسكن والوجود الوطني والقومي، هي تتمة واستكمال لمعركة يوم الأرض الخالد سنة 1976 وما تبعها من أحداث وأيام وطنية خالدة وضحايا ومصابين، فالجرح لم يلتئم بعد، والمعركة واحدة من يوم الغضب والعراقيب الى هبة أكتوبر 2000 حتى نجدة رمية وأهلها. لقد أقاموا مدينة كرميئيل في سنوات الستينيات من القرن المنصرم على أراضي قرى الشاغور نحف والبعنة ودير الأسد ومجد الكروم، واليوم لا يتحملون بضع مئات قليلة من أهالي رمية العرب على مساحة صغيرة من الأرض والتي أصبحت تحاصرها البنايات الشاهقة المتعددة الأهداف من كل الجهات، لدرجة أصبحت قرية رمية الصغيرة والموجودة على خارطة الأرض والوطن قبل مجيء كرميئيل إليها، وقبل تأسيس الدولة التي لا تعترف بقرية رمية، هذه الدولة التي تأسست على أنقاض مئات القرى الفلسطينية في أبشع عملية طرد وترحيل في التاريخ الحديث والتي جرت سنة 1948 والمخطط ما زال قائمًا وقابلا للتنفيذ كلما تسنح الفرصة لذلك، بهدف إفراغ ليس الجليل وحده وأهالي رمية والنقب من أهله، وإنما إفراغ فلسطين التاريخية والسياسية والجغرافية والقضاء على الفكرة وتبديد قرار التقسيم الصادر عن الأمم المتحدة في 29/11/1947 بإقامة دولتين في فلسطين واحدة عربية فلسطينية وأخرى يهودية. فقامت إسرائيل وساهمت مع الاستعمار والرجعية العربية في منع تنفيذ الشق الثاني من القرار، وها هي إسرائيل ومنذ ذلك الوقت وهي تسابق الريح والزمن في تغيير الجغرافيا السياسية والطبيعية للبلاد، في بناء المزيد من المستوطنات وتصادر كما تشاء وتشرعن القوانين بما يناسب أهدافها الصهيونية والكولونيالية في الاستيلاء على الأرض، لإجهاض الحق الفلسطيني في إقامة دولته المستقلة القابلة للحياة، أو نسف كلي للعودة إلى قرار التقسيم 1947.
ولهذا يتعرض أهلنا في رمية، والتي أصبحت تعيش في قلب مدينة كرميئيل، إلى شتى أنواع القهر والتمييز الذي أصبح يفوق كل حدود العقل والمنطق. بضع عشرات من البيوت المتناثرة على مساحة صغيرة من الأرض. يعيش فيها المئات من الأطفال والنساء والشيوخ، في بيوت بُنيت من ألواح الصفيح والاسبست التي باتت تشكل خطرًا صحيًا على ساكنيها، محرومين من كافة وشتى مقومات الحياة. يواجهون وحدهم ويوميًا سياسة القهر والحرمان والعنصرية في ابسط الحقوق الأساسية، إذ تقوم بلدية كرميئيل العنصرية وسياسة القهر والذل الحكومية من حرمانهم على استعمال أرضهم الغالية التي ورثوها منذ مئات السنين وقبل مجيء كرميئيل وإسرائيل إليهم. في محاولة لحملهم على الاختيار القسري ما بين الطرد أو الترحيل عن أرضهم والتبادل بما تطرحه الحكومة وبلدية كرميئيل. فيما يقول أهالي رمية لأصحاب السياسة العنصرية وللرأي العام، إما الحياة والعيش الكريم على أرضنا واعتبارنا جزءًا من منطقة نفوذ كرمئيل، وإما الموت في باطن هذه الأرض التي احبتنا واحببناها لأنها جزء منا ونحن جزء منها. فيما ترفض بلدية كرميئيل العنصرية اعتبارهم جزءًا منها، ولذلك تمنع عنهم كل وسائل العيش والحياة والصمود، فلا ماء ولا كهرباء ولا اتصالات ومواصلات وشوارع وبنية تحتية، تمنع عنهم البناء الحديث كذلك الأمور الصحية كما يضطرون هم وأولادهم للسفر بما لا يقل عن خمسة كيلو مترات لتلقي الخدمات التعليمية والصحية والتجارية وغيرها.
إن معركة أهالي رمية ليست معركتهم وحدهم، بل هي معركة كل المواطنين العرب في هذه البلاد. معركة الوجود والهوية والكرامة الوطنية والقومية والحقوق اليومية غير القابلة للمساومة بل هذه معركة يجب ان تتناقلها الأجيال جيلا بعد جيل، فالتمسك بالأرض يعني الحفاظ على العرض، فالأرض هي الاحتياطي القليل المتبقي لحوالي مليون فلسطيني ممن بقوا في الوطن. ولهذا يتطلب الأمر والواجب الأخلاقي والوطني العمل على توسيع دائرة الكفاح والنضال اليومي وزيادة التأثير وطرق كل الأبواب الحكومية والبرلمانية والشعبية والقضائية وصولا للرأي العام الدولي ومنظمات حقوق الإنسان والاتحاد الأوروبي بهدف التأثير ونزع شرعية اللاشرعية في كشف القناع العنصري الذي تلبسه الحركة الصهيونية وحكام إسرائيل في تعاملهم اللاانساني القائم على التمييز والاضطهاد تجاه مواطني البلاد الأصليين من العرب الفلسطينيين.
فحماية أهالي رمية من التشريد والهدم والترحيل ومواصلة التشبث بالأرض والبيت والحجر والشجر والصمود في وجه آلة الهدم وسلطة الاضطهاد والتمييز القومي، هي مسؤولية سياسية وأخلاقية ووطنية على كل مواطن عربي أصيل في هذه البلاد ان يتحملها. ولهذا يتطلب الآن من مجموع المواطنين العرب ومن خلال سلطاتهم المحلية والبلدية وكذلك التمثيل العربي اليهودي في الكنيست والعربي في البرلمان، ومن مجموع الأحزاب والحركات السياسية الناشطة والتي لها بالأساس التمثيل البرلماني، ان تتحمل مسؤولياتها السياسية والقومية والإنسانية في رفع الغبن والظلم والإجحاف وإيجاد التسوية العادلة، بما يضمن حقوق أهالي رمية في العيش بشرف وكرامة فوق تراب قريتهم وفي بيوت آبائهم وأجدادهم الذين توارثوها من خلال ملكية أراضيهم عبر عشرات وعشرات السنين.
إننا نأمل ان تتواصل المعركة الشعبية والجماهيرية، وان تتفاعل سياسيًا وإنسانيًا وقضائيًا في نصرة أهلنا في رمية وإعلاء صوت الحق وأصحابه على صوت الظلم والعنصرية وكل سياسة حكومة البطش والقمع التي يمارسها حكام هذه البلاد.
(كويكات/أبو سنان)
