الخدمة المدنية من الترغيب للفرض والترهيب

single

بحسب قانون خدمات الأمن الاسرائيلي،  1949، تسري الخدمة الإجبارية في الجيش على كلّ مواطني الدولة  الثابتين بدون فرق في الدين أو القومية أو العِرق. لكن من الناحية العملية تُعفى بعض المجموعات في الدولة من الخدمة العسكرية كالنساء اليهوديات المتدينات، النساء ألمتزوجات، الأمهات، الرجال اليهود المتزمتين والعرب.
الخدمة المدنية هي مخطط حكومي لتجنيد الشباب العرب، وتعود آخر محاولات تطبيق الفكرة إلى ما بعد هبة أكتوبر 2000 حيث خرج الشباب العربي متضامنا مع شعبه بعد محاولة دخول شارون الاستفزازي إلى المسجد الأقصى وشن العدوان المفتوح على الشعب الفلسطيني.
 إن هذا الانفجار غير المتوقع  والتعنت من قبل أجهزة الأمن المختلفة بالرد العنيف أدى إلى استشهاد 13 شابا فلسطينيا من حملة الجنسية الإسرائيلية، ما أدى  إلى تبخر وتفجر وهم السلام الذي ساد المنطقة بعد اتفاقية أسلو.
وعليه  توصل الشباب الفلسطيني إلى قناعة "الخندق الواحد"، مما كان له أثر كبير في تجذير الهوية الفلسطينية وبالتالي تعميق الشرخ ما بين الفلسطينيين في الداخل والسلطات الصهيونية.
وهكذا أتت الفكرة ، كمحاولة لغسل دماغ الشباب الفلسطيني من خلال مشروع الخدمة المدنية، وهو مشروع يعرَض على الشباب العربي بعد تخرجهم من المرحلة الثانوية، يعمل من خلاله الشاب لمدة سنة أو سنتين  في  إحدى المؤسسات الرسمية وغير الرسمية مقابل مبلغ شهري زهيد ومنحة عند إنهاء الخدمة، ووعود بامتيازات فردية معينة (حتى الآن لم تثبت صحة أيٍّ منها حتى لمن انهوا الخدمة العسكرية).
ومن هنا حاولت الحكومة وبطرق شتى للترغيب محاولةً تجنيد الشباب العربي. فعلى سبيل المثال اعتقدت الحكومة انه ومن خلال تقديم منحة زهيدة للشباب يمكنها جذبهم بسهولة . بدل وضع خطة إستراتيجية للتعامل مع الفقر  المستشري أساسا في المجتمع الفلسطيني الذي يعيش نصف أطفاله تحت خط الفقر. 
وفي فصل  آخر من هذه المؤامرة  كان محاولة لاستغلال شح فرص العمل . الذي هو نتاج لسياسة ممنهجة تعمق الفجوة من ناحية عدم تطوير فرص عمل تتناسب ووضعية المدن والقرى العربية  بل حتى تضييق الخناق على الأعمال القائمة في المصانع والمعامل الصغيرة التي قد توفر بعض أماكن العمل .
ومن ناحية أخرى عدم تهيئة البنية التحتية لتمكين النساء الفلسطينيات من الخروج لسوق العمل مثل المواصلات والأطر التربوية الملائمة للأطفال وغير ذلك، حيث إن 30% من الاكاديميات الفلسطينيات فقط يعملن والأخريات معطّلات عن العمل.
ففي السنة الماضية  شهدنا  محاولة أخرى للترغيب من خلال استغلال أكثر فئة معطّلة عن العمل من بين الأكاديميات، ألا وهن المعلّمات، حملة شهادة التدريس حيث كان مشروع القرار إعطاء 20 نقطة إضافية في تدريج الأسبقية في سلم التوظيف بحسب وزارة التربية والتعليم للطالبات خريجات الخدمة المدنية ،وهذا العدد من  النقاط يوازي النقاط التي قد تحصل عليها طالبة تفوقت على مدار كل سنوات تعليمها الجامعي. لكن توحيد الجهود من قبل المؤسسات القاعدية والقيادة في التصدي لمشروع هذا القرار أدى إلى فشله.
في هذه الأيام تقف جماهيرنا العربية أمام تحدٍّ جديد قديم وهو فرض قانون الخدمة المدنية الذي يحاول  نتانياهو  وحكومته اليمينية، اثر فشل كل محاولات الاحتيال على جماهيرنا ومحاولات الترغيب، اقرار قانون لفرض الخدمة المدنية على الشباب الفلسطيني في الداخل تحت ذريعة المشاركة في حمل الأعباء. وهنا يأتي السؤال: هل علينا  أيضا تحمّل أعباء احتلالهم ومغامراتهم في محاولات قمع وسلب ما تبقى من أرضنا وكرامتنا؟
وعليه، تسعى هذه الحكومة لفرض الخدمة الإجبارية على الشباب العربي، بعكس ما هو قائم حتى يومنا هذا، على أن يخيّر الشباب العربي بين الخدمة العسكرية او الخدمة في احدى المؤسسات المدنية.
إن من اخطر الامور التي قد يؤول اليها وضع الشباب الفلسطيني نتيجة لفرض الخدمة هو: دفع الشباب الفلسطيني للانتماء من ناحية قيميّة للدولة، قلبا وقالبا، ودفعه بالمقابل لمقاتلة ابناء شعبه. مما يدخله في معضلة  مع عدة قضايا: اخلاقية ، قيمية ، وطنية، اضافةً  لتناقضات فكرية ايديولوجية لا تتناسب والواقع التاريخي والسياسي  الذي يعيشه . فمما لا شك فيه أن هذه المعضلات ليست مقتصرة على المتجندين في الخدمة العسكرية، بل في الخدمة المدنية ايضا  فكما نعلم جميعا أن الخدمة المدنية هي باب خلفي للخدمة العسكرية بحيث يعتبر الخادمون جزءا من احتياط الدولة العسكري.
وقضية هامة اخرى، "مصير الرافضين"  مما لا شك فيه أن هناك الكثير من الشابات والشبان الذين رفضوا الخدمة بانواعها ، فهل ستقوم الدولة الصهيونية باخراج الرافضين عن القانون وتجريمهم ومن ثم تعريضهم للمساءلة والعقاب . أم ستقوم  بحرمان الرافضين من حقوقهم  المدنية كمواطنين ومواطنات على اساس موضوع ربط الحقوق بالواجبات ، وما يسمونه اليوم المساهمة بالعبء؟
وقضية اخرى اجتماعية اقتصادية من المهم أن لا تغفل عنا في هذا السياق وضمن المصطلحات المستخدمة  الا وهي تعميق مشكلة البطالة في المجتمع الفلسطيني في الداخل، وخصوصا اغلاق قسم كبير من فرص العمل في الدوائر والمؤسسات الرسمية أمام الفلسطينيين حيث سيتم الاستغناء عن الملاكات الثابتة لصالح الخادمين/ات، ومن هنا يجدر  التذكير  ان الخادمين يعتبرون من ناحية الدولة ايدي عاملة رخيصة لا تكلف الدولة كثيرا ولا تحتاج استثمارا لا على الصعيد المهني ولا التعليمي. ومع التحدي الموجود وكل محاولات  الترغيب التي اتبعت حتى ايامنا هذه لم يتم تجنيد 5% من شبابنا في صفوف الخدمة المدنية.
والسؤال الذي يطرح اليوم اذا كانت السلطة الصهيونية تريد حقا تجنيد الاقلية الفلسطينية  الم تكن قادرة على عمل هذا من قبل؟ إذًا ما الذي تريده الحكومة اليوم؟
على ما يبدو ان المراد من وراء هذه الزوبعة بالأساس ومرة اخرى هي محاولات مستميتة من قبل السلطات لتجميع الاصوات للمعركة الانتخابية القادمة بعد عام . ومع هذا وباعتقادي هذه نقطة تحدٍّ في حياة شعبنا ، شبابنا وشاباتنا ومن هنا علينا ان نأخذ الامر على محمل الجد وان لا نقف مكتوفي الايدي. نحن لسنا بحاجة لجماعات من اليمين لدراسة واقع شبابنا  ، وبناء الخطط للتعامل معه.
علينا ان نقف موحدين في وجه هذا المخطط. وان التعامل بمرونة او حيادية مع هذا الموضوع ، هو بمثابة مساندة لمؤسسة الدولة بهذا القرار. فما أقصده الآن وبالذات الآن لا يمكن ان نترك الامور تجري على راحتها وبعفويتها علينا ان نكون منظمين بشكل كبير وعلى كافة الصعد، قيادة محلية ونضالا شعبيا، موجِّها للشباب والشابات وكذلك أمام السلطات رافضين هذا المخطط بصورة مدروسة وممنهجة وليس فقط بمجرد الفعل.

 


(الناصرة )

قد يهمّكم أيضا..
featured

ربيع الخريف... خريف الربيع

featured

أمور لا تصدق

featured

لا لترهيب أطفال غزة

featured

بين الرياض و "إلعاد"

featured

علاقة أهالي دير ياسين الطيبة باليهود لم تمنع المذبحة

featured

هيّاك هيّاك يا حمار الحيّاك!

featured

عندما تقولين "دولتان لشعبين"، ماذا تقصدين؟