دوّار جمال عبد الناصر في كفرمندا

single

من حسن حظي وابناء جيلي اننا عشنا الزمن الجميل في ايام عبد الناصر



ما نعرفه ان الشعوب الحية لا تنسى رجالها الكبار وقادتها العظام بعد رحيلهم، فهم باقون في ذاكرة الامة نبراسًا مضيئًا وتاريخًا مجيدًا، تستلهم منه القوة كلما ألمّت بها المحن وغاشيات الزمن. وتخليدًا لذكرى هؤلاء القادة العظام يطلقون اسماءهم على الشوارع والمدارس وفئات العملة المختلفة. وهذا اقل واجب تجاه هؤلاء القادة الكبار والزعيم الخالد جمال عبد الناصر واحد من هؤلاء القادة الكبار والعظام.
كان قائد ثورة غيّرت مجرى التاريخ في المنطقة العربية، وتلاقت معها حركات التحرر الوطني في آسيا وافريقيا وامريكا اللاتينية، في منتصف القرن الماضي، فكان عبد الناصر رمزا للحرية، والعدالة الاجتماعية، والكرامة الانسانية، والعزة الوطنية والقومية، مما حدا بالغرب الاستعماري، قديمه وجديده ان يناصبه العداء ويجند في ذلك عملاءه الرجعيين، وربيبته الصهيونية. وكان شرفًا عظيمًا لعبد الناصر ومن سار معه ان يكون جميع هؤلاء هم اعداءه لانهم اعداء وطنه، واعداء امته، ومصّاصو دم البشر في كل مكان.
وليس غريبا ان يكون السواد الاعظم من الشعب المصري، والشعوب العربية واحرار العالم في كل مكان مع هذا الرجل، ومع ثورته الوطنية التحررية العظيمة. فهو صاحب الصيحة القوية: "ارفع رأسك يا اخي فقد ولّى عهد الاستبداد". وهو صاحب الموقف الشجاع والصلب، حين قال وفي اكثر من مرة: "نعادي من يعادينا، ونسالم من يسالمنا". وكان صاحب الفلسفة التي تظل صحيحة في كل العصور حين قال: "ما أخذ بالقوة، لا يسترد إلا بالقوة".
وحين تكون هذه بعض ملامح هذا القائد وهذا الزعيم، فليس غريبا أن تتكالب عليه الرجعية العربية التقليدية، وتلك الرجعية التي تسربلت بلباس الدين من جماعة الاخوان المسلمين، وعداؤهم لعبد الناصر لم يكن عداء شخصيا وانما هو العداء لعبد الناصر الموقف، وعبد الناصر الثائر، وعبد الناصر المشروع القوي الحضاري للامة العربية. وهذا امر طبيعي ان تلتقي الرجعية المتخلفة والقوى الظلامية مع الاستعمار لمحاربة نهج عبد الناصر ومشروعه. وكانت اسرائيل دائما تلعب كمخلب قط في الحروب المتتالية ضد عبد الناصر ومشروعه، من اجل التخلص من شخص عبد الناصر، واسقاط مشروعه حتى يخلو لهم الميدان. وحين رحل الرجل في الثامن والعشرين من ايلول 1970 ظنوا انهم تخلصوا منه، لكن فكره ومبادئه وانجازاته ظلت باقية، يستلهم منها الشعب المصري وشعوب الامة العربية طريق الخلاص.
وكان لا بد لهم من تكثيف الهجمة الشرسة عليه بعد رحيله لتشويه صورته ومحو آثاره وطمس معالمه. وكان الاخوان المسلمون، الذين خرجوا من جحورهم، اكثر هؤلاء عداوة لعبد الناصر والناصرية، ولمجمل الحركة القومية العربية، فراحوا يرفعون  شعاراتهم الغيبية، وافكارهم المحنطة، مبشرين (!!) بالخلافة الخرافة. لكن عبد الناصر، ورغم مرور اكثر من اربعة عقود على رحيله، ظل المنارة المضيئة وسط الظلام. فلم يكن غريبا ان يرفع ثواره 25 يناير والثلاثين من يونيو صورته في الساحات والميادين، للتخلص من الكابوس الذي ران على حياتهم اربعين عاما. وهذا ان دل على شيء فانما يدل على ان هذا القائد والزعيم لا زال في ضمير الشعب، الذي اعاد له كرامته المهدورة. كما انه ظل حيًا في ضمير ابناء الامة العربية، وخاصة الشعب العربي الفلسطيني. وقد كرّس كل حياته من اجل فلسطين، فقاتل عام 1948 في النقب، وحاصرت القوات الصهيونية الكتيبة السادسة مشاة، التي كان جمال عبد الناصر رئيس اركانها في الفالوجة لاشهر طويلة. فلم يستسلم رغم اصابته بجراح، وخرج بعد ذلك مرفوع الرأس مع باقي جنوده من الحصار.
والكل يذكر انه في نفس اليوم الذي رحل فيه عبد الناصر كان يعمل من اجل فلسطين وشعبها، حين استطاع ايقاف نزيف الدم في الاردن بين المقاومة الفلسطينية والنظام الاردني. ووفاءً من الفلسطينيين في كل مكان لهذا الرجل، ففي يوم جنازته التاريخية التي شارك بها سبعة ملايين مصري في القاهرة، جابت شوارع وازقة قرانا وبلداتنا العربية، في الجليل والمثلث والنقب والمدن المختلطة، جنازات رمزية جماهيرية وفاء لشهيد فلسطين، شهيد العرب، وشهيد قوى التحرر العالمي جمال عبد الناصر العظيم.
واليوم حين يقوم مجلس كفرمندا المحلي، بعد ان توجه اليه الاخوة في الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة هناك لاطلاق اسم هذا القائد على الدوار الجديد  في القرية، كانت الاستجابة لهذا الطلب. وهو واجب جاء متأخرا لكنه في الاتجاه الصحيح. نحن نحيي كل الذين دعموا الفكرة وآزروها، لان جمال عبد الناصر فخر لكل العرب في كل مكان. لكن الاخوان المسلمين في كفرمندا، وبتوجيه من قيادتهم الحاقدة الموتورة على هذا الرمز القوي الكبير، اعترضت على التسمية، واصدرت بيانات الاستنكار والتنديد، والتهديد المبطن بادعاء ان هذا يعكر صفو السلم الاهلي في كفر مندا. ونحن لا نستغرب موقف الجماعة التي لا زالت اسيرة احقادها. وهذا يدعونا للتفكير في جدوى العمل المشترك مع هؤلاء في كثير من المجالات، لانهم غير صادقين وهم ابعد ما يكونون عن العمل المشترك، إلا إذا أرادوا تجييره لصالحهم ولصالح اهدافهم التي تجعلنا اكثر من اي وقت مضى نشك فيها، ونتوجس منها، ومن حقنا ان نأخذ الحيطة والحذر. فالعداء لعبد الناصر ونهجه بالنسبة لي خط احمر. ومن حسن حظي وابناء جيلي اننا عشنا الزمن الجميل في ايام عبد الناصر.
وفي النهاية اجدني مضطرا ان اختم هذا المقال بمقطع للشاعر الراحل نزار قباني حيث قال:
وعندما يسـألنا أولادنا
من أنتـم؟
فى أي عصـر عشتمُ؟
فى عصر أي ملهـم؟
فى عصر أي ساحـر؟
نجيبهم: فى عصر عبد الناصـر
الله.. ما أروعها شهـادةً
أن يوجد الإنسان فى زمـان عبد الناصر..!

قد يهمّكم أيضا..
featured

وجبات عربية بالعبرية: "تعايش" و"وئام" أم استعمار وإحلال؟!

featured

إعادة إنتاج النكبة هو المشروع الامبريالي السائد

featured

شيوعي عريق - موسى حورى ابو الشربت

featured

الف تحية لمن خذلوا الداعين للمقاطعة والف تحية لمن تحدوا الطبيعة والطقس الزمهرير

featured

"تينوّر الملح"

featured

التواصل الاجتماعي بكل اللغات لفضح جرائم الاحتلال

featured

المعركة على المواطنة

featured

"فكرنا الباشا باشا"